المالية: 4 محاور رئيسية لحزمة الحماية الاجتماعية الجديدة    بصفتها الشريك الرسمي لسلسلة التوريد في "مليون باوند منيو 2".. "كايرو ثرى إيه" ترسم ملامح جديدة لمستقبل قطاع الأغذية في مصر    مقتل 3 وإصابة 7 آخرين جراء قصف الدعم السريع لمستشفى بولاية سنار    القمة الأفريقية تؤكد رفضها القاطع لأى محاولات لتهجير الشعب الفلسطينى    مدارس أمريكية تلغى تصوير الفصول الدراسية بسبب قضية جيفرى إبستين    غارة إسرائيلية قرب الحدود السورية تخلّف 4 قتلى    أطباء السودان: قصف لمستشفى في ولاية سنار يسفر عن 3 قتلى و7 جرحى    ختام مهيب لفعاليات يوم التأسيس في قصر الحكم.. حضور رسمي ورسائل وطنية راسخة    بشير التابعى: عدى الدباغ أقل من قيمة الزمالك    جاريدو: حسام غالى لم يتدخل فى قراراتى الفنية وأزماته مع وائل جمعة بسبب قوة شخصيته    سيد معوض: كوكا ليس معلول وانتقاد بعض الجماهير ل "طاهر" غير مبرر    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة أجنة المنيا بضمان محل الإقامة وعلى ذمة التحقيقات    سقوط عصابة الأحداث المتورطين في ترهيب قائدي السيارات بالعطارين    الأمن يكشف ملابسات سرقة تروسيكل في الغربية عقب تداول فيديو    الجنح المستأنفة تعيد محاكمة متهم في قضية مسن السويس    الفائز بجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية من الفلبين: المعرفة يجب أن تتحول إلى أدوات عملية    تعرف على موعد ومكان جنازة والدة الفنانة ريم مصطفى    المكتبة المتنقلة تشارك بفعاليات متنوعة لدعم ذوي الهمم بكفر الدوار    تعادل مثير بين نابولي وروما في قمة الجولة ال25 بالدوري الإيطالي    محافظ الدقهلية يفتتح ملاعب ومنشآت جديدة بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    مدافع الجيش الملكي: كنا نعلم ما ينتظرنا أمام الأهلي    موعد مباريات اليوم الإثنين 16 فبراير 2026| إنفوجراف    النيابة الإدارية تختتم فعاليات برنامج التحول الرقمي في مؤسسات الدولة    أحمد هيكل: لا حل لأزمة الدين دون نمو بنسبة 8% ل 15 عاما على الأقل    واشنطن تختبر مفاعلًا نوويًا متقدمًا ضمن خطة لتسريع الابتكار في مجال الطاقة النووية    27 مليون دولار من اليابان لدعم الصحة والبنية التحتية والطاقة في فلسطين    بعد إحالتهم للمحاكمة.. النيابة توجه 7 اتهامات للمتورطين في واقعة إهانة الشاب إسلام ببنها    نيابة المنيا تُخلي سبيل المتهمين في واقعة الأجنة    الحكومة: نحرص على استفادة أصحاب المعاشات من أي زيادات جديدة ضمن إجراءات تحسين مستوى المعيشة    رئيس الوزراء: تنسيق مع القطاع الخاص لتطبيق زيادة الأجور فور تصديق الرئيس على حزمة المرتبات    الحكومة: صرف 330 مليون جنيه للعمالة غير المنتظمة خلال الفترة المقبلة ضمن حزمة الحماية الاجتماعية    وفاة والدة الفنانة ريم مصطفى.. وهذا هو موعد تشييع الجثمان    مدبولي: أولوية قصوى لتحسين دخول المعلمين والأطقم الطبية ضمن خطة الدولة لدعم الخدمات الأساسية    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    طاهر نصر ل كلمة أخيرة: 3 مفاتيح للتغيير مع بداية رمضان.. اعرفها    مدير مركز الإرشاد الزواجي بالإفتاء: الخرس الزوجي والانشغال بالأجهزة الحديثة يهددان استقرار الأسرة    أبرز محاور مداخلة نقيب الصحفيين في اجتماع لجنة إعلام مجلس الشيوخ    نشأت الديهي عن حزم الحماية الصحية: المرض إحساس صعب والأولوية للعلاج    صحة قنا: إجراء 41 عملية جراحية متنوعة في يوم واحد بمستشفى نجع حمادي    أطفال يدفعون الثمن و«سن الحضانة» يقرر موعد الرحيل    «القومي لذوي الإعاقة»: الإستراتيجية الوطنية تقود خمس سنوات نحو مجتمع بلا حواجز    وزير المجالس النيابية: الحكومة تؤمن بالمصارحة والالتزام بالحقيقة لتحقيق الصالح العام    وفاة شاب دهسا تحت القطار أثناء عبور السكة الحديد بأسيوط    هل الحسابات الفلكية تغني عن الرؤية الشرعية للهلال؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة: 3 مليارات جنيه لتعزيز الخدمات بالقطاع الطبي ضمن حزمة الحماية الاجتماعية    التفاصيل الكاملة لواقعة ارتكاب فعل فاضح بين عامل وفتاة داخل مدرسة بالقليوبية    محلية النواب توصي بتشكيل لجنة لفحص الأضرار الناتجة عن دفن المخلفات    استقبالًا لشهر رمضان المبارك... الأوقاف تجدد الحملة الموسعة لنظافة المساجد الثلاثاء المقبل    طريقة عمل أم علي بالجلاش في خطوات بسيطة    محمود مسلم: الصحفي ليس على رأسه ريشة لكن القلم أو الكاميرا على رأسها ريشة وتكشف التجاوزات    ماسبيرو 2026.. "حكايات نعينع" على شاشة التليفزيون المصري في رمضان    استمرار التقديم لمسابقة «زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية»    قرار جديد ضد عاطل بتهمة قتل صديقه وتقطيعه في العياط    منطقة الأقصر الأزهرية تعقد فعاليات مسابقة الإمام الأكبر لحفظ القرآن الكريم    السيسي يشدد على ضرورة الجدارة والكفاءة فى الأداء الحكومى    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    أولاد حارتنا.. أسئلة فلسفية! (3)    معركة الصدارة تشتعل في القاهرة.. الأهلي يواجه الجيش الملكي في ليلة حسم مصير المجموعة بدوري أبطال إفريقيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدور المصري و(حلم الستينيات)
نشر في الشروق الجديد يوم 05 - 11 - 2009

كلما تحدث أحد عن استعادة دور مصر الإقليمى بمعنى الدولة ذات الوظيفة القيادية وليس بمعنى «الناصح الأمين»، كما كتب جميل مطر باقتدار فى سبتمبر الماضى، جاء الرد سريعا بأن أصحاب هذا المنطق مازالوا يعيشون فى ستينيات القرن الماضى ويحلمون بالعودة إليها. وعلى الرغم من أن «حنين الستينيات» ليس تهمة تمس الشرف والاعتبار كى يتبرأ المرء منها، فإن الحالمين بالستينيات إما أن يكونوا من «الرومانسيين» الذين لم يعد الزمان يلائمهم وإما غير مدركين حقيقة أن الزمن الراهن غير زمان الستينيات، وأن مصر «الستينيات» بكل ما لها وما عليها ليست هى مصر الآن. الذين يطالبون بدور مصرى إقليمى قيادى إذن يفعلون ذلك من منطلق هذا الزمان وحقائقه، والرغبة فى تحقيق الأمن والازدهار الاقتصادى لمصر ووطنها العربى بعيدا عن مشروعات إقليمية ودولية يتعارض معظمها مع متطلبات ذلك الأمن وهذا الازدهار.
والمشكلة إن عديدا من كبار المسئولين فى مصر يفهمون هذه المطالبة على أنها مجرد نقد لسياساتهم وأدائهم فى المحيطين العربى والإقليمى، وعلى الرغم من أن لهذا النقد مبرراته القوية، فإن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، لأن تراجع الدور المصرى ظاهرة يمكن أن ترد إلى نهاية الستينيات وعقد السبعينيات من القرن الماضى، نتيجة اعتبارات موضوعية مصرية وحقائق بنيوية استجدت على النظام العربى. أما الاعتبارات المصرية فتتمثل فى أن «مشروع القيادة» المصرى قد تلقى ضربة موجعة بهزيمة1967 استدعت تركيزا فى الداخل على إعادة البناء العسكرى، وجعلت من استمرار السعى الدءوب لتغيير الواقع العربى ترفا لا تتحمله ظروف الهزيمة.
من ناحية أخرى، فإن هذه الظروف نفسها فرضت على مصر أن تقبل لأول مرة على الأقل فى تاريخها المعاصر معونات مالية للمساعدة على مواجهة آثار العدوان تصادف أنها أى المعونات جاءت كلها من دول عربية محافظة، وهكذا لم يعد ممكنا أن تتلقى مصر باليد اليمنى مساعدات من هذه الدول وتعمل باليد اليسرى على تغيير الأوضاع فيها. وبرحيل عبدالناصر رمز المشروع القيادى المصرى ومحركه فى1970 فقد الدور المصرى قيادة كاريزمية استطاعت دوما أن تعبئ زخما جماهيريا غلابا تأييدا لهذا الدور.
وتمثلت المفارقة فى أن اللحظة التاريخية التى كان يمكن لمصر أن تستعيد فيها وظيفتها القيادية بالكامل وهى لحظة أكتوبر 1973 كانت هى ذاتها اللحظة التى شهدت تغيرات بنيوية جذرية فى الواقع العربى مع طفرة أسعار النفط التى واكبت الحرب، وقد ترتب على هذه الطفرة ظهور مراكز مالية عربية جديدة أزاحت القوة الاقتصادية المصرية من الصدارة، وتحول بعض هذه المراكز بفعل رؤى سياسية وعوامل أخرى للقوة إلى أدوار قيادية منافسة برز من بينها الدوران العراقى والسعودى. ومن الناحية البنيوية قد يكون فقدان التفرد بالصدارة فى النظام العربى واحدا من العوامل التى دفعت السادات إلى أن يخرج على مألوف سلوك هذا النظام ويقوم بزيارته الشهيرة إلى إسرائيل فى1977، ويتوصل فى1978 إلى اتفاقيتى كامب ديفيد مع إسرائيل بوساطة أمريكية، ثم ينتهى بعقد معاهدة سلام معها فى1979. غير أن الأهم أن ذلك السلوك قد أفقد الدور المصرى فى الوطن العربى مقوما آخر بالغ الأهمية من مقومات القيادة، وبدلا من «مشروع التحرر العربى» الذى كانت مصر تقود الوطن العربى من خلاله فى خمسينيات القرن الماضى وستينياته ظهر مشروع غامض لتسوية عربية إسرائيلية تضمنته اتفاقية كامب ديفيد الثانية، ولم يحظ هذا المشروع بطبيعة الحال بتأييد عربى يذكر.
ومن الحقيقى أن النظام العربى وإن اعترض فى حينه على هذا المشروع على نحو شبه جماعى، إلا أنه أخفق فى بلورة بديل لمشروع السادات، فلا هو استطاع أن يجعل من «الجبهة الشرقية» بديلا للجبهة المصرية فى المواجهة العسكرية مع إسرائيل، ولا هو تمكن من طرح بديل أفضل للتسوية، اللهم إلا اعتبارا من صيغة فاس التى أقرتها القمة العربية فى1982 والتى ظلت مع ذلك حبرا عربيا باهتا على أوراق السياسة الإقليمية، كذلك فإن النظام العربى اكتشف فى النصف الثانى من الثمانينيات مع تطورات الحرب العراقية الإيرانية أن اتقاء الخطر الإيرانى المتزايد مستحيل دون مصر، وهكذا بدأت عملية المصالحة المصرية العربية على الصعيد الثنائى أولا فى قمة1987 واكتملت على الصعيد الجماعى فى قمة 1989. لكن تلك التطورات مع ذلك لم تكن إيذانا بعودة الدور المصرى إلى سابق عهده بسبب التحولات البنيوية التى سبقت الإشارة إليها، وربما يكون الأهم من ذلك أن «الدور المصرى» قد اختار آنذاك التوحد مع المشروع الأمريكى فى المنطقة أو على الأقل التحالف معه، ولسنا الآن بصدد تقييم هذا الخيار الاستراتيجى. تجدر الإشارة فحسب إلى أن آثاره كانت كارثية بالنسبة للدور المصرى عربيا، فلم تكن هذه الدولة العربية أو تلك بحاجة إلى «وسيط» مصرى لكى تدلف إلى البوابة الأمريكية، ومن هنا حدث مزيد من تآكل الدور المصرى.
وبدت مظاهر هذا التآكل بعد ذلك فى أكثر من اتجاه، كما فى إهمال مناطق بأكملها بالغة الحيوية للمصالح المصرية كأفريقيا بعد أن تولى بطرس غالى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وبصفة خاصة مع انحسار التمثيل المصرى بشكل لافت فى القمم الأفريقية فى أعقاب محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا فى 1996، والتوقف غير المبرر عن توظيف عوامل مهمة للقوة المصرية الناعمة فى تنشيط الدور القيادى لمصر فى الوطن العربى، كما يظهر من إعلاء منطق الحساب الاقتصادى على منطق التنشئة السياسية فى استضافة الدارسين العرب فى مؤسسات التعليم العالى، ومن ثم تراجع دور حلقة الوصل التى كانوا يمثلونها بين دولهم وبين مصر، والتى كان ينتج عنها حضور مصرى دائم وقوى فى تلك الدول، وفقدان مصر الريادة الإعلامية فى مجال تقديم الخدمة الخبرية، وبداية تآكل التفوق المصرى الحاسم فى مجال الدراما التليفزيونية، وأخيرا وليس آخرا غياب الرؤية الإستراتيجية الشاملة التى تحكم تحرك مصر فى المنطقة لحساب قضايا جزئية كما فى التركيز المبالغ فيه على غرس «شجرة المصالحة الفلسطينية» مع كل التقدير للجهود المخلصة والدؤوبة فى هذا الاتجاه بينما غابة التسوية الشاملة وإدارة الصراع العربى الإسرائيلى برؤية جديدة فاعلة هى التى تحتاج جهودا بوزن الجهود التى ترتبط باسم مصر.
لا يحتاج الأمر إلى معجزة كى يتغير ما سبق إلى الأفضل، ولننظر ما فعلته تركيا لدورها الإقليمى فى غضون سنوات قليلة: تحول فى التوجهات من التركيز على عضوية الاتحاد الأوروبى التى لن تجئ إلى الانغماس فى سياسات الإقليم برؤية جديدة يمكن تسويقها بنجاح بين نظمه الحاكمة ونخبه المثقفة بل وقطاعات واسعة من الرأى العام فيه رؤية شاملة للمنطقة تنطلق من مصالحة مع الجغرافيا والتاريخ قوة عسكرية بالمعايير الإقليمية واقتصاد قوى واعد. هكذا نفذت الدبلوماسية التركية فى شهر واحد على سبيل المثال هو شهر أكتوبر الماضى واحدة من أوسع «الهجمات» فى تاريخها وأكثرها دلالة على معنى الدور الإقليمى وفعاليته، ففى شهر واحد تصالح الأتراك ممثلين برئيس وزرائهم ووزير خارجيته مهندس التغيير مع أرمينيا بعد عداء تاريخى ممتد، وبنوا جسورا جديدة مع العراق بما فى ذلك أكراده، وفتحوا الحدود مع سوريا دون تأشيرات بعد عقود من النزاع حول لواء الإسكندرونة، ووضعوا أسسا قوية لتعاون مع إيران يمهد لنظام إقليمى جديد، وألغوا المناورات العسكرية مع إسرائيل لحساب مناورات مع سوريا ناهيك عن التصريحات اللفظية الحادة تجاه السياسات العدوانية الإسرائيلية. والنتيجة الطبيعية أن تركيا صارت تتمتع بحضور قوى فى السياسة العربية سواء فى أوساط قطاعات من الرأى العام والنخب السياسية والمثقفة، أو من خلال علاقات قوية مع معظم الدول العربية ذات التأثير، ومباركة من الجامعة العربية لدورها كما اتضح فى موقف الجامعة من الوساطة التركية لحل أزمة العلاقات السورية العراقية.
لقد تمكن محمد على فى ظل تبعية قانونية «للباب العالى» من أن يبنى إمبراطورية مصرية حقيقية فى الوطن العربى وأفريقيا، ولا أحد يحلم بالمناسبة بأن يعيد إنجازاته، لكنه تمكن من ذلك بفضل عوامل لا تختلف كثيرا من حيث جوهرها عن عوامل الصحوة التركية الراهنة، وكرر عبدالناصر بعد أكثر من قرن إنجازات محمد على مع خلاف بين فى التفاصيل اقتضته طبيعة المرحلة، أما الآن، فإن مصر تئن تحت وطأة اقتصاد يسعى رجاله بكل السبل إلى «تعويمه»، وغياب لعدالة توزيع عوائده، وتجربة فى التطور السياسى ما زالت تراوغ على أعتاب الديمقراطية، ونظام حكم مشغول بأولوية «البقاء» قبل أى شىء آخر، وبيئة عربية وإقليمية غير مواتية. من هنا تبدو معضلة الدور المصرى الحقيقية وليس من البكاء على «لبن الستينيات المسكوب».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.