بيطري القاهرة تنفذ خطة تطوير شاملة تستهدف تأهيل خريجين    إطلاق الدورة الثانية من برنامج منح الزيارات القصيرة لنقل التكنولوجيا    محافظ الجيزة: رضا المواطن أولوية وخطة جديدة للنظافة والمياه والطاقة الشمسية    سعر الجنيه الذهب في الصاغة اليوم الإثنين (تحديث لحظي)    ارتفاع أسعار الحديد وانخفاض الأسمنت اليوم الإثنين 27 أبريل 2026    فرنسا: الحلول المؤقتة للأزمة الإيرانية لم تعد كافية وعلى طهران تقديم تنازلات كبيرة    المصري يخطف فوزا ثمينا من سموحة في الدوري الممتاز (صور)    خلافات ملكية منزل تشعل مشاجرة في البحيرة، والأمن يكشف ملابسات فيديو متداول    موعد انطلاق امتحانات نهاية العام الدراسي بالجامعات 2026    الأدلة الجنائية وكاميرات المراقبة تقود التحقيق في مقتل زوجين بالزقازيق    بدء حفل افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزير الداخلية يبحث مع وزير الأمن والحماية المدنية المالي تعزيز التعاون المشترك    وزير الخارجية يؤكد ل«ويتكوف» أهمية الاستمرار في التفاوض لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب    مجلس الشيوخ يناقش تعديلات حازم الجندي بقانون التأمينات.. والنائب يدعو لفك التشابكات للحفاظ على أموال المعاشات    كما كشف في الجول - روسيا تعلن مواجهة منتخب مصر قبل كأس العالم وديا    وزير الرياضة يفتتح البطولة الإفريقية للمصارعة    أحمد حسام وعمرو ناصر يساندان الزمالك في لقاء إنبي    وقفة واجبة مع خطة الحكومة    رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية: مبادرة «ازرع» لم تعد مجرد نشاط موسمي بل نموذج تنموي رائد    رئيس البرلمان العربي يعزي رئيس الوزراء المصري في وفاة والده    جميعهم سيدات.. أسماء مصابي حريق 5 منازل بقنا    في واقعة الفيديوهات.. الاقتصادية تقضي بعدم الاختصاص في محاكمة طليق رحمة محسن    تأجيل محاكمة 73 متهما بقضية خلية اللجان النوعية بالتجمع لجلسة 24 يونيو    محافظة القدس: اقتحامات مستمرة واعتقالات ومداهمات عنيفة شمال المدينة    نادية مصطفى تنفي شائعة وفاة هاني شاكر وتؤكد: المصدر الوحيد لأخباره أسرته أو النقابة    جيسون ستاثام يعود بالأكشن والإثارة في Mutiny.. الموعد والقصة والأبطال    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    حكم المصافحة بعد الصلاة في الجماعة.. دار الإفتاء المصرية توضح هل هي سنة أم بدعة    الفرق بين المشروبات المهدئة والمنشطة ومتى نستخدمهما ؟    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    سفير الصومال لدى مصر يبحث مع نظيره الجيبوتي سبل تعزيز الشراكة    تمت المراجعة// مع ارتفاع مدخلات الإنتاج وانخفاض الأسعار.. خسائر بالملايين لمزارعى محصول الفراولة    أيمن بهجت قمر يحسم الجدل حول زواجه ويعلق على شائعات السوشيال ميديا    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة بمعدل 3 درجات وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 29    محافظ البحيرة: توريد أكثر من 9603 طن قمح للشون والصوامع حتى صباح اليوم    شوارع الإسكندرية تتزين بشعار مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير قبل انطلاقه    دوري أبطال أوروبا 2025/2026 – من سيفوز، باريس سان جيرمان أم بايرن ميونخ؟    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    وزير الصحة يشارك في افتتاح قمة الصحة العالمية بنيروبي    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية يحتفل ب "اليوم العالمي للرقص"    محافظ الجيزة ينعى والد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء    الصحفيين تعلن أسماء المرشحين لانتخابات شعبة محرري «الصحة»    حفل جديد لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية    التأمين الصحي الشامل ينقذ حياة طفلة بعد ابتلاع "دبوس" ودخوله إلى القصبة الهوائية    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    الصحة تطلق برنامجاً تدريبياً لتطوير فرق الطوارئ الطبية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية    محاولة اغتيال ترامب| الرئيس الأمريكي يكشف تفاصيل جديدة    أشرف نصار يكشف لليوم السابع حقيقة الصفقة التبادلية مع الأهلي لضم أسامة فيصل    مصرع شاب صدمه قطار خلال محاولته عبور السكة الحديد في العياط    ريال مدريد يشترط 60 مليون يورو لرحيل لاعبه    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ولو كان بهم خصاصة
نشر في شباب مصر يوم 21 - 01 - 2016


د / أحمد صبحي منصور

·عناية القرآن الكريم بحق الفقير والمسكين أوجبت الاحسان اليه والى غيره بحُسن المعاملة الانسانية شأن الاحسان للوالدين : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36) النساء )، هذا مع التذكير بأنه فى كل الأحوال فالفقير والمسكين واليتامى والجيران وسائر المستحقين لا يُشترط أن يكونوا مسلمين ، فالفقير مستحق لكونه فقيرا ، والمسكين مستحق لكونه مسكينا ، وهكذا الأقارب والجيران . لا يُقال أبدا ( فقير مؤمن أو مسكين مسلم ، أو جار تقى أو ابن سبيل من الابرار ) بل مجرد الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل .
· وأعطت العناية القرآنية لهم حقا فى الميراث إذا حضروا تقسيم التركة : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) النساء )، وأفردت لهم نصيبا مفروضا في الزكاة الرسمية : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة ) والصدقة الفردية : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة ) (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة) وفى الغنائم الحلال:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (41) الانفال ) وفى الفيء
·بل إن إيراد الفيء كان مقصورا على الفقراء بأصنافهم ، والفيء هي الموارد المالية التى تأتى لخزينة المسلمين بدون حرب يقول سبحانه وتعالى : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر ).
إن الهدف من تقسيم الفيء على الفقراء دون الأغنياء هو عدم تركيز الثروة وتكديسها في أيدي طبقة الأغنياء ليتحولوا الى
( مترفين ) يحتكرون الثروة ومن ثمّ السلطة . والتعبير القرآني هنا غاية فى الدلالة : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ). أى كى لا يتداوله الأغنياء بعيدا عن الفقراء . ذلك أن الفقير مستهلك بطبعه ، وما يأخذه ينفقه على معاشه ، وهذا الاستهلاك يعنى رواج أدوات الانتاج التى يملكها الأغنياء من مزارع ومصانع ومتاجر ، أى أن ما يتصدق به الأغنياء على الفقراء يعود الى جيوب الأغنياء فى دورة مالية يستفيد منها العامل وصاحب رأس المال . إما إذا بخل الأثرياء وعاش الفقراء على حافة الجوع قل الاستهلاك وتوقفت وسائل الانتاج وانتشرت البطالة وعمّ الفقر . لذا على الأقل فإن ما يفىء الى بيت المال أو خزينة الدولة من ايرادات ( كقناة السويس والجمارك ) يجب أن تتوزع فورا على المستحقين المحتاجين فتزداد عجلة الانتاج
·ونعود الى عصر النبى عليه السلام ، وفي ذلك العصر كان معظم الأغنياء في المدينة من المنافقين – وقد نهى الله النبى عن الاعجاب بأموالهم وأولادهم : (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) ) التوبة )– وأولئك المنافقون كانوا مع ثرائهم يطمعون في أن يؤتيهم النبي من الفيء والغنائم ، بل كانوا يلمزون النبي إذا حرمهم من هذه الأموال لذا يقول تعالى عنهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة ).
وحتى لا يعترض أولئك الأغنياء من حرمانهم من الفيء فإن الله سبحانه وتعالى يقول لهم " : ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر).أي عليكم أن ترضوا بما يعطيه لكم الرسول من الفيء إذا كنتم من المستحقين له وعليكم أن تنتهوا عن طمعكم فيما ليس حقا لكم . ثم توضح الآيتان التاليتان مستحقي الفيء من الفقراء من المهاجرين والأنصار: ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر ).المهاجرون تركوا أرضهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله ، والأنصار الفقراء آثروا إخوانهم المهاجرين مع ما بهم من خصاصة وفقر . أما الأغنياء المنافقون فقد بخلوا بأموالهم وطمعوا فيما ليس حقا لهم ..
·لقد انتصر الإسلام للمستضعفين فكانوا في مقدمة أتباعه بينما وقف المترفون في مكة وفي المدينة يكيدون للإسلام حرصا منهم على امتيازاتهم الطبقية والاجتماعية أو بالتعبير القرآني عن تكذيبهم للقرآن الكريم : (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) الواقعة ). إلا أن الحال اختلف بعد أن انتصر المسلمون على الفرس والروم وورثوا كنوزهم ومستعمراتهم وأشرفوا على مباهج الدنيا في الشام والعراق ومصر وإيران ، فتنازعوا على النعيم بعد أن غرقوا فيه فى خلافة عثمان ، وانتهى الأمر بقتل عثمان ودخول الصحابة فى الفتنة الكبرى . و في الفتنة الكبرى نري من أعلامها من الصحابة : الزبير بن العوام وطلحة بن عبدالله وعمرو بن العاص .. ومن خلال كتب التراث نتعرف على ثرواتهم التي تفوق الخيال بمقياس عصرنا . يذكر ابن سعد في الطبقات عن الزبير بن العوام أنه ترك عند وفاته ما قيمته (52 مليون دينارا) بالإضافة إلى سيولة مالية قدرها(35) مليون دينار و(200 ألف دينار) وأنه ترك خططا – أي عمائر – بمصر والإسكندرية والكوفة والبصرة وإحدى عشر دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة .. أما طلحة بن عبيد الله – الذي كان يتحلى بخاتم من ذهب فيه ياقوتة حمراء – فقد ترك سيولة مالية قدرها(2ر2 مليون درهم) وقيمة ما تركه (30 مليون درهم) ومائة ( بهار) وفي كل بهار ( ثلاث قناطير من ذهب ) و ( البهار) مكيال يساوي أردبين أي (200أردب) من الذهب .!! ( طبقات ابن سعد 3، 1 ، 77، 157: 158) وعمرو بن العاص الذي افتتح مصر أكل خيرها ترك عند وفاته سبعين بهارا من الدنانير ،أي (140 أردبا) من الذهب .. !! خطط المقريزي( 1- 564 ). لذا لا نستغرب أن يكونوا زعماء للفتنة الكبرى ، ويصدق عليهم قول مسروق الزاهد : ( هذه الدنيا أكلوها فأفنوها ، لبسوها فأبلوها ، ركبوها فأنضوها ، سفكوا فيها دماءهم ، واستحلوا فيها محارمهم ، وقطعوا فيها أرحامهم . )!" وبسبب هؤلاء السادة وغيرهم قتل من المسلمين عشرات الألوف في حروب الجمل وصفين والنهروان
نسي أولئك أن للفقراء حقا ، ولو أعطوهم حقهم لما بقيت لديهم تلك الملايين المكنوزة والتي تركوها خلفهم . ونسوا أنهم لو أعطوا الفقراء حقهم كما قال القرآن ما أصبح المال دولة ببين الأغنياء، أو بتعبير عصرنا ما تكونت طبقة من الأثرياء المترفين التي تسيطر على معظم الثروة بينما تقاسي الأغلبية من الحرمان . لقد جاء الإسلام لينقذ الفقراء من ظلم الأغنياء في الشام والعراق ومصر وإيران ، ولكن الذي حدث أن الزعماء الجدد من الصحابة ورثوا كنوز الأكاسرة والقياصرة ولم يلتفتوا لإصلاح حال الشعوب ، بل عوملت الشعوب المفتوحة في عصر الأمويين بالتعسف والظلم حتي من أسلم منهم كان يدفع الجزية
والمفجع أن ذلك " السلف الصالح " عاش مع النبي تلك الفترة الذهبية التي كان الفقراء فيها يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ..
وبعض المسلمين كان يتذكر تلك الفترة الذهبية وينظر حوله حيث المتاع والمال فيبكي .. كان خباب بن الأرت يقول في آخر حياته: ( هاجرنا مع رسول الله في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله ، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه.. ! )" وكان خباب يقول : ( لقد رأيتني مع رسول الله لا أملك دينارا ولا درهما وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف..ولقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا.! ).(الطبقات الكبرى 3 ،1 ،85 ،117)
·إن صمام الأمن في أي مجتمع هو إعطاء الفقراء حقهم، وإذا أكل الأغنياء حقوق الفقراء فإنما يحفرون قبورهم بأيديهم كما حدث مع أؤلئك الأغنياء من:
( السلف الصالح ).!"وكثيرون من أعيان عصرنا في حاجة لفهم هذا الدرس من تاريخنا الإسلامي .) إنتهى المقال .
·أخيرا
·مضى على نشر هذا المقال نحو ربع قرن ، تعاظمت فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء . إزداد الأغنياء تُخمة وتحول الميلونير الى بليونير، وتحول الأثرياء الى مترفين ، بينما تساقط ملايين من ( المستورين ) من الطبقة الوسطى الى مستنقع الفقر ، وتحول ملايين من الفقراء الى مساكين ( أفقر الفقراء ) ، وفى التعاظم المضطرد للفجوة بين المحرومين والمترفين تزداد الأسعار إشتعالا والبطالة إنتشارا ، والذى يعلو سعره لا يتراجع بل يظل فى إزدياد . ويبدو المستقبل لمصر مرعبا ، فأصبح الكثيرون يتوجسون من ثورة جياع قادمة تدمر وتخرّب .
·هنا نتذكر الارهاصات القرآنية عن تدمير القرية الظالمة أهلها بسبب المترفين الفاسقين ، ونتذكر قول رب العزة جل وعلا ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) البقرة ) ، فالانفاق فى سبيل الله والاحسان فى كفة ، و التهلكة فى الكفة الأخرى . وعلى المترفين المصريين الاتعاظ من القرآن الكريم ، فإن لم يؤمنوا به فليتعظوا بتجارب التاريخ الماضى والمعاصر الذى يجرى الآن على قدم وساق ، حيث سقوط أنظمة الحكم الفاسدة وما يليها من حروب أهلية .
·ونقول للمترفين أنه مهما بلغت الأموال المهربة للخارج فلن تستعيد وطنا عاش فيه الانسان صباه وشبابه مع أهله وأصدقائه . وفنادق أوربا وأمريكا ومنتزهاتها لا يمكن أن تعوض جلسة مع الأصدقاء على النيل أو فى مقهى فى القاهرة . هناك أشياء لا تُقدر بمال ، ولا يعرف قيمتها إلا من هاجر بعد منتصف العمر تاركا خلفه تاريخا من الذكريات المحفورة فى النخاع . وما أسوأ ان تقضى شيخوختك بعيدا عن وطن اسهمت فى تدميره .
المصلحون المسالمون الفقراء من أمثالنا أُجبروا على الهروب من وطنهم وأنكرهم وطنهم .!! ، ولكن ما هو عُذر الذين أتخموا بطونهم من نهب وطنهم ؟
--------
بقلم الدكتور/ أحمد صبحي منصور
من علماء الأزهر سابقا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.