ارتفاع سعر الريال السعودي في ختام تعاملات اليوم 23 أبريل 2026    النيابة الإدارية تختتم برنامج التحول الرقمي وهندسة الذكاء الاصطناعي    ملايين الأسهم بأيدى كبار المستثمرين.. اكتتاب «المطورون العرب» يحصد ثقة رجال الأعمال    محافظ القليوبية يوجه باستغلال مبنى متعطل منذ 16 عاما بقرية سندبيس    استشهاد فلسطيني بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية    خبيرة دولية: مؤتمر لندن يسعى لإعادة فتح مضيق هرمز.. والمهمة «صعبة ومعقدة»    شوط أول سلبي بين المقاولون العرب والاتحاد السكندري في الدوري    الأهلى يهزم البنك التجارى الكينى ويتوج بلقب بطولة أفريقيا لسيدات الطائرة    مجرد استراحة، لامين يامال يعلق على إصابته القوية مع برشلونة    ضبط طفل يقود سيارة ميكروباص على طريق أوسيم    الطقس غدا.. ارتفاع آخر فى درجات الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    نادية مصطفى تكشف مفاجأة صادمة عن حالة هاني شاكر الصحية    التشكيل - باهية يقود المقاولون العرب.. وثلاثي يبدأ في هجوم الاتحاد السكندري    وزيرة الثقافة تهنئ الرئيس السيسي باحتفالات عيد تحرير سيناء    خالد الجندي: الطلاق الشفهي كلام فارغ ورجالة بتتجوز وتخلف وتجري    محافظ الإسكندرية يضع أكليل زهور على النصب التذكاري للشهداء بمناسبة عيد تحرير سيناء    حبس عنصر جنائي بتهمة غسل 350 مليون جنيه من تجارة المخدرات    ختام فعاليات التدريب المصري الباكستاني المشترك "رعد – 2"    وزير الخارجية يؤكد دعم مصر لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي اليمنية    محمد رمضان يفجر مفاجأة بشأن مشاركته في السباق الرمضاني 2027    في جولته اليوم بمنطقة السخنة الصناعية المتكاملة:رئيس الوزراء يفتتح مصنع "نيو سيفلون" لمنتجات الألومنيوم وأدوات الطهي باستثمارات 2.5 مليون دولار    بدء توريد محصول القمح بالغربية للشون    رئيس الوزراء يفتتح مصنع بوريكس للزجاج بمنطقة السخنة الصناعية    وضع إكليل الزهور على النصب التذكاري بالعريش    نايل سينما تنقل حفل افتتاح المهرجان الكاثوليكي علي الهواء مباشرة غدا الجمعة    تأجيل محاكمة عاطل بتهمة مواقعة ربة منزل بالسيدة زينب    محافظ المنوفية يفاجئ المركز الصحي بشبين الكوم ويحيل 6 من العاملين للتحقيق لتغيبهم بدون إذن رسمي    «فيفا» ليس لديه أي نية لإشراك إيطاليا بدلاً من إيران في كأس العالم    البنتاجون: اعتراض سفينة تنقل نفطا إيرانيا فى المحيط الهندي    ضبط أكثر من طن ونصف لحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي خلال حملة مكبرة بالمنيا    وزير «السياحة» يتابع مستجدات إطلاق منظومة مدفوعات الشركات وتطوير منصة «رحلة»    يعد التعديل.. محافظة الجيزة تُنهي امتحانات أبريل لصفوف النقل يوم 6 مايو قبل إجازة عيد العمال    بيان مهم من اتحاد الكرة بشأن الجدل الأخير على الساحة الرياضية    جايين لأهالينا.. قافلة طبية مجانية لأهالى كوم الأطرون بطوخ الجمعة والسبت    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن :أفلطة الصورة!?    القليوبية تحتفي بالعطاء.. المحافظ يكرم الأمهات المثاليات والأيتام ويمنح رحلات عمرة وجوائز للمتفوقين    انطلاق اجتماع «صحة النواب» لمناقشة طلبات إحاطة بشأن مشكلات التأمين الصحي ونقص الخدمات بالمحافظات    وزير الصحة يفتتح مؤتمر ISCO 2026    الأعلى للإعلام: منع ظهور هانى حتحوت 21 يوما وإلزام «مودرن إم تي أي» بمبلغ 100 ألف جنيه    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى إمبابة دون إصابات    صائد "التريند" خلف القضبان.. كيف كشفت الداخلية زيف فيديو "رعب الأسلحة" في أسوان؟    وكالة الطاقة الدولية: نواجه أكبر تهديد لأمن الطاقة فى التاريخ    قرار جمهوري بالموافقة على انضمام مصر كدولة شريكة لبرنامج «أفق أوروبا»    تفاصيل البيان الختامي للمؤتمر الدولي الرابع عشر لجامعة عين شمس    الأهلى يعلق على أنباء التفاوض مع جوزيه جوميز لخلافة توروب    وزير الخارجية خلال افتتاحه حملة للتبرع بالدم لمستشفى 57357: الصحة مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع    «مدير آثار شرق الدلتا»: اكتشاف تمثال رمسيس الثاني يعكس مكانة المواقع الدينية والتاريخية    البرلمان يستعد لتعديل قانون الأحوال الشخصية.. استبدال الاستضافة بالرؤية.. الأب في المرتبة الثانية لحضانة الطفل.. وإنشاء المجلس الأعلى للأسرة "أبرز المقترحات"    بالأسماء، تعيين وكلاء ورؤساء أقسام جدد بجامعة بنها    الرعاية الصحية: تقديم أكثر من 2.4 مليون خدمة طبية بأعلى معايير الجودة بجنوب سيناء    طلاب «آداب القاهرة» يبتكرون قاموسا طبيا ثلاثى اللغة لدعم السياحة العلاجية    الرئيس اللبناني: تعمد إسرائيل استهداف الإعلاميين هدفه إخفاء حقيقة عدوانها    الاتحاد الأوروبي يبحث حلولًًا بديلة لتجنب تحول أزمة الطاقة إلى اضطرابات مالية    مجلس الشيوخ الأمريكي يعرقل تقييد صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران مرة أخرى    فليك: علينا تقبل نتيجة الفحوصات الطبية ل يامال.. وهدف توريس صحيح    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



" يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النّار الماء." (1)/ قراءة في " قواعد العشق الأربعون" ( رواية عن جلال الدّين الرّومي)/ إليف شافاق.
نشر في شباب مصر يوم 14 - 08 - 2015

/ لبنان
"سيتراكم لديك مزيد من المعارف، ومزيد من الكتب كلّما تقدّم بك العمر، وعند ذلك سينظر إليك العدد المتنامي من الكتب غير المقروءة من على الرّفوف نظرة عتاب ووعيد". (2). لكن، ثمّة كتاب واحد تقرأه ويمتصّه كيانك كلّه، بل تشعر أنّك فيه قرأت كلّ ما يخالج قلبك وروحك، وكلّ ما يستفزّ شكوك عقلك. تجالسه وتترافق معه، علّك من خلاله تشهد الحقيقة الّتي كنت تبحث عنها طويلاً، أو علّك تغرق في طيّاته وتحيا لحظات حاضرة لا تملك سواها. وتغوص في عمقه حتّى تعاين الجمال الممتدّ من عصور مضت والمترامي حتّى آخر الأجيال.
" قواعد العشق الأربعون"، أربعون نبضة في حياة الصّوفيّ، بل في حياة كلّ إنسان عرف أنّه منذ البدء، كان العشق الإلهيّ هو الحقيقة الخالقة والمخلّصة والمحيية. وإذا كان الصّوفيّ يرفع يداً نحو السّماء ويرمي بأخرى على الأرض ليحقّق اتّصالاً بين السّماء والأرض ويصل إلى حالة الكمال، فالعشق الحقيقيّ المترسّخ في الإنسان، يشهد لعلاقة عاموديّة مع الله المحبّة وأخرى أفقيّة مع الإنسان. لا يمكننا الحديث عن العشق كحالة منفصلة عن الآخر، فمعناها لا يتحقّق ولا يشرق نوراً وجمالاً، ما لم يرتوِ من العلى ليسقيَ العمق.
سنحاول في هذه القراءة المتواضعة محاكاة حضور الكاتبة " إليف شافاق" الفكري والرّوحي، والإطلالة على شخصيّات الرّواية الأساسيّة. فنعاين عظمة حضور " شمس التّبريزي" و" جلال الدين الرّومي"، وانسكاب العشق بين " إيّلا وعزيز".
- كتاب يحرّك صفو المياه الرّاكدة:
" إذا سقط الحجر في بحيرة، فلن تعود البحيرة ذاتها مرة أخرى." ( إليف شافاق).
تستهلّ الكاتبة الرّواية باختصار الحركة الإنسانيّة المتأرجحة بين الرّكود والجريان. فهي في حالات شتّى تشبه المياه الرّاكدة الّتي تغزوها وُحول الخمول والكسل والملل، وفي لحظة الاستيقاظ العشقيّ تتحرّك وتنطلق نحو "الحياة". يثير العشق الإلهيّ ديناميكيّة الحياة ويبعدها عن رتابتها القاتلة، لأنّ الله إله أحياء لا إله أموات. والحبّ جوهر الله، يجدّد الخليقة كلّ يوم بل كلّ لحظة. كما يظهر من الرّواية بشكل عام، دعوة الكاتبة إلى البحث عن العشق المتدفّق من علٍ والكامن في الإنسان. وتحثّ القارئ على التّنقيب عن هذا العشق أنّى اتّجهت رياحه. ما تعبّر عنه القاعدة الأربعين: " لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الّذي تريده، روحي أم مادي، إلهيّ أم دنيويّ، غربيّ أم شرقيّ. فالانقسامات لا تؤدّي إلّا إلى مزيد من الإنقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنّه كما هو نقيّ وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النّار الماء."
تستخدم الكاتبة الرّقم الأربعينيّ على امتداد الرّواية في تمازج جميل مع قواعد العشق الأربعين، الّتي تشهد تدرّجاً في الرّؤية والحياة العشقيّة. وتحاكي في كلّ شخصيّة حالة التّدرّج من الموت إلى حالة العشق التّامّة والمكتملة أي " الحياة". إلّا أنّ الرّقم ( 40) يرمز بشكل خاص إلى زمن الأزمة أو المحنة، تليها لحظة الاستنارة والارتقاء والسّمو. ولقد وردت هذه الدّلالة في الرّواية على لسان " أ. ز. زاهارا "، شخصيّة مؤلّف رواية " الكفر الحلو"، الّذي ستقع روايته لاحقاً في يد "إيلّا"، المرأة الأربعينيّة الّتي تشهد تحوّلاً كبيراً في حياتها، لحظة يحرّك حجر العشق مياهها الرّاكدة. " هل تعرفين أنّ الأربعين في الفكر الصّوفي ترمز إلى الصعود من مستوى إلى مستوى أعلى وإلى يقظة روحية؟ لقد استمرّ طوفان نوح أربعين يوماً. وقد خرج المسيح إلى القفر أربعين يوماً وليلة وكان محمد في الأربعين من عمره عندما نزل عليه الوحي وتأمّل بوذا تحت شجرة زيزفون أربعين يوماً بالإضافة إلى قواعد العشق الأربعين ".
وستشهد كلّ شخصيّة تحوّلاً جذرياً في حياتها إذ يلمسها العشق ويدركها، فتستحيل كتلة عشق متنقّلة في هذا العالم.
- شمس التّبريزي، الشّخصيّة النّجمة:
"عندما كنت طفلاً، رأيت الله، رأيت ملائكة؛ رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي. ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته. لكنّي سرعان ما أدركت أنّهم لم يروا..."
― شمس تبريزي
تمتدّ نجوميّة شمس التّبريزي من القرن الثالث عشر وحتّى القرن الحادي والعشرون. إنّها نجوميّة العشق الإلهي المبدّلة لكلّ حال، والشّعاع الّذي استقى من النّور الأصيل وروى نفوساً عطشى إلى الجمال والحقّ. لا يمكن أن تكون عاشقاً لله وتمرّ مرور الكرام على هذه الأرض. الله حبّ، والارتباط به تمسُّك بالحبّ حتّى الرّمق الأخير، والتّفاعل معه ينضح عطراً. فكلّما مرّ عاشق بالإنسانيّة اخترق شذاه أنفاسها.
" شمس"، الدّرويش النّقيّ، صاحب البصيرة النّيّرة، أدرك أنّ البحث عن الله يكمن في معرفة الذّات أوّلاً. فالذّات هي سكنى الله، والارتحال إليها غوص في الأعماق حيث التّفاعل بين المحبّ والمحبوب الإلهيّ. " إنّ الطّريق إلى الحقيقة يمرّ من القلب لا من الرّأس فاجعل قلبك لا عقلك دليلك الرّئيسي. واجه، تحدّ وتغلّب في نهاية المطاف على النّفس بقلبك. إنّ معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله". ( القاعدة الثّانية). وأيقن " شمس" أنّ معرفة الله تذهب إلى إيقاظ الجمال الإنساني الّذي على صورة الله. وفي مسيرته الحياتيّة، نراه يتعاطى مع النّاس بمحبّة واحترام لأنّه يرى فيهم صورة الله. لقد حاكى إنسانيّتهم وبلسم جراحها، واستفزّ الجمال الكامن فيها. وعرف " شمس" أنّنا على اختلاف أجناسنا وانتماءاتنا وعقائدنا، نبقى متساوين أمام المحبّة الإلهيّة.
جال " شمس" في كلّ الطّرق وعرف الكثير من الصّعوبات، وتعرّف على أشخاص من كلّ لون وجنس وعرق. وقد شكّل له هذا التّرحال خبرة عقليّة وروحيّة، حقّق من خلالها ارتباطاً مع العلو والعمق. إلّا أنّ رحلته الحقيقيّة كانت في أعماق ذاته حيث تجتمع الإنسانيّة كلّها. " لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرّحلة الّتي تقوم بها رحلة في داخلك، فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بإمكانك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه." ( القاعدة العاشرة).
قد توحي شخصيّته بالفظاظة، بيد أنّه أشبه بماء عذب يعكس أعماقه بشفافيّة وأمانة وثقة. ما منحه أن ينقل حبّ الله إلى كثيرين، ويدلّهم عليه ويحثّهم على البحث عنه. أثّر شمس في " أ. ز. زاهارا "، ونقله من حالة الموت الإنساني إلى حالة الحياة السّائرة نحو الله. وسنرى " أ. ز. زاهارا "، عاشقاً متجوّلاً في هذا العالم، لغته الحبّ والحبّ فقط.
قد يعتبر البعض ممّن ينتقدون الصّوفية والصّوفيين، أنّ أؤلئك مجانين أو مدّعين أو هراطقة. وأيّاً كانت الآراء أو الادّعاءات، إلّا أنّ الصّوفيّة حالة عشق حاضرة في كلّ إنسان يتوق إلى العشق الإلهي. وينتج عن هذا التّوق إدراك ووعي إنسانيّ، يخلص إلى أنّ الحبّ فعل إلهي لا إنسانيّ، فيكرَّس القلب للكائن الأسمى ليتمكّن من أن يحبّ بقلب إله لا بقلب إنسان. وها هو " شمس التّبريزي"، وإن اختلفت الآراء حوله، وأحبّه البعض وأبغضه آخرون، يعشق بقلب الإله لا بقلبه الضّيّق الأفق.
هذا العشق البديع، حوّل " الرّومي"، العالم الجليل والخطيب البليغ، إلى شاعر مغمور بالعشق. وبدّل حياة " أ. ز. زاهارا "، وسنراه ينادي " إيلا"، للنّهوض من ثبات الخمول العميق، والانطلاق نحو الحياة. واستفزّ " وردة الصّحراء"، المسمّاة بعاهرة، لتخلع رداء ذاتها وتلبس ثوب العشق وتثابر في البحث عن الله. كما حرّك قلب التّلميذ وقاد عقله للغوص إلى ما بعد الحرف كي لا تقتله الماديّة والسّطور المغلقة. وترك المتعصّبين وفرّيسيّي العقل والقلب على حافة الطّريق المؤدّي إلى الهلاك. سيلمس " شمس" كلّ من صادفه في الطّريق وسيسرق قلوب البعض، ويشكّل خطراً على البعض الآخر، إلّا أنّ أنهار العشق تجري أبداً ولا يمكن لأحد أن يعترضها.
- جلال الدّين الرّومي:
" لا تَكُن بلا حُبّ، كي لا تشعُر بأنَّكَ ميّت. مُت في الحُبّ، وابقَ حيًاً للأبد".
- جلال الدّين الرّومي.
أنت شاعر، إذن أنت ذاك الّذي انفتح على نور العشق وسمح له أن يتسرّب إلى عمق أعماقه. وتجربة "جلال الدّين الرّومي"، العالم البارع في الفقه وغيره من العلوم الإسلاميّة، تؤكّد أنّ الإنسان مهما بلغ في ذاته من أهمّيّة فكريّة وعلميّة، لا تكتمل إنسانيّته إلّا بالعشق. وسيمسي معنى الشّعر بالنّسبة له: ما يؤدّيه في غضون ذلك، من رقص ونشيد، حتّى وصول الوجود الأسنى الّذي يعشقه: انسيال دمع، هبة من العين، كي يتملّى خلالها انحلال المشهد." (3).
ونلاحظ جليّاً أن العشق الإلهيّ المكتفي بذاته، وإذ يفيض على الإنسان، يفترض فيضاً ممائلاُ على الآخر. بمعنى آخر، لا بدّ من رفيق درب، يبادل الإنسان عشقاً مماثلاً ، متطلّعيْن معاً نحو البنيان الإنساني العشقي، كي لا يختنق هذا العشق ويفنى. وسنشهد في علاقة " شمس والرّومي" رتبة العشق الأرفع من الحبّ. لعلّ الحبّ مرحلة، أو درب يسير عليها المحبّين راجين الاكتمال بالعشق. فالحبّ، كما يقول الدّكتور يوسف زيدان: " الحبّ متوحّد بأحواله ولا حكم فيه لمحبّ على محبوب. أمّا العشق فجوهره الإشتراك والإشتباك والإنهماك وذوبان العاشق بالمعشوق حتى تنعدم بينهما الأنا." ومذ ارتبط " الرّومي" بشمس التّبريزي"، تماهى الاثنان بعلاقة عجيبة خلصت بهما إلى انعدام الأنا، وتجلّي الحالة العشقيّة.
ذلك الّذي يغمر حَرَمي السّرّي
الّذي ابتنيته، من يحرمني النّومَ،
من يسحبني ويلقيني أرضاً،
طيفه هو النّشوة الّتي انطق بها. ( جلال الدّين الرّومي) (4)
وبموت " شمس"، أو بمعنى أصحّ، بانتقال " شمس التّبريزي"، تالّم " الرّومي" وحزن، تعبيراً عن حالة انسلاخ عن الذّات عند " الرّومي".
- إيلّا وعزيز":
" إيلّا"، السّيّدة المنتظمة في حياتها والمهتمّة بعائلتها على أكمل وجه، تعاني من أزمة سنّ الأربعين، تتّجه بها نحو إعادة قراءة الماضي على ضوء الحاضر. وما تلبث أن تقف لا تحرّك ساكناً أمام فقدان التّوهّج والألق في حياتها الزّوجيّة، والشّعور بالفراغ ينخر عمق اعماقها.
تأخذ الحقبة الأربعينيّة مداها عند النّساء اللّواتي لم يبنينَ مشروع حياة. فيقفن وكأنّهنّ عند مفترق طرق، لا يعلمن الآتي، مكتفين بما حقّقن في السّنوات الماضية. خاصّة إذا كنّا نتحدّث عن نساء في مجتمعات منغلقة، ترتكز حياتهنّ على الزّواج وتربية الأولاد فقط.
تقرأ " إيّلا" رواية " الكفر الحلو" وتراسل مؤلّفها عزيز ( " أ. ز. زاهارا "). وتنشأ بينهما علاقة حبّ تلقائيّة دون مشاهدة، تستمدّ غناها من العشق الإلهي. تضع هذه العلاقة العجيبة " إيّلا" أمام مرآة ذاتها لتعيد النّظر في كلّ تفصيل في حياتها، ثمّ تترك كلّ شيء وترحل. سيبدو للقارئ ربّما، أنّ " إيلّا" تصرّفت بأنانيّة، حين تركت بيتها وأولادها وزوجها. وقد ينتقد البعض سلوكها، إلّا أنّ رحيل " إيلّا" ليس سوى ارتحال عن الذّات إلى الذّات على ضوء العشق. وبغضّ النّظر عن حقّها أو عدمه في إثبات الأنا وتحقيق حرّيّتها، تمتلكنا الدّهشة أمام علاقة عشقيّة بين شخصين لم يعرفا بعضهما البعض إلّا من خلال رسائل متبادلة. وتتجلّى أمامنا حالة عشقيّة عجيبة، تبيّن لنا أنّ الكيان الإنسانيّ ليس اللّحم والدّم وحسب، وإنّما كيان يلتقي بآخر إنسانيّاً فتمتزج الأرواح وتتّحد في عشق انسكب من خارج الكون وتفاعل مع العشق الكامن في الإنسان.
على الرّغم من أنّ الكاتبة وضعت علاقة " شمس والرّومي" بموازاة مع علاقة " إيّلا وعزيز"، لكن يبدو أنّها، أي الكاتبة، لم تمنح ذات الحجم العشقي لكلتا الحالتين. وبدت علاقة " شمس والرّومي" أكثر تألّقاً وغنىً، في حين أنّ علاقة " إيلّا وعزيز" بانت وكأنّها أقرب إلى التّقليديّة. فلم نعاين نفس التّماهي وذات العشق، وإنّما قرأنا عن رجل وامرأة أحبّا بعضهما البعض. وقد نجنح إلى القول إنّ "إيلّا"، هربت من واقعها باتّجاه واقع آخر بحثاً عن ذاتها الضّائعة.
- " يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النّار الماء."
في البدء كان العشق، ومن قلبه خلق الإنسان، أي من محبّته الّتي تفوق كلّ محبّة. إنّه الجمال الأعظم الّذي يرغبه كلّ إنسان، القوّة المحيية والمبدّلة للكيان الإنساني. إنّه الله الّذي مهما اختلفت تسمياته، ومهما تعدّدت وجهات النّظر في تحديده. أكان اسمه الله، أو يهوه، أو أدوناي، أو إيلوهيم، أو إيل،... إنّه العشق، الحقيقة المتجلّية لكلّ الأجيال، والكلمة الفاعلة في عمق اعماقهم. وإذا كان لا بدّ من بحث عن الله، فليكن بالارتحال نحو الدّاخل الإنساني، والغوص في أعمق مكان فيه، حيث يمّحي الحسّ والإدراك ولا يبقى إلّا عبق الحبّ الإلهي. نستنشقه فنحيا ونحيي كثيرين، نمتلكه فنغتني ونغني الجميع، نحيا به ونستحيل كتلة حبّ تنتقل في هذا العالم لنحوّل مسار التّاريخ بأنفاسه، ونجدّد وجه الأرض بروحه. نرقص " سما"(5)، كلّ بطريقته، ونرفع قلوبنا إلى السّماء، موطن العشق الإلهي، ونرنو إلى الإنسانيّة، وندور في فَلكه حتّى نصل إلى الكمال. وإذا أردنا أن نرى الله فلا بدّ لنا أن نحبّه، لأنّه من السّهل أن نعبد الله دون أن نراه، لكنّه من الصّعب أن نحبّه دون أن نراه.
عندما تعشق النّار الماء، يقترب الكون من حالة التّحوّل إلى الاكتمال، وتزهر الإنسانيّة في سماء جديدة وأرض جديدة. وما تفلّت الغضب والحقد والظّلم إلّا ابتعاد عن النّهايات، على عكس ما يظنّ كثيرون. فالنّهايات ليست نهايات، بل هي ولادة العشق المكتمل في قلب العاشق الأسمى، الله.
------------
(1) قواعد العشق الأربعون ( رواية عن جلال الدّين الرّومي)/ إليف شافاق
(2) البجعة السّوداء- نسيم طالب- ص 27.
(3)- (4) رباعيّات جلال الدّين الرّومي- ترجمة لديوان
, by Jhon Moyne- 1989 Quatrains of Rumi - ص 6- 10
(5) " سما": أي رقصة الدّراويش، ابتكرها " جلال الدّين الرّومي" و " شمس التّبريزي".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.