محافظ القليوبية يعقد أول اجتماع تنفيذي شامل ويؤكد: لا تهاون في مستوى الخدمات أو الانضباط    الصحة العالمية: ارتفاع الهجمات على قطاع الرعاية الصحية بأوكرانيا فى 2025    الجيل الديمقراطي: لقاء السيسي وبن سلمان ارتباط مصيري يُعيد ضبط بوصلة الأمن القومي العربي    هل اقتربت الحرب بين أمريكا وإيران؟.. خبير علاقات دولية يُجيب    الداخلية تكشف ملابسات واقعة التعدي على طالبة بالشرقية    ناقد فني: مسلسل صحاب الأرض تصدر الأخبار قبل عرضه وأغضب الإعلام الإسرائيلي    بسبب العنصرية ضد فينيسيوس| يويفا يعاقب لاعب بنفيكا مؤقتا    الثالثة له.. الغازي حكما لمباراة الزمالك أمام زد    كريم بدوي: التكنولوجيا مهمة في تعظيم الاستفادة من الفرص البترولية بخليج السويس    «تعليم الجيزة» تتابع تنفيذ مبادرة «مدارس بلا رواكد»    نقابة الصيادلة : قرار وزير الصحة بتكليف جزء من دفعة 2023 مخالف للقانون    ميرتس يرفض الإفصاح عن الأسماء التي يرشحها لخلافة شتاينماير في رئاسة ألمانيا    نجم الأهلي ضيف رامز جلال اليوم    وزير الصحة يبحث مع السفير الفرنسي دعم علاج أورام أطفال غزة بمستشفى «جوستاف روسي»    محافظ الوادي الجديد تناقش إجراءات إنشاء المستشفى الجامعي بأحد المنشآت الشاغرة    تأجيل دعوى حماية أهرامات الجيزة من الحفلات الليلية    مطبخ المصرية بإيد بناتها.. رحلة عطاء تصنع الفرح على موائد رمضان بعروس الدلتا    النائبة عبير عطا الله: الرئيس السيسي يضع خارطة طريق لعصر التعليم الرقمي    تقرير: أتلتيكو مدريد يحدد سعر ألفاريز.. وثنائي إنجلترا ينافس برشلونة    محافظة القاهرة توضح حقيقة قرار نزع ملكية مدرسة المنيرة الابتدائية الرسمية للغات    انقلاب سيارة نقل أعلى كوبري ب 6 أكتوبر والاستعانة بونش لإزالة الآثار.. صور    وزير الري: مصر حريصة على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل ونقل الخبرات لها    كوريا الشمالية.. إعادة انتخاب كيم جونج أون زعيما للحزب الحاكم    سابالينكا تحافظ على صدارة التصنيف العالمي لتنس السيدات    الإسماعيلي يجدد الثقة فى طارق العشري    مصر تعزي نيجيريا في ضحايا الهجوم الإرهابي بولاية زامفارا    مواقيت الصلاة اليوم الأثنين في الاسكندرية    هل الغيبة والنميمة تبطل الصيام في رمضان؟.. أمين الفتوى يجيب (فيديو)    جامعة قناة السويس تعزز بناء الوعي القيمي والمهاري لدى طلاب المدارس بسلسلة ندوات نوعية بالتعاون مع المجمع التعليمي    للنصب على المواطنين.. حبس المتهم بإدارة كيان وهمي بمدينة نصر    لتحلية رمضانية سريعة، طريقة عمل الكنافة السادة    انطلاق تداول العقود الآجلة في البورصة المصرية.. الأحد المقبل    فضل صلاة التراويح وكيفية أدائها في رمضان (فيديو)    الداخلية تكشف شبكة غسل أموال مرتبطة بالمخدرات وتضبط 3 عناصر جنائية    المسرح القومي يقدم العرض الشعبي «يا أهل الأمانة» في رمضان    تحديد موقف الأنجولي شيكو بانزا من لقاء الزمالك وزد في الدوري    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء ليالي رمضان في المساجد الكبرى    رئيس الوزراء يتابع مُستجدات تنفيذ مشروع "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي    جوتيريش يندد بتصاعد «شريعة القوة» في العالم    تراجع أسعار النفط مع إعلان أمريكا وإيران جولة جديدة من المحادثات النووية    تصل ل 8 درجات مئوية.. أجواء باردة ورياح قوية محملة بالأتربة    مصر تتابع باهتمام وقلق بالغين مسألة الحدود البحرية بين الكويت والعراق    محافظ البنك المركزي يبحث مع وزير «التعليم العالي» أوجه التعاون المشترك    حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة مقالاته بعنوان: "رمضان... حين يعود القلب إلى الحياة"..رمضان وإدارة الوقت... كيف نربح أعمارنا فى شهر البركة؟    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى المريوطية دون إصابات    الأوبرا تطلق لياليها الرمضانية فى القاهرة والإسكندرية    تموين المنيا: خطة متكاملة لتأمين احتياجات المواطنين طوال شهر رمضان    بدء اجتماع لجنة الصحة بالنواب لبحث مشكلات قطاع الدواء وتراخيص التركيبات الخطرة    بالأسماء، 20 شخصًا يتنازلون عن الجنسية المصرية    جمال العدل: يسرا صديقة العائلة قبل أن تكون نجمة في أعمالنا    ماجد الكدواني: «كان ياما كان» يسلط الضوء على التأثير النفسي للطلاق    العشري: لم ننسحب أمام دجلة.. وما حدث كان رسالة اعتراض على الظلم التحكيمي    استشاري مناعة يوضح دور الصيام في تعزيز كفاءة الجهاز المناعي (فيديو)    إحالة عاطلين للجنايات بتهمة التنقيب غير المشروع عن الآثار في المطرية    جمال العدل: الزمالك «نور العين والروح والقلب».. وفتحت الشركة الساعة 8 الصبح علشان 15 ألف دولار للاعب    مقتل أكثر من 80 شخصًا فى غارات جوية باكستانية على معسكرات طالبان    إصابة سيدة أشعل زوجها النار في جسدها بالفيوم    فيلم «One Battle After Another» يتوج بجائزة أفضل فيلم في جوائز بافتا 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



" يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النّار الماء." (1)/ قراءة في " قواعد العشق الأربعون" ( رواية عن جلال الدّين الرّومي)/ إليف شافاق.
نشر في شباب مصر يوم 14 - 08 - 2015

/ لبنان
"سيتراكم لديك مزيد من المعارف، ومزيد من الكتب كلّما تقدّم بك العمر، وعند ذلك سينظر إليك العدد المتنامي من الكتب غير المقروءة من على الرّفوف نظرة عتاب ووعيد". (2). لكن، ثمّة كتاب واحد تقرأه ويمتصّه كيانك كلّه، بل تشعر أنّك فيه قرأت كلّ ما يخالج قلبك وروحك، وكلّ ما يستفزّ شكوك عقلك. تجالسه وتترافق معه، علّك من خلاله تشهد الحقيقة الّتي كنت تبحث عنها طويلاً، أو علّك تغرق في طيّاته وتحيا لحظات حاضرة لا تملك سواها. وتغوص في عمقه حتّى تعاين الجمال الممتدّ من عصور مضت والمترامي حتّى آخر الأجيال.
" قواعد العشق الأربعون"، أربعون نبضة في حياة الصّوفيّ، بل في حياة كلّ إنسان عرف أنّه منذ البدء، كان العشق الإلهيّ هو الحقيقة الخالقة والمخلّصة والمحيية. وإذا كان الصّوفيّ يرفع يداً نحو السّماء ويرمي بأخرى على الأرض ليحقّق اتّصالاً بين السّماء والأرض ويصل إلى حالة الكمال، فالعشق الحقيقيّ المترسّخ في الإنسان، يشهد لعلاقة عاموديّة مع الله المحبّة وأخرى أفقيّة مع الإنسان. لا يمكننا الحديث عن العشق كحالة منفصلة عن الآخر، فمعناها لا يتحقّق ولا يشرق نوراً وجمالاً، ما لم يرتوِ من العلى ليسقيَ العمق.
سنحاول في هذه القراءة المتواضعة محاكاة حضور الكاتبة " إليف شافاق" الفكري والرّوحي، والإطلالة على شخصيّات الرّواية الأساسيّة. فنعاين عظمة حضور " شمس التّبريزي" و" جلال الدين الرّومي"، وانسكاب العشق بين " إيّلا وعزيز".
- كتاب يحرّك صفو المياه الرّاكدة:
" إذا سقط الحجر في بحيرة، فلن تعود البحيرة ذاتها مرة أخرى." ( إليف شافاق).
تستهلّ الكاتبة الرّواية باختصار الحركة الإنسانيّة المتأرجحة بين الرّكود والجريان. فهي في حالات شتّى تشبه المياه الرّاكدة الّتي تغزوها وُحول الخمول والكسل والملل، وفي لحظة الاستيقاظ العشقيّ تتحرّك وتنطلق نحو "الحياة". يثير العشق الإلهيّ ديناميكيّة الحياة ويبعدها عن رتابتها القاتلة، لأنّ الله إله أحياء لا إله أموات. والحبّ جوهر الله، يجدّد الخليقة كلّ يوم بل كلّ لحظة. كما يظهر من الرّواية بشكل عام، دعوة الكاتبة إلى البحث عن العشق المتدفّق من علٍ والكامن في الإنسان. وتحثّ القارئ على التّنقيب عن هذا العشق أنّى اتّجهت رياحه. ما تعبّر عنه القاعدة الأربعين: " لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الّذي تريده، روحي أم مادي، إلهيّ أم دنيويّ، غربيّ أم شرقيّ. فالانقسامات لا تؤدّي إلّا إلى مزيد من الإنقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنّه كما هو نقيّ وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النّار الماء."
تستخدم الكاتبة الرّقم الأربعينيّ على امتداد الرّواية في تمازج جميل مع قواعد العشق الأربعين، الّتي تشهد تدرّجاً في الرّؤية والحياة العشقيّة. وتحاكي في كلّ شخصيّة حالة التّدرّج من الموت إلى حالة العشق التّامّة والمكتملة أي " الحياة". إلّا أنّ الرّقم ( 40) يرمز بشكل خاص إلى زمن الأزمة أو المحنة، تليها لحظة الاستنارة والارتقاء والسّمو. ولقد وردت هذه الدّلالة في الرّواية على لسان " أ. ز. زاهارا "، شخصيّة مؤلّف رواية " الكفر الحلو"، الّذي ستقع روايته لاحقاً في يد "إيلّا"، المرأة الأربعينيّة الّتي تشهد تحوّلاً كبيراً في حياتها، لحظة يحرّك حجر العشق مياهها الرّاكدة. " هل تعرفين أنّ الأربعين في الفكر الصّوفي ترمز إلى الصعود من مستوى إلى مستوى أعلى وإلى يقظة روحية؟ لقد استمرّ طوفان نوح أربعين يوماً. وقد خرج المسيح إلى القفر أربعين يوماً وليلة وكان محمد في الأربعين من عمره عندما نزل عليه الوحي وتأمّل بوذا تحت شجرة زيزفون أربعين يوماً بالإضافة إلى قواعد العشق الأربعين ".
وستشهد كلّ شخصيّة تحوّلاً جذرياً في حياتها إذ يلمسها العشق ويدركها، فتستحيل كتلة عشق متنقّلة في هذا العالم.
- شمس التّبريزي، الشّخصيّة النّجمة:
"عندما كنت طفلاً، رأيت الله، رأيت ملائكة؛ رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي. ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته. لكنّي سرعان ما أدركت أنّهم لم يروا..."
― شمس تبريزي
تمتدّ نجوميّة شمس التّبريزي من القرن الثالث عشر وحتّى القرن الحادي والعشرون. إنّها نجوميّة العشق الإلهي المبدّلة لكلّ حال، والشّعاع الّذي استقى من النّور الأصيل وروى نفوساً عطشى إلى الجمال والحقّ. لا يمكن أن تكون عاشقاً لله وتمرّ مرور الكرام على هذه الأرض. الله حبّ، والارتباط به تمسُّك بالحبّ حتّى الرّمق الأخير، والتّفاعل معه ينضح عطراً. فكلّما مرّ عاشق بالإنسانيّة اخترق شذاه أنفاسها.
" شمس"، الدّرويش النّقيّ، صاحب البصيرة النّيّرة، أدرك أنّ البحث عن الله يكمن في معرفة الذّات أوّلاً. فالذّات هي سكنى الله، والارتحال إليها غوص في الأعماق حيث التّفاعل بين المحبّ والمحبوب الإلهيّ. " إنّ الطّريق إلى الحقيقة يمرّ من القلب لا من الرّأس فاجعل قلبك لا عقلك دليلك الرّئيسي. واجه، تحدّ وتغلّب في نهاية المطاف على النّفس بقلبك. إنّ معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله". ( القاعدة الثّانية). وأيقن " شمس" أنّ معرفة الله تذهب إلى إيقاظ الجمال الإنساني الّذي على صورة الله. وفي مسيرته الحياتيّة، نراه يتعاطى مع النّاس بمحبّة واحترام لأنّه يرى فيهم صورة الله. لقد حاكى إنسانيّتهم وبلسم جراحها، واستفزّ الجمال الكامن فيها. وعرف " شمس" أنّنا على اختلاف أجناسنا وانتماءاتنا وعقائدنا، نبقى متساوين أمام المحبّة الإلهيّة.
جال " شمس" في كلّ الطّرق وعرف الكثير من الصّعوبات، وتعرّف على أشخاص من كلّ لون وجنس وعرق. وقد شكّل له هذا التّرحال خبرة عقليّة وروحيّة، حقّق من خلالها ارتباطاً مع العلو والعمق. إلّا أنّ رحلته الحقيقيّة كانت في أعماق ذاته حيث تجتمع الإنسانيّة كلّها. " لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرّحلة الّتي تقوم بها رحلة في داخلك، فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بإمكانك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه." ( القاعدة العاشرة).
قد توحي شخصيّته بالفظاظة، بيد أنّه أشبه بماء عذب يعكس أعماقه بشفافيّة وأمانة وثقة. ما منحه أن ينقل حبّ الله إلى كثيرين، ويدلّهم عليه ويحثّهم على البحث عنه. أثّر شمس في " أ. ز. زاهارا "، ونقله من حالة الموت الإنساني إلى حالة الحياة السّائرة نحو الله. وسنرى " أ. ز. زاهارا "، عاشقاً متجوّلاً في هذا العالم، لغته الحبّ والحبّ فقط.
قد يعتبر البعض ممّن ينتقدون الصّوفية والصّوفيين، أنّ أؤلئك مجانين أو مدّعين أو هراطقة. وأيّاً كانت الآراء أو الادّعاءات، إلّا أنّ الصّوفيّة حالة عشق حاضرة في كلّ إنسان يتوق إلى العشق الإلهي. وينتج عن هذا التّوق إدراك ووعي إنسانيّ، يخلص إلى أنّ الحبّ فعل إلهي لا إنسانيّ، فيكرَّس القلب للكائن الأسمى ليتمكّن من أن يحبّ بقلب إله لا بقلب إنسان. وها هو " شمس التّبريزي"، وإن اختلفت الآراء حوله، وأحبّه البعض وأبغضه آخرون، يعشق بقلب الإله لا بقلبه الضّيّق الأفق.
هذا العشق البديع، حوّل " الرّومي"، العالم الجليل والخطيب البليغ، إلى شاعر مغمور بالعشق. وبدّل حياة " أ. ز. زاهارا "، وسنراه ينادي " إيلا"، للنّهوض من ثبات الخمول العميق، والانطلاق نحو الحياة. واستفزّ " وردة الصّحراء"، المسمّاة بعاهرة، لتخلع رداء ذاتها وتلبس ثوب العشق وتثابر في البحث عن الله. كما حرّك قلب التّلميذ وقاد عقله للغوص إلى ما بعد الحرف كي لا تقتله الماديّة والسّطور المغلقة. وترك المتعصّبين وفرّيسيّي العقل والقلب على حافة الطّريق المؤدّي إلى الهلاك. سيلمس " شمس" كلّ من صادفه في الطّريق وسيسرق قلوب البعض، ويشكّل خطراً على البعض الآخر، إلّا أنّ أنهار العشق تجري أبداً ولا يمكن لأحد أن يعترضها.
- جلال الدّين الرّومي:
" لا تَكُن بلا حُبّ، كي لا تشعُر بأنَّكَ ميّت. مُت في الحُبّ، وابقَ حيًاً للأبد".
- جلال الدّين الرّومي.
أنت شاعر، إذن أنت ذاك الّذي انفتح على نور العشق وسمح له أن يتسرّب إلى عمق أعماقه. وتجربة "جلال الدّين الرّومي"، العالم البارع في الفقه وغيره من العلوم الإسلاميّة، تؤكّد أنّ الإنسان مهما بلغ في ذاته من أهمّيّة فكريّة وعلميّة، لا تكتمل إنسانيّته إلّا بالعشق. وسيمسي معنى الشّعر بالنّسبة له: ما يؤدّيه في غضون ذلك، من رقص ونشيد، حتّى وصول الوجود الأسنى الّذي يعشقه: انسيال دمع، هبة من العين، كي يتملّى خلالها انحلال المشهد." (3).
ونلاحظ جليّاً أن العشق الإلهيّ المكتفي بذاته، وإذ يفيض على الإنسان، يفترض فيضاً ممائلاُ على الآخر. بمعنى آخر، لا بدّ من رفيق درب، يبادل الإنسان عشقاً مماثلاً ، متطلّعيْن معاً نحو البنيان الإنساني العشقي، كي لا يختنق هذا العشق ويفنى. وسنشهد في علاقة " شمس والرّومي" رتبة العشق الأرفع من الحبّ. لعلّ الحبّ مرحلة، أو درب يسير عليها المحبّين راجين الاكتمال بالعشق. فالحبّ، كما يقول الدّكتور يوسف زيدان: " الحبّ متوحّد بأحواله ولا حكم فيه لمحبّ على محبوب. أمّا العشق فجوهره الإشتراك والإشتباك والإنهماك وذوبان العاشق بالمعشوق حتى تنعدم بينهما الأنا." ومذ ارتبط " الرّومي" بشمس التّبريزي"، تماهى الاثنان بعلاقة عجيبة خلصت بهما إلى انعدام الأنا، وتجلّي الحالة العشقيّة.
ذلك الّذي يغمر حَرَمي السّرّي
الّذي ابتنيته، من يحرمني النّومَ،
من يسحبني ويلقيني أرضاً،
طيفه هو النّشوة الّتي انطق بها. ( جلال الدّين الرّومي) (4)
وبموت " شمس"، أو بمعنى أصحّ، بانتقال " شمس التّبريزي"، تالّم " الرّومي" وحزن، تعبيراً عن حالة انسلاخ عن الذّات عند " الرّومي".
- إيلّا وعزيز":
" إيلّا"، السّيّدة المنتظمة في حياتها والمهتمّة بعائلتها على أكمل وجه، تعاني من أزمة سنّ الأربعين، تتّجه بها نحو إعادة قراءة الماضي على ضوء الحاضر. وما تلبث أن تقف لا تحرّك ساكناً أمام فقدان التّوهّج والألق في حياتها الزّوجيّة، والشّعور بالفراغ ينخر عمق اعماقها.
تأخذ الحقبة الأربعينيّة مداها عند النّساء اللّواتي لم يبنينَ مشروع حياة. فيقفن وكأنّهنّ عند مفترق طرق، لا يعلمن الآتي، مكتفين بما حقّقن في السّنوات الماضية. خاصّة إذا كنّا نتحدّث عن نساء في مجتمعات منغلقة، ترتكز حياتهنّ على الزّواج وتربية الأولاد فقط.
تقرأ " إيّلا" رواية " الكفر الحلو" وتراسل مؤلّفها عزيز ( " أ. ز. زاهارا "). وتنشأ بينهما علاقة حبّ تلقائيّة دون مشاهدة، تستمدّ غناها من العشق الإلهي. تضع هذه العلاقة العجيبة " إيّلا" أمام مرآة ذاتها لتعيد النّظر في كلّ تفصيل في حياتها، ثمّ تترك كلّ شيء وترحل. سيبدو للقارئ ربّما، أنّ " إيلّا" تصرّفت بأنانيّة، حين تركت بيتها وأولادها وزوجها. وقد ينتقد البعض سلوكها، إلّا أنّ رحيل " إيلّا" ليس سوى ارتحال عن الذّات إلى الذّات على ضوء العشق. وبغضّ النّظر عن حقّها أو عدمه في إثبات الأنا وتحقيق حرّيّتها، تمتلكنا الدّهشة أمام علاقة عشقيّة بين شخصين لم يعرفا بعضهما البعض إلّا من خلال رسائل متبادلة. وتتجلّى أمامنا حالة عشقيّة عجيبة، تبيّن لنا أنّ الكيان الإنسانيّ ليس اللّحم والدّم وحسب، وإنّما كيان يلتقي بآخر إنسانيّاً فتمتزج الأرواح وتتّحد في عشق انسكب من خارج الكون وتفاعل مع العشق الكامن في الإنسان.
على الرّغم من أنّ الكاتبة وضعت علاقة " شمس والرّومي" بموازاة مع علاقة " إيّلا وعزيز"، لكن يبدو أنّها، أي الكاتبة، لم تمنح ذات الحجم العشقي لكلتا الحالتين. وبدت علاقة " شمس والرّومي" أكثر تألّقاً وغنىً، في حين أنّ علاقة " إيلّا وعزيز" بانت وكأنّها أقرب إلى التّقليديّة. فلم نعاين نفس التّماهي وذات العشق، وإنّما قرأنا عن رجل وامرأة أحبّا بعضهما البعض. وقد نجنح إلى القول إنّ "إيلّا"، هربت من واقعها باتّجاه واقع آخر بحثاً عن ذاتها الضّائعة.
- " يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النّار الماء."
في البدء كان العشق، ومن قلبه خلق الإنسان، أي من محبّته الّتي تفوق كلّ محبّة. إنّه الجمال الأعظم الّذي يرغبه كلّ إنسان، القوّة المحيية والمبدّلة للكيان الإنساني. إنّه الله الّذي مهما اختلفت تسمياته، ومهما تعدّدت وجهات النّظر في تحديده. أكان اسمه الله، أو يهوه، أو أدوناي، أو إيلوهيم، أو إيل،... إنّه العشق، الحقيقة المتجلّية لكلّ الأجيال، والكلمة الفاعلة في عمق اعماقهم. وإذا كان لا بدّ من بحث عن الله، فليكن بالارتحال نحو الدّاخل الإنساني، والغوص في أعمق مكان فيه، حيث يمّحي الحسّ والإدراك ولا يبقى إلّا عبق الحبّ الإلهي. نستنشقه فنحيا ونحيي كثيرين، نمتلكه فنغتني ونغني الجميع، نحيا به ونستحيل كتلة حبّ تنتقل في هذا العالم لنحوّل مسار التّاريخ بأنفاسه، ونجدّد وجه الأرض بروحه. نرقص " سما"(5)، كلّ بطريقته، ونرفع قلوبنا إلى السّماء، موطن العشق الإلهي، ونرنو إلى الإنسانيّة، وندور في فَلكه حتّى نصل إلى الكمال. وإذا أردنا أن نرى الله فلا بدّ لنا أن نحبّه، لأنّه من السّهل أن نعبد الله دون أن نراه، لكنّه من الصّعب أن نحبّه دون أن نراه.
عندما تعشق النّار الماء، يقترب الكون من حالة التّحوّل إلى الاكتمال، وتزهر الإنسانيّة في سماء جديدة وأرض جديدة. وما تفلّت الغضب والحقد والظّلم إلّا ابتعاد عن النّهايات، على عكس ما يظنّ كثيرون. فالنّهايات ليست نهايات، بل هي ولادة العشق المكتمل في قلب العاشق الأسمى، الله.
------------
(1) قواعد العشق الأربعون ( رواية عن جلال الدّين الرّومي)/ إليف شافاق
(2) البجعة السّوداء- نسيم طالب- ص 27.
(3)- (4) رباعيّات جلال الدّين الرّومي- ترجمة لديوان
, by Jhon Moyne- 1989 Quatrains of Rumi - ص 6- 10
(5) " سما": أي رقصة الدّراويش، ابتكرها " جلال الدّين الرّومي" و " شمس التّبريزي".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.