ربما يعتقد معظم الناس ان السعادة الحقيقة تكمن في المال او النفوذ او الشهرة ولكن في الواقع هذه الامور لن تجعلنا نشعر بالسعادة. اذا ما الذي يجعلنا سعداء وأصحاء ونحن نمضي قدما في هذه الحياة؟ فمعظم الناس يعتقدون انهم اذا أردوا أن يكونوا سعداء ويحققوا مستقبل أفضل عليهم ان يعملوا بجد واجتهاد ليتفوقوا في عملهم ويبذلوا المزيد من الجهد والوقت لكي يحققوا المزيد والمزيد من النجاحات والانجازات الباهرة لأن المال والنجاح والشهرة هما ما سيجعلان حياتنا اكثر سعادة. ففي دراسة حديثة اجريت مع مجموعة من الشباب أكثر من 80% تمنوا أن يصبحوا أثرياء بينما %50 أرادوا أن يصبحوا مشهورين. ولكن الان ماذا لو أننا استطاعنا مشاهدة ومتابعة كيف يعيش الاخرون؟ ماذا لو استطعنا أن ندرس حياة البشر منذ سنوات مراهقتهم حتى بلوغهم سن الشيخوخة لمعرفة ما الذي جعلهم سعداء وأصحاء خلال 75 عاما أي قرن إلا ربع من الزمان؟ بالفعل هذا ما فعلته دراسة اجراها مركز دراسات تنمية الكبار التابع لجامعة هارفارد الأمريكية. الدراسة هي أطول دراسة زمنية يتم اجراءها في العالم حتى الان وخلال الدراسة تم تتبع حياة 724 شخص عام بعد عام لمدة 75 سنة. يقول روبرت والدينجر عالم النفس الشهير ورئيس مركز دراسات تنمية الكبار التابع لجامعة هارفارد الأمريكية. الشهير ورئيس فريق البحث انة كان يتم سؤال ال724 شخصا عن عملهم وحياتهم الشخصية وحالتهم الصحية. وأضاف وروبرت :"نحن لا نكتفي فقط بإعطائهم استفتاء يجيبون علية ولكن كنا نقوم بعمل لقاءت شخصية دورية معهم ومع عائلاتهم في منازلهم ونحصل من اطبائهم على تقاريرهم الطبية ونقوم بعمل فحوص طيبة لهم تشمل عمل أشعة على دماغهم، ونصور بالفيديو كيف يتعاملون مع زوجاتهم والمحيطيين بهم" بدأت الدراسة الشيقة والشاقة عام 1938 وتتبعت الدراسة حياة العينة المختارة وتم تقسميهم الى مجموعتين: المجموعة الأولى هم طلبة في السنة الاولى في جامعة هارفارد أنهوا دراستهم أثناء الحرب العالمية الثانية وهم من طبقات غنية الى حد كبير . المجموعة الثانية تضم عدد من الصبية والبنات الذين ينتمون الى الطبقات الفقيرة. وكشف روبرت لأول مرة مؤخرا عن نتائج الدراسة فعبر الفحص الدقيق والمباشر وما نتج عنة من عشرات الآلاف من الاوراق البحثية كان النتيجة ببساطة ان سر السعادة يكمن في العلاقات الانسانية والاجتماعية الجيدة مع عائلتنا وأصدقائنا والأشخاص المحيطين بنا في المجتمع. فالعلاقات الجيدة تبقينا سعداء وأصحاء وتطيل اعمارنا والوحدة تقتلنا فالوحدة "سامة" على حد وصف روبرت. فالأشخاص المعزولين عن الاخرون هم اقل سعادة و تبدأ صحتهم بالتدهور في منتصف العمر و قدراتهم العقلية ودرجة تركيزهم تبدأ بالضعف الشديد مع تقدم العمر ويعيشون حياة اقصر. ولكن حذرت الدراسة أن الانسان ممكن أن يشعر بالوحدة وهو وسط حشود من الناس، وهو يعيش بين أصدقائه وعائلته أو في علاقته الزوجية. لذلك فالدرس الثاني المستفاد من الدراسة هو ان العلاقات الجيدة ليس بعددها وإنما بنوعية هذه العلاقات ومدى قربها ودفئها وعمقها وقوتها وتأثيرها الإيجابي. فالعيش في علاقة تعيسة وسيئة هو امر مضر بالصحة اكثر من الوحدة. بمعنى اخر العيش وسط المشاجرات والمشاحنات ستكون عواقبه وخيمة على الحالة الصحية فعلى سبيل المثال العلاقات الزوجية التعيسة والمليئة بالمشاحنات عواقبها على الصحة اسوء من الطلاق. وأثبتت الدراسة ان الأشخاص الذين كانوا في علاقات جيدة ويعانون من الام جسدية وأمراض كان مزاجهم احسن حالا مقارنة مع اولئك الذين يعيشون في علاقات تعيسة لان احساسهم بالألم الجسدي تضاعف بسبب ألامهم النفسية والتي جليت ايضا لهم المزيد من الامراض العضوية. أما الدرس الاخير المستفاد من الدراسة هو أن العلاقات الجيدة لا تحمي أجسادنا فقط وإنما تحمي عقولنا وذاكرتنا أيضا. فلقد تبين أن وجودك في علاقة آمنة ومستقرة مع شخص تشعر انك بإمكانك ان تعتمد علية خلال الأوقات الصعبة في الحياة تحمي ليس فقط صحتك بل و ذاكرتك وأنت في الثمانين من عمرك. وأكدت الدراسة ان الاشخاص الذين كانوا يعيشون في علاقات جيدة بالأشخاص المحيطين بهم وهم في سن الخمسين كانت حالتهم الصحية وذاكرتهم افضل عندما بلغوا سن الثمانيين. ولكن هل تناسب نتائج هذه الدراسة مع المجتمع المصري؟ يقول د/ على ليلة أستاذ علم الاجتماع والنظرية الاجتماعية بجامعة عين شمس ان الدراسة تنطبق تماما على أي شعب لأنة كلما كان الانسان متكيف مع الواقع المحيط وكان واقع ايجابي ولا توجد هناك أي توترات او مشاكل شعر بأنة اكثر سعادة ولا يختلف في هذا الناس في مصر او امريكا او اى مكان اخر في العالم فهذه امور انسانية عامة كلما ازاد التواصل الايجابي مع الاخرين كلما شعرنا بالسعادة. وتؤكد د/ هالة يسري رئيس قسم الاجتماع بمركز بحوث الصحراء اننا في مصر بحاجة ماسة الى هذا النوع من الدراسات والبحوث التتبعية للأفراد والمؤسسات خاصة في المجتمعات الجديدة لأنها ستعالج الكثير من المشاكل والآثار السلبية قبل وقوعها حيث ان معظم الدراسات التي تجرى هي دراسات انية تقيس رأى الفرد واتجاهاته. وتشير د/ هالة انة يجب ان تكون هذه الدراسات مؤسسية. وتضييف ان هذه الدراسة ستصبح منطقية جدا لو طبقت في مصر فجميع البشر حينما تحاط مشاعرهم الانسانية بالدفء يتسرب هذا الدفء الى جميع خلايا جسدهم وتبعث السعادة في انفسهم .وخاصة اننا شعب مشاعره دافئة بالفطرة وودود بطبعة وهناك تماسك بين افراد الاسرة والمجتمع. وعلى الرغم من هذا تقول د/ هالة انة حدث استثناء في الفترة الاخيرة بعد المرور بثورتين وحدثت نوع من الفرقة داخل الاسر المصرية وهذا طبيعي ففي اوقات ما بعد الثورات يحدث خلل في النسيج الاجتماعي. ولكن على الجانب الاخر يقول د/ على سليمان ،أستاذ علم النفس الارشادي بجامعة القاهرة، ان مفهوم السعادة مختلف في مجتمعنا عن الغرب فطبقا لدينينا وقيمنا وتراثنا تتخلص السعادة ببساطة في الاية القرآنية "ولسوف يعطيك ريك فترضى" أي ان السعادة تكمن في الرضا التام بما قدرة الله لك سواء في عملك او مقدار دخلك او علاقتك مع اسرتك والمحيطين بك، على شريطة ان يكون الرضا ايجابي بمعنى ان لا يستسلم الانسان للواقع وان يبذل مجهود الواجب علية.