قبل أحداث 25 يناير وبعد نشر كتابى " التنمية والجريمة المعولمة: سياسات الافقار والهدم الخلاق" الذى تم نشره بالهيئة العامة لقصور الثقافة فى نوفمبر 2010م، والذى تضمن مخاوفاً من مخططات دولية لهدم النظم السياسية بالدول العربية لمصالح سياسية خارجية.يصبح فيها الإعلام الأليكترونى أداة للمافيا العالمية، المتخصصة فى هدم وتقويض جهود التنمية فى الدول العربية لإحكام السيطرة العسكرية والثقافية لدول المافيا على المنطقة العربية، وذلك من خلال تقسيم الدول العربية من الداخل ليصبح عددها 36 دولة بدلاً من 22، وهذا ما أسميته فى كتابى بالهدم الخلاق، ولعل ما حدث فى السودان من انقسام وما يجرى الآن فى مصر واليمن والأردن وفلسطين وسوريا خير شاهد على ذلك. وبعد نشر الكتاب الذى عكفت على كتابته قرابة أربع سنوات، أدركت أنني أخاطب حكومة أمية، لا تقرأ، وإذا قرأت لا تفهم؛ لاعتقادها الدائم بأنها حكومة مُلهَمَة، تستمد قراراتها من وحى روحانى وليس من احتياجات الشعب ولا من قراءاتها للأحداث وكتابات المفكرين، وأن ما تنشره من كتابات ليس موجه للحكومة وإنما للشعب. وهدد الكتاب بتعرض مصر لثورة جديدة يقودها الجياع ، وتزامن هذا الإحساس مع بعض الأقلام الوطنية الحرة التى ينبض قلمها دائماً بحب مصر، ونتيجة لتجاهل الحكومة لمخاطر ما تنتهجه من سياسات تؤدى بمصر إلى الإفقار المحتوم والمجاعة العاجلة فى إطار من سياسات دولية ومخططات تستهدف تلك النتائج، شرعت فى إعداد كتاب حول ثورات الجياع فى مصر متضمناً إرهاصات حدوثها، ولكن جاءت أحداث 25 يناير بثورة مغايرة لما فكرت فيه، فالمصريون لم يخرجوا للمطالبة بالخبز كما ظننت، وأن الذين نظموا ا الثورة وقادوها ليسوا الفقراء من أبناء الشعب المطحون بسياسات حُكامه، وإنما نظمها زمرة من الشباب المرفهين من أبناء الشعب؛ تجاوباً مع مشاعر سائر المصريين الذين وقعوا فريسة سهلة للجوع والظلم، وأدركوا أن الحل ليس فى توفير الخبز، ولكن الحرية هى الأساس، فبدون الحرية لا يأتى الخبز، وإذا أتى لا يُشبِع، وإذا أشبَع فلا طعم له، وروحنا جميعاً نساند شباب الثورة رجالاً وشيوخاً ونساءً وأطفال على أمل الإصلاح الكلى ولم نتوقع التغيير الشامل، وسقط النظام من أول صيحة أطلقها شباب التحرير، ليُعبر لنا عن ضعفه، وأنه لم يكن على مدار الثلاثين عام الماضية سوى بوق يهتف دون عقل مدبر، يتعامل مع الأحداث الجارية والقضايا بعقيدة سياسية عاقلة وثابتة. وبعد أن وصل الشعب إلى بوابة الأمل وتحقق مطمحه،خر مغشياً عليه من هول الموقف وضخامة المسئولية. وهكذا سقطت مصر سريعاً بين أيادى شبابها الثائر، الذى أصبح بين عشية وضحاها يملك مصر ومستقبلها دون خطة حكيمة ومسبقة لإدارتها، كالذى كان يحلم بأن يصل إلى القمر فلما وصل وتحقق حلمه ولم يكن لديه هدف من الوصول، خر مغشياً عليه من رهبة المشهد وسقط سريعاً إلى الأرض. وهنا وجد المفسدون ضالتهم وبيئاتهم التى تقوم على التخبط، فراحوا يهدمون كل قيمة، ويحرقون كل صرح ويطيحون بكل رمز، ويشككون فى كل عطاء، وأصبح الفشل أداة للتدمير والحرية التى استهدفتها الثورة ومات من أجلها الشرفاء أداة للترهيب وإثارة الرعب والفزع، والانفلات القيمى والأخلاقي، وراح الكل يشكك فى الكل، تجمهر العمال منادون بزيادة رواتبهم وتحسين أحوالهم، وتجمع الطلاب لإقالة الأساتذة، والتلاميذ لتقليص أوقات الدرس، فتجمهرت كل طائفة حول أهدافها، والتى لا تتعلق بحال من الأحوال بمستقبل مصر. وترك الجيش الجبهة وفارق الحدود، ونزل الشارع – ويا ليته فعل شيئاً- فقد غلب إجرام القلة المنفلتة والفاسدة إرادة الجيش وقوته، وراح السوس ينخر فى الأمن القومى المصرى من كل جانب، وأصبحت الدول العربية التى هى مصدر الأمن القومى المصرى نيران متأججة بين فئات ثورية متصارعة بين مؤيد للنظام ومعارض له، صراع يفضى فى نهايته إلى أن تكون إسرائيل هى الدولة الأقوى فى المنطقة العربية فى 2050م وذراع التحكم الأمريكى والسيطرة فى المنطقة العربية،حيث من المستهدف أن تنقسم الأخيرة داخلياً وتتحول إلى دوليات متصارعة من أجل البقاء. ومازال المصريون فى سجال حوارى عقيم، يطاردون الفساد عبر شاشات القنوات الفضائية، ومازال الشعب يحلم بعودة المليارات الضائعة والمنهوبة، ومازال البعض يفتش فى ذمم البعض، فى غفلة من تنامى فتنة طائفية جامحة، ربما تقضى على كافة المكتسبات التى حققتها الثورة، بين مسيحيين يبحثون عن الأمان، وبين أخوان وجماعات إسلامية وسلف، يسعون إلى السيطرة واثبات الهوية، كل يسعى نحو أهدافه ويتمحور حول مصالحه، ناسياً أو متناسياً المصلحة الوطنية التى هى مصلحة مصر العليا، الأمر الذى يجعلني أخشى أن تنتهى ثورة الحرية إلى ثورة للجياع إذا طال الأمر، وزادت معدلات الانفلات أكثر من ذلك. وذلك ما جعلني أتسأل وأسأل الجميع: أمن أجل ذلك قامت ثورة التحرير؟