د. محمد كمال يكتب : تمثل قضايا الإصلاح السياسي محوراً أساسياً في عملية التنمية ولا يمكن فصلها عن قضايا الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ويطرح هذا المقال مجموعة من الأفكار حول أولويات ضرورية للإصلاح السياسي تتضمن ما يلي: استكمال دعائم الدولة المدنية، تعزيز المواطنة، تقوية الحياة الحزبية، دعم اللامركزية وتطوير المحليات، وتحديث البنية الثقافية. أولاً- استكمال دعائم الدولة المدنية: تمثل العلاقة بين الدين والدولة أحد التحديات الأساسية التي تواجه عملية التحول الديمقراطي في مصر، ولا يمكن تحقيق قفزة نوعية في التطور السياسي دون استكمال دعائم الدولة المدنية. وبالرغم من أن معظم القوي السياسية ترفع شعار الدولة المدنية، بما في ذلك القوي التي تستند إلي مرجعية دينية، إلا أنه ما زال هناك اختلاف حول طبيعة هذه الدولة. لذا من المهم الاتفاق حول المقصود بالدولة المدنية، وما هي قواعد اللعبة السياسية في إطار هذه الدولة. والواقع أن هذا التعريف وتلك القواعد لا تعد اختراعاً، وبالرغم من تنوع التجارب الدولية في هذا الصدد إلا أن هناك اتفاقاً علي أن الدولة المدنية هي تلك التي تقوم علي المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الأصل، وبالتالي لا مكان في الدولة لأي فكر أو ممارسات تنتقص من حقوق بعض المواطنين، وتنظر لبعضهم علي أنهم مواطنون من الدرجة الأولي والآخرون من درجات أدني، فالدولة المدنية يتساوي كل مواطنيها أمام القانون، وفي الحصول علي الفرص المتاحة دون تمييز. والدولة المدنية تستند في شرعيتها إلي الدستور وليس إلي تفسيرات ذاتية لنصوص مقدسة، وتقوم علي مؤسسات مدنية للحكم من برلمان وحكومة وسلطة قضائية، ومن ثم لا مكان في الدولة المدنية لمؤسسات تعطي للفقيه ولاية تعلو علي مؤسسات الحكم المتعارف عليها. والدولة المدنية هي التي تضع قواعد واضحة لتنظيم العلاقة بين الدين والنشاط السياسي، وتضع قيودا علي استغلال الدين لتحقيق مطامع سياسية. ولكن الدولة المدنية أيضاً هي الدولة التي تحترم الدين وتقدر دوره في حياة الأفراد، وتكفل حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية لمواطنيها. وهي الدولة التي تقوم علي الإدماج وليس الإقصاء السياسي، وتسمح لجميع القوي التي تلتزم بقواعد اللعبة السياسية بالتطور داخل النظام السياسي، وتتيح لها حرية التنافس والفرص المتكافئة للوصول للحكم في إطار إيمان حقيقي بمبدأ تداول السلطة. وقد تضمنت التعديلات الدستورية الأخيرة (المادة الخامسة) النص علي حظر مباشرة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب علي أساس ديني أو مرجعية دينية، كما تم تعديل قوانين الانتخابات لتحظر استخدام الدين أو دور العبادة في الدعاية الانتخابية. وبالرغم من أهمية هذه التعديلات إلا أنها لم تمنع ظاهرة استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، بل تم أحياناً تفسير هذه النصوص بشكل أفقدها مغزاها. لذا فإننا ما نزال نحتاج اجتهادات لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة في مصر، وإطار قانوني أكثر تفصيلاً يقوم بتفعيل نص المادة الخامسة والتي تحظر مباشرة أي نشاط سياسي (وليس فقط نشاط انتخابي) علي أية مرجعية دينية أو أساس ديني، ووضع آلية واضحة لمتابعة الالتزام بذلك، ونظام واضح للعقوبات في حالة مخالفتها، ودعوة جميع القوي السياسية إلي الالتزام بالدولة المدنية، وتطوير أفكارها وممارستها بما يعكس الإيمان الحقيقي بهذه المبادئ. ثانياً - تعزيز المواطنة: ويرتبط بالهدف السابق أيضا ما يتعلق بتعزيز المواطنة، وما تتضمنه من مساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، وقد أكدت التعديلات الدستورية الأخيرة علي هذا المبدأ، وأصبحت المادة الأولي من الدستور تتحدث عن أن نظام الدولة يقوم علي أساس المواطنة، وشهدت السنوات الماضية تعزيز حقوق المواطنة للمرأة المصرية بدخولها في سلك القضاء لأول مرة في تاريخ القضاء المصري، وتحقيق المساواة بين الأب والأم المصرية في حق الجنسية للأبناء، وتخصيص مقاعد للمرأة في البرلمان. وبالرغم من هذه الخطوات المهمة، إلا أننا ما نزال نحتاج إلي جهد أكبر لتغيير ثقافة التمييز ضد المرأة بما في ذلك داخل بعض مؤسسات الدولة، وتبني المزيد من المبادرات التشريعية التي تستكمل منظومة ضمان حقوق المواطنة للمرأة. كذلك نحتاج لسياسات وتشريعات تستهدف القضاء علي التمييز استناداً للدين، بما في ذلك قواعد جديدة لبناء دور العبادة، وجهد ثقافي وإعلامي وتعليمي ضخم لاجتثاث جذور ثقافة التمييز والكراهية. ثالثاً - تقوية الحياة الحزبية: تمثل الأحزاب العماد الأساسي للحياة السياسية، وأفضل آلية للمشاركة السياسية وتقديم بدائل للحكم. وبالرغم من أن التعددية الحزبية ليست غريبة علي مصر بل شهدت البلاد حياة حزبية نشطة وفعالة في مرحلة ما قبل ثورة 1952 إلا أن تجربة الحزب الواحد والتي طبقت في مرحلة ما بعد الثورة أثرت بشكل سلبي علي تطور الحياة الحزبية في مصر. وبالرغم من التخلي عن نظام الحزب الواحد والانتقال إلي التعددية الحزبية عام 1976 إلا أنه وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود فما تزال الحياة الحزبية تعاني من العديد من التحديات، ومايزال دور الأحزاب محدوداً واهتمام المواطن بها ضعيفاً. والواقع إن الحياة الحزبية هي مسئولية جميع الأحزاب بما في ذلك حزب الأغلبية، فضعف المعارضة الحزبية أدي إلي حالة فراغ سياسي احتلتها قوي أخري، ودفع ثمنها كل الأحزاب. ومما لاشك فيه أن الأحزاب المختلفة تتحمل جانبا من المسئولية حول هذا الوضع، وعليها تطوير أفكارها وبرامجها وتجديد دماء قياداتها، ولكن تقع مسئولية أيضاً علي الدولة وعلي مؤسسات الحكم في ضرورة تبني السياسيات والتشريعات التي تدعم الحياة الحزبية. وقد تبني الحزب الوطني مجموعة من التعديلات التي أدخلت علي قانون الأحزاب عام 2005 والتي طورت الشروط المتعلقة بتأسيس الأحزاب، وتشكيل لجنة شئون الأحزاب، وأقرت الدعم المالي للأحزاب من الموازنة العامة للدولة، وكفالة حق استخدام وسائل الإعلام المملوكة للدولة وخاصة أثناء الدعاية الانتخابية. وسوف توضح تجربة انتخابات مجلس الشعب هذا الشهر، مدي التطور الذي شهدته الحياة السياسية، ومدي الحاجة لفتح باب التفكير حول النظم الانتخابية التي تتيح تمثيل أفضل للأحزاب في البرلمان، والحاجة لتبني سياسات تقوي من فكرة الأحزاب كإطار لتجميع مصالح المواطنين والتعبير عنها، وإنها تمثل بدائل حقيقية أمام الناخب، ولديها فرص متساوية للمشاركة في الحكم من خلال تداول السلطة. رابعاً - دعم اللامركزية وتطوير المحليات: بالرغم من أن دستور 1971 قد نص في المادة (161) علي كفالة نقل السلطة تدريجياً إلي المجالس الشعبية المحلية، إلا أن المركزية ماتزال هي أساس التخطيط والتنفيذ، وكثيراً ما يجد المسئولون التنفيذيون والشعبيون علي المستوي المحلي أيديهم مغلولة في التعامل مع القضايا المحلية، وينتظرون الحل القادم من العاصمة. وتمثل المحليات محورا أساسيا للعمل السياسي والتنموي في معظم دول العالم، فهي اللبنة الأولي للنظام السياسي، وأساس عملية التنمية، وهي الأقرب للمواطن والأكثر فهماً لمشاكله والأكثر قدرة علي التعامل معها. وقيام المحليات بدورها سوف يخفف العبء عن المؤسسات المركزية ويجعلها أكثر قدرة وفاعلية في التعامل مع القضايا القومية. وقد احتلت قضية تطوير المحليات ودعم اللامركزية أولوية في البرنامج الانتخابي للحزب الوطني الديمقراطي. ويرتبط ذلك بعدد من المحاور أهمها: - نقل السلطة للمحليات وليس تفويض السلطة: حيث إن هناك فرقا كبيرا بين الأمرين، وفي التجارب السابقة تم الاستناد إلي أسلوب تفويض عدد من السلطات المركزية، إلي المستوي المحلي، ولكن هذه التجربة لم تحقق النتائج المرجوة منها، لأن التفويض بحكم التعريف هو أمر مؤقت وليس دائما، ولا يوجد إطار قانوني يحكم عملية التفويض. ويحتاج الأمر إلي تحديد قانوني واضح للسلطات التي تحتاج إلي نقل إلي المحليات، وما هي المستويات التي سوف تمارس هذه السلطات، وتحديد العلاقة بين هذه المستويات وبعضها البعض، وبينها وبين المستوي المركزي. ؟ التمكين المالي للمحليات: حيث لا يمكن نقل سلطات جديدة للمحليات دون أن يرتبط ذلك بتوفير الموارد المالية لممارسة هذه السلطات، من خلال تمكين المحليات من لعب دور أكبر في وضع أولويات الموازنات المحلية، وأن يكون لها نصيب أكبر من بعض الضرائب ذات الصفة المحلية، وزيادة قدرة المحليات علي تدبير موارد مالية ذاتية. - زيادة الدور الرقابي للمجالس المحلية: حيث لا يمكن نقل سلطات جديدة للجهاز التنفيذي للمحليات دون زيادة الدور الرقابي للمجالس الشعبية المحلية. والواقع أن الأدوات الرقابية المتاحة حالياً لأعضاء المجالس الشعبية المحلية هي أدوات ضعيفة ولا تتيح ممارسة دور رقابي فعال علي المسئولين التنفيذيين المحليين. وهناك حاجة لإضافة أدوات رقابية جديدة تحقق التوازن بين المستوي التنفيذي والمستوي الشعبي للمحليات، وتخفف العبء الرقابي الذي يقوم به مجلس الشعب لمصلحة المجالس المحلية المنتخبة. - تنمية الموارد البشرية للمحليات: حيث تعاني المحليات من ضعف الكوادر البشرية سواء في الشق التنفيذي أو الشعبي، وسيكون من الصعب نقل سلطات جديدة للمحليات دون توفر الكوادر البشرية القادرة علي ممارسة هذه السلطات، ويتطلب ذلك وضع برامج لتدريب الكوادر التنفيذية والشعبية علي كيفية أداء أدوارها الجديدة، ووضع الحوافز المناسبة التي تشجع العناصر المؤهلة علي الانضمام للأجهزة المحلية والاستمرار فيها. وأخيراً فإن تمكين المحليات ليس مجرد إجراءات إدارية ومالية، بل هو مسألة سياسية بالأساس، تتعلق بالرؤية المستقبلية للنظام السياسي في مصر، وتتطلب الاقتناع الحقيقي بأن تمكين المحليات لن يؤدي إلي ضعف الدولة كما يدعي البعض بل سيؤدي إلي زيادة فاعليتها وتجديد شبابها. خامساً - تحديث البنية الثقافية: لا يمكن فصل قضايا الإصلاح السياسي عن تلك المتعلقة بتحديث البنية الثقافية للمجتمع، فخطط الإصلاح السياسي لا يمكن أن تتحقق في ظل غياب منظومة من القيم الداعمة للديمقراطية، والتي تتبني الاعتدال والتسامح واحترام الاختلاف والتنوع الثقافي والفكري، والمواطنة كأساس للمساواة التامة بين جميع المصريين بغض النظر عن الدين أو العقيدة أو الأصل أو الجنس. ومما لا شك فيه أن الدولة لها دور مهم في الترويج لهذه القيم، ورعاية الثقافة والمشاركة في تقديم الخدمات الثقافية المختلفة، وتوفير البيئة الملائمة للإبداع، ومواجهة الأفكار الداعية للجمود والتعصب والانغلاق، ولكن هذه أيضاً مسئولية كل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني التي تؤمن بالتحديث والقيم المدنية.