لو كنت أرسم الكاريكاتير مثل الفنان مصطفى حسين، أو أستطيع أن أعطى فكرة كاريكاتير مثل الأستاذ أحمد رجب، أو أصمم حملات دعاية للحث على المشاركة الانتخابية مثلا لرسمت النكتة القديمة الشهيرة: الرجل لسائق التاكسى: توصلنى لحد فين بكام؟ سائق التاكسى: خليك هنا وهات اللى تجيبه!! ولكن الرجل كان سيمثل الناخب المصرى، وسائق التاكسى يرمز للمرشح فى انتخابات البرلمان بمجلسيه. أليس هذا هو حال الانتخابات فى بلدنا كل موسم؟ الناخب الذى لا يعرف وجهته ولا إلى أين يذهب ولا إلى أين يريد أن يذهب.. تماما كالراكب الذى لا يعرف اتجاه سيره.. ثم يجد الناخب المغيب مرشحا (فارغا) وسيارته الأجرة (فاضية) بدون ركاب أو بدون ناخبين، فيتناقش معه لا على اتجاه السير بل على صفقة وقتية يدفع فيها الناخب ما يملكه أى صوته مقابل (أى وجهة سير) يستطيع أن يوفرها المرشح، من توقيع أحد المسئولين لتسهيل أمور الراكب، أو علاج على نفقة الدولة حتى إذا لم يكن الناخب يحتاجه، أو أى نوع من أنواع الاستثناءات وما يشبهها أى مكان يستطيع سائق التاكسى أن يوصله إليه! والمرشح الذى هو مجرد سائق تاكسى ليس له هو أيضا اتجاه محدد يسير فيه أو يأخذ النائب ليوصله إليه، ومسألة البرامج الانتخابية ليست إلا جزءا من الدعاية تكمل الملصقات والمطبوعات الموزعة على الركاب لمجرد تعريفهم بالسائقين ليس إلا.. إذ أن معظم المرشحين فى مثل تلك الحالة لا يرقون إلى درجة الحصول على رخصة قيادة «أوتوبيس» له خط سير محدد ومعروف وسبق الاتفاق عليه من هيئة أكبر اسمها الحزب الذى ينتمى إليه المرشح، أو حتى الفكر الواضح والمعلن الذى يؤمن وينادى به المرشح المستقل.. والمرشح سائق التاكسى يدخل صفقة الاتفاق مع الناخب ولكن بشكل أكثر تعقيدا من الدعابة. ففى الدعابة القديمة يجاهر سائق التاكسى بنيته دون مواربة: ( لن آخذك إلى أى مكان وهات اللى تجيبه).. أما فى صفقات الانتخابات فقد يعد المرشح بأنه سيقوم بتوصيل الناخب إلى شىء ما أو امتيازات ما، إلى أن يأخذ صوته ثم يختفى المرشح والتاكسى معا.. بل قد يدفع سائق التاكسى الأجرة للراكب حتى يركب معه هذا الناخب إلى لجنة الانتخاب، ويدلى بصوته.. ثم يفترقان ويذهب كل منهما فى طريقه، وقد يضطر الناخب للعودة إلى مكانه الأول سيرا على الأقدام وبدون أى تاكسى!! ألم يقبض الأجرة من السائق؟؟ ثم يتساءل البعض: لماذا لا يشارك المثقفون أو أصحاب الرأى والبصيرة بأصواتهم فى الانتخابات؟ بل لماذا لا يترشحون للمجلس من الأصل؟ والإجابة واضحة فى الدعابة.. فالمثقفون الحقيقيون ليسوا ركاب تاكسى، ولا يعملون بقيادته أيضا.. وهم يعرفون ما يريدون، والمكان والمكانة المتقدمة التى يودون أن تذهب مصر كلها نحوها، ولكنهم لا يجدون «أوتوبيس» ذا سائق ماهر يعرف وجهته حتى يدفعوا الأجرة ويركبوا الحافلة ويتجهوا نحو المكان المراد الذهاب إليه.. أما لماذا لا يترشحون فلأنهم حتى ولو أخذوا رخصة قيادة « الأوتوبيس» وقاموا بتمويل شرائه على نفقتهم الخاصة، غالبا لم يجدوا ركابا يرغبون فى الركوب معهم.. وبخاصة أنهم لن يدفعوا للركاب.. وفكرة عدم وضوح الاتجاه لا يمكن إلقاء اللوم فيها على طرف دون الآخر.. فهى مثل البيضة والدجاجة وأيهما سبق الآخر! هل كان عزوف المواطن عن فهم المستقبل السياسى للوطن، وعدم اهتمامه بالقضايا الحقيقية الكبرى التى من شأنها تغيير صورة مستقبل أبنائه هى ما جعل المرشح يبتعد عن التفكير فى تلك الأهداف فى برنامجه الانتخابى؟ أم أن الوعود الزائفة التى لا يتحقق منها إلا ما يأتى قبل الانتخابات، واهتمام المرشحين لا بما يخص الناخبين بل النخبة التى تشاركهم مصالحهم هو السبب فى اتجاه الناخبين لعقد صفقات سريعة تعتمد على مقابل ضعيف ومؤقت وغير ممتد المفعول ولا يبنى أى فكر مستقبلى؟ وهل كان للأنانية وتهميش المصلحة العامة عند كل من المواطن والناخب والمواطن المرشح دور فى انعدام الرؤية العامة، والنظرة المستقبلية؟ أم أن الجهل وارتفاع نسب الأمية والتخلف الثقافى هو السبب وراء هذا التيه وانعدام التوجه؟ أم أن السبب هو ضعف الحالة الاقتصادية للمواطن الناخب وجريه وراء أى مكسب سريع بغض النظر عن التبعات؟ لو كنت أصمم أفكار الحملة الدعائية للمشاركة الانتخابية لوضعت اتجاه الناخب واتجاه المرشح على أولويات أهداف التوعية الخاصة بالمشاركة الانتخابية.. ولكان السؤال الأول من الناخب للمرشح هو: إلى أين أنت ذاهب؟ وكانت إجابة المرشح واضحة ومحددة تصف المكان والمكانة المراد الوصول إليهما والطريق الذى سيسير فيه لبلوغ وجهته.. عندئذ يستطيع الناخب الواعى أن يحدد ما إذا كان سيركب تلك الحافلة أم أنه متوجه إلى موقع آخر وسيستقل حافلة أخرى.. ولن تحتوى تلك الحملة على سؤال: «بكام» لأن التذكرة فى كل الحافلات موحدة السعر وهى التذكرة الانتخابية لكل مواطن..؟