محافظ أسيوط يستقبل رئيس الطائفة الإنجيلية ويعلن إنشاء 3 أقسام للحروق بالمستشفيات    ارتفاع سعر الذهب فى التعاملات المسائية اليوم السبت 7-2-2026    ترامب يحتفي بصعود مؤشر داو جونز ويتوقع وصوله إلى 100 ألف نقطة    موعد مباراة الزمالك وزيسكو في الكونفدرالية والقناة الناقلة    الأرصاد تحذر: موجة حارّة غير معتادة والذروة غدا    تيفاني ترامب وزوجها يزوران مقبرتي توت عنخ آمون ونفرتاري بالبر الغربي بالأقصر    الرئيس التركي أردوغان يبحث مع ملك الأردن عبدالله استقرار المنطقة خلال زيارته إسطنبول    تأجيل محاكمة 139 متهما بالهيكل الإداري للإخوان لجلسة 9 مايو    فرانك: كان من الممكن أن نخسر بخماسية أمام مانشستر يونايتد    الإعلام الأمني بالعراق: تسلمنا 2250 عنصرا إرهابيا من سوريا وبدأنا إجراءات تصنيفهم قضائيا    محافظة القدس تهاجم افتتاح نفق طريق الحجاج: مشروع استيطاني برواية مزيفة    السودان : معارك طاحنة حول منطقة السلك جنوب النيل الأزرق    زيلينسكي : الولايات المتحدة تريد من روسيا وأوكرانيا إنهاء الحرب بحلول الصيف    وزير الإسكان يتابع موقف تنفيذ المشروعات التنموية فى "سملا وعلم الروم" ومدينة رأس الحكمة الجديدة    معرض التضامن بالدقهلية يجمع 50 عارضًا من ذوي الهمم والمرأة الريفية (فيديو وصور)    مباشر الدوري الإنجليزي - أرسنال (0)-(0) سندرلاند.. المحاولة الأخطر    شعبة الدواجن: مصر تحقق الاكتفاء الذاتي والفائض سينعكس على انخفاض الأسعار    5 إجراءات عاجلة من "الأطباء" ضد ضياء العوضي    تجديد حبس سيدة انتحلت صفة طبيبة لإدارة عيادة تجميل بالقاهرة الجديدة    بعد قليل، محافظ أسيوط يعتمد نتيجة الشهادة الإعدادية ويعلنها رسميا    1000 أخصائي اجتماعي يشاركون في حملة لدعم المناخ النفسي بالمدارس    تصرف غريب من مها نصار بعد منشور مهاجمتها هند صبري    كيف يُستخدم الجلد المتبرع به لعلاج الحروق العميقة والقرح المزمنة؟ عضو بالأطباء يشرح    نقابة الأطباء تُفجر مُفاجاة بشأن مقترح التبرع بالجلد: ليس جديدًا    تأثير التوتر وقلة النوم على زيادة الوزن وطرق علاجها    معتمد جمال يركز على الجوانب الخططية قبل لقاء زيسكو بالكونفدرالية    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون حملة تبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    مع بداية الفصل الدراسي الثاني… أولياء الأمور يطالبون بالغاء التقييمات الأسبوعية    كرة سلة - بقيادة أوجستي.. الكشف عن الجهاز الفني الجديد لمنتخب مصر    أكاديمية الشرطة تستقبل وفدًا من دارسي برنامج الدبلوماسية الشبابية| فيديو    ابنة الرئيس الأمريكي تزور معبد حتشبسوت بالأقصر    مصر تعزز دورها في حماية التراث الإنساني باستعادة رأس تمثال أثري    خبير علاقات دولية: مجلس السلام خطوة للأمام ومصر تقود مشروعاً متكاملاً لدعم غزة    موتٌ في قعر القَذَر ..بقلم الشاعر/ معصوم أحمد / كاليكوت-الهند    احزان للبيع حافظ الشاعر يكتب عن:حين يخفت الصوت..هل تخفت الروح؟    قبل رمضان.. فتح مسافات جديدة بالطريق الدائري الإقليمي وتكثيف إجراءات السلامة    لأول مرة.. الرقابة المالية تتيح لشركات السمسرة تسويق خدماتها عبر المنصات الرقمية    هجوم روسي واسع يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.. تفاصيل    سر ارتفاع درجات الحرارة.. وهل يعود البرد مرة أخرى؟.. الأرصاد توضح    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حسن الخلق قضيتنا!?    الزمالك يرفض اللعب ب9 لاعبين فى مواجهات قبل نهائى دورى سوبر الطائرة    مدرب بيراميدز يتفقد أرضية ملعب مباراة ريفرز يونايتد    مد أجل الحكم في الطعن على فوز القائمة الوطنية بغرب الدلتا بانتخابات النواب    برشلونة يعلن انسحابه من السوبر ليج.. رسميًا    النائب محمد زين الدين يقدم اقتراح برغبة لتخصيص أماكن للباعة الجائلين لمواجهة الفوضى    4 أسباب وراء السقوط المدوي لفيلم الست في شباك التذاكر؟!    منى الشاذلي: حزينة على شيرين.. وببكي لما بسمعلها أغنية    "الجدة الوفية" وأشهر مدرب للكلاب ببرنامج واحد من الناس .. غدا    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    طلب إحاطة بشأن عدم تعيين أوائل خريجي جامعة الأزهر    أسعار الدولار اليوم السبت 7 فبراير 2026.. بكام النهاردة؟    السكك الحديدية: بدء تشغيل قطارات جديدة على هذه الخطوط    شبكة أطباء السودان: مقتل 24 شخصا باستهداف الدعم السريع لحافلة مدنية شمال كردفان    نجاح أول جراحة أورام بمنظار البطن الجراحي بمستشفى التأمين الصحي ببني سويف    أسعار الأسماك اليوم 7 فبراير.. «البلطي» يبدأ من 60 جنيهًا للكيلو    تحرك برلماني لتأسيس «بنك وطني للأنسجة» وتيسير التبرع بعد الوفاة    الأوقاف توضح حقيقة منع إذاعة صلوات الفجر والمغرب والتراويح    أوقاف القليوبية تنظم لقاء الجمعة للأطفال بالمسجد الكبير بقرية الحصة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل المسيحي كافر؟!


كتب - المستشار أحمد عبده ماهر
أكتب ما أتناوله من علاقة المسلم بالمسيحي بهدف له الأسبقية الأولي وهو تصحيح عقيدة المسلمين، وثانيها تصحيح توجهاتهم، وثالثها دفاع عن أمن الأقليات في بلد مسلم يجب أن يحمي الشجر والمدر فما بالكم بالبشر، وما أبغي تمويع الأمور لكن أهدف إلي وضع الأمور في نصابها الشرعي بلا عواطف ساذجة.
بالبداية أنوِّه أن لحية الدعاة وعريض أصواتهم ليست دلالة علي صدق منهاجهم، فالصياح ليس دليلا علي الحق ولا العلم، وإذا كنا نقول إن مصادر التشريع هي القرآن والسُنّة بصفة أصلية، فإننا يجب أن نلتزم بما ورد بالقرآن أولا ثم ما فسرته السُنّة بما يتواءم مع القرآن ثانيا، لكن أن نُقدِّم فقه الرواية من الحديث علي فقه الآية فذلك نهج قد يودي بنا لنكون من المعطلين لحقائق ودلالات كتاب الله، ونكون قد تناقضنا وانقلبنا رأسا علي عقب مع أولوياتنا التي نعتقد بها.
فالحديث النبوي الصحيح لا يقرر قواعد مخالفة لكتاب الله، ومن يتبع حديثا نبويا مخالفا ثم يرتب عليه مقامات يظن بها أنه أهل التقوي وأهل المغفرة إنما ينطبق عليه قول ربنا تبارك وتعالي بسورة البقرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) «11» (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) «12» فالنبي الأعظم كان خُلُقُهُ القرآن، ولم يكن يخالفه، كما أن وحي السُنّة لم يكن ليخالف وحي القرآن أبدا.
ولابد لنا لننهج نهجا محددا بذاته بأمر ما، أن نجمع كل ما تناولته الآيات عن الشأن الواحد، لا أن نختطف المنهج من آية ونترك باقي الآيات، فلربما تناقضنا مع القرآن بذلك الأسلوب بينما القرآن غير متناقض، فنكون سببا أن يسُب الناس كتاب الله، فقد قال تعالي: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام «108» ولا أعني بذلك أتباع المسيح إنما أتناول عموم الأمر، فلست بقائل علي المسيحيين بمصر أنهم يدعون من دون الله أبدا.
ولقد تأثرت أفكار المجتمع وعقائده بالمسلَّمات الفقهية القديمة، لذا لا نعجب أن نجد آلاف وقد تكون ملايين التراشقات بين أهل الإسلام وأهل النصرانية وغيرهما، خاصة بين أولئك الذين يعيشون في الوطن الواحد، لكن الحقيقة التي لم يقف عليها أصحاب التراشقات والبغضاء أنهم يمثِّلون الجهل بدين الله، غير أنهم يتصوَّرون في أنفسهم أنهم روَّاد الانتماء للدين والمستمسكون به والمدافعون عنه.
ولقد رأيت أهل السياسة يخوضون الغمار لفض ذلك الشِّجار بشعارات، هدفها إخراج النَّاس من بعض قديم مذاهبهم الفقهية الخربة، إلي الفكر الاجتماعي والوطني، مثل شعارات «الوحدة الوطنية عنصري الأمة وغير ذلك»، وهم بالطبع يعنون أهل الإسلام وأهل النصرانية، وغالبا ما يتم حماية تلك الشعارات بسلطان الشرطة، لكن آذان الشعب لا تطرب لتلك الشعارات الوطنية قدر ما تطرب لدعاة ينتسبون إلي الدين بغير فهم.
ورأيت فقهاء الطرفين في بلدي، وقد بدا عليهم الرِّضا بحلول شعارات ومصطلحات الحكومة لفض الشجار بعيدا عن مكامن الديانة والعقائد، ففي عقائد كل فريق كُفْر الفريق الآخر وخروجه عن الملَّة، وذلك بفضل الفقه القديم الذي لم يكن يُعني بالتفاصيل قدر ارتمائه في أودية العواطف الجياشة تجاه فهم خاطئ لمرامي الرسالة التي يؤمن بها، مع جنوحه إلي الغلِّ تجاه الآخر.
وبصفتي مسلمًا أملك من أدوات الفقه الإسلامي ما أملك، وأري به ما يمكنني أن أعرض علي القارئ المسلم والمسيحي الأوامر التي أوردها القرآن لتكوين العلاقة في مجتمع متجانس يحمل الإسلام والنصرانية معا في سلام علي أرض واحدة، وليقيني أن علاج الأمر خارج الأُطُر الشرعية بشعارات اجتماعية ووطنية قد يحمل في طياته عداءً دفينًا تجاه تعاليم أصحاب كل رسالة دون حق أو علم حقيقي بحقيقة الدين، سواء أكان إسلاميا أو نصرانيا، كما أنها علاجات وقتية موضعية لا تلبث أن تزول بمضي الوقت، ثم تعود فتطفو تلك الشطحات الفقهية لكل فريق علي السطح مرة أخري.
فلا شك أن الرسالات السماوية لم تترك الأمر لاجتهادات ضالة وعقائد زائفة وزائغة بالعواطف عن صحيح تعاليم الرُّسل، ولقد رأيت أن الإسلام والمسيحية يتفقان إلي حد بعيد في سلمية العلاقة ونعومة النظرة لكل فريق، وإلا فما فائدة المحبة التي جاء بها المسيح «عليه السلام» وما جدوي الرحمة التي أتي بها محمد «صلي الله عليه وسلم».
إننا لم نسمع أن رسول الإسلام «رسول الله صلي الله عليه وسلم» أحرق كنيسة لنصاري نجران، ولم نسمع عن ظلم أوقعه الخلفاء الراشدون أو أحدهم علي أهل الكتاب، كما لم نسمع عن تعاليم يهودية أو نصرانية بالكتب المقدسة تُحبِّذ اضطهاد أهل الإسلام، لكننا نري من لم يرتشفوا من صحيح الدين يتراشقون بلا هوادة بالكلمات واللكمات حتي وصلنا للحرق والهدم وغير ذلك. وإنه مهما كان التفسير الكنسي الحالي ورأيه بالأمر، ومهما كان الفكر الإسلامي الحالي ورأيه، فإن آراء النَّاس والقساوسة والمشايخ ليست بحُجّة أمام الدساتير المقدَّسة، لذلك فلابد من وقوف فرسان أهل الفقه في كل رسالة في وجه الزحف الفقهي القديم الذي أرسي دعائم العداء بلا دلائل أو براهين شرعية، ولنتفق جميعا علي أن الله محبة شعار فقهي واجب النفاذ للمسلمين والمسيحيين علي السواء.
هل لا يوجد بالعالم حاليا أهل كتاب
من بين المعتقدات الغوغائية عن دين الله أنك تري فريقا من الناس يقولون بعدم وجود أهل كتاب في عصرنا، إنما كلهم أهل كفر لكونهم سمعوا برسالة محمد ولم يؤمنوا بها، ولكونهم قاموا بتحريف كُتُبُهم المُنَزَّلة علي أنبيائهم، وهو مذهب إقصائي نرجسي، وهؤلاء يؤمنون أيضا بأحاديث رواها الإمام مسلم في صحيحه (باب قبول توبة القاتل وإن كَثُر قتله) تزعم بأن رسول الله «صلي الله عليه وسلم» قال بالحديث رقم (2767) «إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلي كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار»، فيضع الله ذنوب المسلم علي عاتق اليهودي والنصراني.
أرأيتم كيف يكون الكذب علي الله ورسوله تحت مصطلح (حديث صحيح)؟، ألم يقل الله عز وجل: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) «النساء123» فكل أصحاب السيئات يجازيهم الله بالسوء سواء أكان مسلما أم كتابيا، وليست هناك محاباة للمسلمين علي حساب اليهود والنصاري رغم أنف صحيح مسلم.
وإذا كان هناك من يعتقد بأنه مُجرّد أن بعث الله لسيدنا محمد فإن جميع أهل الكتاب أصبحوا كفارا، فإنه يكون قد خالف النداء القرآني الذي يتلوه قارئ القرآن اليوم، حيث يقول تعالي: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا علي الله إلا الحق) «النساء 171» (قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق» «المائدة 77».
والآيات التي تُكَذّب هذا الاتجاه التكفيري كثيرة، لكن نكتفي بالمثال السابق، فيا تري أيتكلم الله مع أهل الماضي من الموتي ساكني القبور من اليهود والنصاري؟، وإذا كان يكلمهم وهم موتي فلماذا ينصحهم بأن يقولوا الحق علي الله؛ أسيخرجون من القبور ليستعيدوا إيمانهم المفقود؟!، لهذا فأصحاب هذا الفكر خارج السياق الفكري المعتبر، وألا يري القارئ بأن المسلمين يقولون علي الله غير الحق حين يؤمنون بحديث الإمام مسلم في صحيحه.
أهل الكتاب فئات متباينة
يُعَلِّمُنا الله في كتابه بألا نأخذ العاطل مع الباطل، كما علمنا أن بعض الظنون آثام، وعلَّمنا بأن من أهل الكتاب أُناساً صالحين، فقال تعالي: (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) «113» (يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) «114» (وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) «115» فهل يتصور أصحاب نظرية كفر كل أهل الكتاب بعدم وجود تلك الفئة التي تصلي ليلا وتتلو كتاب الله؛ أيُكذِّبون كتاب الله؟، وسواء أكانت تلك التلاوة للإنجيل أو القرآن ، فإن ذلك الأمر يتم حاليا وقد مدحه الله في كتابه، لكنك ستجد أهل الجدال الذين يريدون تعطيل أحكام كتاب الله لصالح مروياتهم يقولون هذه آية منسوخة، وتلك مقررة، وأخري مُعطلة، وهكذا نخرج من الإيمان إلي الفسق.
ويقول تعالي: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) «آل عمران199» فهل من يتناولهم الله بذلك الصلاح هم من الموتي حتي نفهم منطق الذين يقولون بأن الذين يعيشون بيننا حاليا كفار، أما أهل الكتاب فقد ماتوا زمن سيدنا محمد وما قبله؟، إن الآية تقرر بأنهم يؤمنون بما أنزل إلينا، ومع هذا فهُم أهل كتاب يعني لم يدخلوا في دين سيدنا محمد ويتوعدهم الله بالأجر نظرا لتقواهم. فهل نُكذِّب أيضا بتلك الآية ونخرجها من دلالاتها لصالح دين ذمَّهُ الله اسمه «هذا ما ألفينا عليه آباءنا»؟.
بين الكفار وأهل الكتاب في القرآن
ومما يلفت نظر الذي يتدبر القرآن أن الله جعل أحكاما خاصة لأهل الكتاب غير أحكام الكافرين، فقال تعالي محددا شكل تعامل المسلم مع الكافر: (يَا أَيُّهَا النَّبِي جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «التوبة73» بينما يقول تعالي عن أهل الكتاب: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) «العنكبوت 46» ألا تدل تلكم الآيتين علي تمايز أهل الكتاب، ألا تدل الآية الأخيرة علي وجود المؤمنين وأهل الكتاب جنبا إلي جنب في زماننا هذا، حين يقول الله تعالي (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
ومن بين الأحكام، أحكام الطعام، يقول تعالي: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) «المائدة5» ألا يدل ذلك علي أن طعام أهل الكتاب من أطايب الطعام كما تذكر الآية؟؛ بينما ينهانا الله عن طعام الكافرين؛ بل لقد نهانا رسول الله حتي عن استعمال آنيتهم [عن أبي ثعلبة الخشني «رضي الله عنه» أنه سأل النبي «صلي الله عليه وسلم» عن الأكل في أواني المشركين، فقال له النبي «صلي الله عليه وسلم» لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيه).
ومن ناحية النكاح فقد نهانا الله أن نتزوج المشركات فقال تعالي: (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْركِاتِ حَتَّي يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّي يُؤْمِنُواْ) «البقرة221» وقال تعالي: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) «الممتحنة10» بينما صرح الله لنا أن نتزوج من الكتابيات، فقال تعالي: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) «المائدة5».
وتلك الآيات تدل علي أن أهل الكتاب ليسوا بكافرين ولا مشركين شرك عقيدة عمدي، فلقد جمع الله بين المشركة بآية سورة البقرة والكافرة بآية سورة الممتحنة، وحرّم الزواج من أيهما، بينما أحل لنا الزواج من الكتابية بآية سورة المائدة، ألا يصيب ذلك التباين من قناعة الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من المشركين والكافرين، وإذا كان الأمر أن المرأة مجرد وعاء لكان أحل الله لنا أي امرأة مشركة أو كافرة.
ولقد قال تعالي عن أهل الكفر (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) «الأنفال8» بينما قال عن أهل الكتاب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَي وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) «البقرة62» - ويقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَي مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) «المائدة69».
تعاليم القرآن في الحكم علي إيمان أهل الكتاب
علمنا أن الذين أوتوا الكتاب ينقسمون إلي شرائح بالنسبة لمعتقداتهم، كذلك ينقسمون في أعمالهم إلي شرائح، وهذه وتلك قد توردهم مورد الكفر، لكنها قد توردهم مورد الإيمان أيضا، فليس معني قوله تعالي: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) «آل عمران110» إنهم أهل كفر، ذلك لأن القرآن لم يحكم بالكفر عليهم جميعا إنما قال: (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ)، فرغم كونهم أهل كتاب هم مؤمنون، لكنه قال عن بعضهم: (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، فأين الكفر المزعوم الذي يُعممه البعض؟؟!!.
كما أن عبارة (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، لا تجعل من القرآن مترصدًا لأهل الكتاب فقط، فقد قال الله إن أكثر النَّاس جميعا غير مؤمنين، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) «يوسف103» - وأنه حتي من الذين آمنوا منهم فإن أكثرهم مشركون، (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) «يوسف106» - وقال بأن أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) «الأنعام116» - وكلها أمور واقعة في حقيقة دنيانا، لذلك فالقرآن لم يصم أكثر أهل الكتاب بالفسق دون باقي النَّاس، بل إن هذا هو منهج كل النَّاس في الوصف القرآني عن حقيقة دونية دنيا النَّاس، حتي وإن كانوا مسلمين ومؤمنين برسول الله محمد «صلي الله عليه وسلم».
هيمنة رسالة محمد «صلي الله عليه وسلم» وكتابه لا تعني كفر الآخرين ومن ضمن تصوّرات بعض المتعاملين بالقرآن بكفر كل أهل الكتاب، ما جاء بالقرآن من آيات في قوله تعالي بشأن الكتاب: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَي الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) «المائدة48» - وقوله تعالي بشأن محمد «صلي الله عليه وسلم» (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَي ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشاهدينَ) «آل عمران81».
فلقد تصوَّر هؤلاء أنه مادام القرآن مهيمنا علي ما قبله من الكُتُب السماوية، وحيث أخذ الله العهد علي الأنبياء بالإيمان بمحمد، فلابد بمنطقهم أن يكون كل من لم يؤمن بمحمد كافرا، وهو منطق أرسي دعائم العداء بلا سند، وأنهك الوعظ الإلهي بوجوب مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن فقط، وهو منطق انتقائي ومنهج مغلوط يؤمن ببعض الكتاب ويهمل البعض الآخر.
لكن من يرتوي بالموضوعية سيقف علي المرمي القرآني لقوله تعالي: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) «الإسراء9» - فكلمة (يِهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ) تعني أن هناك من هم علي قيمة، ولكن القرآن أقوم، خاصة إذا ما انتبهنا لقوله تعالي: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) (مِن قَبْلُ هُدًي لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) «آل عمران3» - فالقرآن لم يُلغِ ما قبله من الشرائع والرسالات وهو ما سيأتي بيانه لكنه مصدق لها، وأصبح مهيمنا عليها في وجودها، وكل الرسالات مناط هداية للبشرية.
فالإيمان برسالة محمد ضرورة، أملاها الله لكونها الأخْيَرة لملاءمتها للعصور والخلائق التي تلت الرسالات السابقة، (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) «آل عمران110» - لكن ليس لأن ما قبلها من الرسالات ممجوج أو تم إلغاؤه، فالأخْيَر لا تعني إلا وجود الخير، ومخالفة رسالة محمد مع الاعتصام بإحدي رسالات الله الأخري لا تجعل أولئك المعتصمين كفارًا كُفْرَ عقيدة، وسبب ذلك أنهم يتصوَّرون أنهم علي هداية، حيث يقول تعالي: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَي تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) «البقرة135» - بل إن اعتصامهم برسالة نبيهم وخوفهم من الإيمان برسالة محمد يكمن في أنهم يرجون الجنة، ويخافون النار، وذلك من قوله تعالي: (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَي تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) «البقرة111» - فتدبر رحمك الله قولهم لتجد أنهم يبتغون رضوان الله والثواب وحسن آخرتهم، فكيف يمكن أن ننعت أمثال هؤلاء بأنهم كفار، بل إن الآية مع قليل من التدبر تُبَيِّن أنهم سيدخلون الجنة، وسيدخل معهم آخرون، ولن تكون الجنة لهم فقط كما يتصوّرون، وما اعتصامهم بدينهم إلا لأنهم لم تصلهم رسالة محمد إلا علي موائد القتل والفظاظة علي يد أمثال بن لادن والظواهري وغيرهما وهو ما سيأتي تفصيله عن مسئولية المسلمين تجاه الدعوة الإسلامية.
كما أن الذين ينعتون منهم المسلمين بأنهم كُفارً هم أحفاد من ساهموا بالحروب الصليبية، وهم الذين نهبوا حديثا ثروات البلاد بلا مسوغ، ومنهم من حوكم أمام محكمة الجزاء الدولية لارتكابه جرائم حرب ضد الإنسانية في البوسنة والهرسك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.