أسعار الذهب تواصل الصعود.. ومكاسب الجرام بمنتصف تعاملات الجمعة 140 جنيها    «أسطول الصمود العالمي» يعلن تنظيم قافلة مساعدات بحرية جديدة نحو غزة    الزمالك بالزي التقليدي أمام زيسكو في الكونفدرالية    ضبط 4 متهمين بالنصب على المواطنين بزعم العلاج الروحاني في أسوان    تحرش داخل محطة قطار.. الداخلية تتحرك وتضبط المتهمين| فيديو    الجامعات والمعاهد تنهي استعدادها لاستقبال 4 ملايين طالب مع بدء الفصل الدراسي الثاني    الكرملين: نأمل في خفض التصعيد بعد المحادثات الإيرانية الأمريكية    وزير الخارجية: لن نسمح بتقسيم غزة وإسرائيل تعرقل سفر الفلسطينيين عبر رفح    حشد من الليبين يشيع جثمان سيف الإسلام القذافي إلى مثواه الأخير    افتتاح 3 مساجد جديدة بعد الإحلال والتجديد بالقليوبية    تعادل سلبي يحسم الشوط الأول بين منتخب مصر وبنين في تصفيات كأس العالم للشابات    رئيس جامعة القاهرة يعقد لقاءات موسعة مع قيادات الجامعات الفرنسية    اللحمة بكام؟.. أسعار اللحوم بكفر الشيخ الجمعة 6 فبراير 2026    مسلسلات رمضان 2026، طرح البوستر الرسمي ل"عرض وطلب"    فرق الفنون الشعبية المشاركة بمهرجان الثقافة والفنون تستكمل عروضها بساحة دخول معابد فيله    نائب وزير الصحة: تطبيق منظومة متكاملة لمواجهة مقاومة المضادات في 97 مستشفى نموذجيًّا    محافظ الدقهلية ووزير الأوقاف ومفتي الجمهورية يؤدون صلاة الجمعة بمسجد النصر بالمنصورة    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي ب 5 ملايين جنيه    حملات على سلاسل المحال التجارية والمنشآت الغذائية والسياحية بأسوان    جوارديولا: هالاند أفضل مهاجم في العالم    رمضان 2026 - الصور الأولى من كواليس تصوير "إعلام وراثة"    المغرب يواصل إجلاء آلاف المواطنين من أقاليم ضربتها الفيضانات    افتتاح جهاز الجاما كاميرا بوحدة الطب النووي بمستشفيات سوهاج الجامعية    "تعليم بنى سويف" الأولى بمسابقة "الإبداع طموح" في مجال البحث العلمي والابتكار    بحوزته مليون جنيه وسيارة.. ضبط متهم بالتنقيب عن خام الذهب في قنا    الملابس الجاهزة تتصدر قائمة أهم السلع المصدرة إلى تركيا خلال 2025    غدا.. فصل التيار الكهربائي 3 ساعات عن عدة مناطق في بني سويف للصيانة    اليوم.. ختام الدور التمهيدي للدوري الممتاز لكرة السلة    الأقصر تتزين لاستقبال ابنة ترامب.. جولة ملكية في أحضان الحضارة المصرية    وزير الخارجية: نعمل على خفض التصعيد مع إيران كأولوية قصوى لتجنب المزيد من الصراعات    ياسر جلال ومصطفى أبو سريع يغنيان "الحب اللى كان" من كواليس كلهم بيحبوا مودى    تحركنا قانونيا.. أول تعليق من نقابة الأطباء على واقعة التعدي على طبيب مستشفى الباجور    القاهرة الإخبارية: فرحة في الشارع السوري باتفاق نقل السجناء بين لبنان وسوريا    الذهب يرتفع والفضة تتراجع وسط تباين شهية المخاطرة العالمية    مصر تعلن دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    أهلي 2011 يواجه سموحة اليوم في بطولة الجمهورية    الأوقاف تحيي ذكرى وفاة الشيخ كامل يوسف البهتيمي    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    أسعار تذاكر طيران حج الجمعيات الأهلية 2026 وموعد السداد    تحذير من إدمان الألعاب الإلكترونية.. استشاري الصحة النفسية يكشف المخاطر على الأطفال    6 فبراير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالمصانع المحلية اليوم    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 6فبراير 2026    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين لصلاة الجمعة اليوم 6فبراير 2026    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    جيش الاحتلال الإسرائيلى يعتقل 60 فلسطينيا من الضفة الغربية    بعد نجاح لعبة وقلبت بجد.. وزارة الصحة تواجه الإدمان الرقمى بعيادات متخصصة    المنتجة ماريان خوري: يوسف شاهين وثق جنازتي عبد الناصر وأم كلثوم بكاميرته الخاصة    القومي للبحوث يختتم برنامج التدريب الميداني لطلاب التكنولوجيا الحيوية بجامعة 6 أكتوبر    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل المسيحي كافر؟!


كتب - المستشار أحمد عبده ماهر
أكتب ما أتناوله من علاقة المسلم بالمسيحي بهدف له الأسبقية الأولي وهو تصحيح عقيدة المسلمين، وثانيها تصحيح توجهاتهم، وثالثها دفاع عن أمن الأقليات في بلد مسلم يجب أن يحمي الشجر والمدر فما بالكم بالبشر، وما أبغي تمويع الأمور لكن أهدف إلي وضع الأمور في نصابها الشرعي بلا عواطف ساذجة.
بالبداية أنوِّه أن لحية الدعاة وعريض أصواتهم ليست دلالة علي صدق منهاجهم، فالصياح ليس دليلا علي الحق ولا العلم، وإذا كنا نقول إن مصادر التشريع هي القرآن والسُنّة بصفة أصلية، فإننا يجب أن نلتزم بما ورد بالقرآن أولا ثم ما فسرته السُنّة بما يتواءم مع القرآن ثانيا، لكن أن نُقدِّم فقه الرواية من الحديث علي فقه الآية فذلك نهج قد يودي بنا لنكون من المعطلين لحقائق ودلالات كتاب الله، ونكون قد تناقضنا وانقلبنا رأسا علي عقب مع أولوياتنا التي نعتقد بها.
فالحديث النبوي الصحيح لا يقرر قواعد مخالفة لكتاب الله، ومن يتبع حديثا نبويا مخالفا ثم يرتب عليه مقامات يظن بها أنه أهل التقوي وأهل المغفرة إنما ينطبق عليه قول ربنا تبارك وتعالي بسورة البقرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) «11» (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) «12» فالنبي الأعظم كان خُلُقُهُ القرآن، ولم يكن يخالفه، كما أن وحي السُنّة لم يكن ليخالف وحي القرآن أبدا.
ولابد لنا لننهج نهجا محددا بذاته بأمر ما، أن نجمع كل ما تناولته الآيات عن الشأن الواحد، لا أن نختطف المنهج من آية ونترك باقي الآيات، فلربما تناقضنا مع القرآن بذلك الأسلوب بينما القرآن غير متناقض، فنكون سببا أن يسُب الناس كتاب الله، فقد قال تعالي: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام «108» ولا أعني بذلك أتباع المسيح إنما أتناول عموم الأمر، فلست بقائل علي المسيحيين بمصر أنهم يدعون من دون الله أبدا.
ولقد تأثرت أفكار المجتمع وعقائده بالمسلَّمات الفقهية القديمة، لذا لا نعجب أن نجد آلاف وقد تكون ملايين التراشقات بين أهل الإسلام وأهل النصرانية وغيرهما، خاصة بين أولئك الذين يعيشون في الوطن الواحد، لكن الحقيقة التي لم يقف عليها أصحاب التراشقات والبغضاء أنهم يمثِّلون الجهل بدين الله، غير أنهم يتصوَّرون في أنفسهم أنهم روَّاد الانتماء للدين والمستمسكون به والمدافعون عنه.
ولقد رأيت أهل السياسة يخوضون الغمار لفض ذلك الشِّجار بشعارات، هدفها إخراج النَّاس من بعض قديم مذاهبهم الفقهية الخربة، إلي الفكر الاجتماعي والوطني، مثل شعارات «الوحدة الوطنية عنصري الأمة وغير ذلك»، وهم بالطبع يعنون أهل الإسلام وأهل النصرانية، وغالبا ما يتم حماية تلك الشعارات بسلطان الشرطة، لكن آذان الشعب لا تطرب لتلك الشعارات الوطنية قدر ما تطرب لدعاة ينتسبون إلي الدين بغير فهم.
ورأيت فقهاء الطرفين في بلدي، وقد بدا عليهم الرِّضا بحلول شعارات ومصطلحات الحكومة لفض الشجار بعيدا عن مكامن الديانة والعقائد، ففي عقائد كل فريق كُفْر الفريق الآخر وخروجه عن الملَّة، وذلك بفضل الفقه القديم الذي لم يكن يُعني بالتفاصيل قدر ارتمائه في أودية العواطف الجياشة تجاه فهم خاطئ لمرامي الرسالة التي يؤمن بها، مع جنوحه إلي الغلِّ تجاه الآخر.
وبصفتي مسلمًا أملك من أدوات الفقه الإسلامي ما أملك، وأري به ما يمكنني أن أعرض علي القارئ المسلم والمسيحي الأوامر التي أوردها القرآن لتكوين العلاقة في مجتمع متجانس يحمل الإسلام والنصرانية معا في سلام علي أرض واحدة، وليقيني أن علاج الأمر خارج الأُطُر الشرعية بشعارات اجتماعية ووطنية قد يحمل في طياته عداءً دفينًا تجاه تعاليم أصحاب كل رسالة دون حق أو علم حقيقي بحقيقة الدين، سواء أكان إسلاميا أو نصرانيا، كما أنها علاجات وقتية موضعية لا تلبث أن تزول بمضي الوقت، ثم تعود فتطفو تلك الشطحات الفقهية لكل فريق علي السطح مرة أخري.
فلا شك أن الرسالات السماوية لم تترك الأمر لاجتهادات ضالة وعقائد زائفة وزائغة بالعواطف عن صحيح تعاليم الرُّسل، ولقد رأيت أن الإسلام والمسيحية يتفقان إلي حد بعيد في سلمية العلاقة ونعومة النظرة لكل فريق، وإلا فما فائدة المحبة التي جاء بها المسيح «عليه السلام» وما جدوي الرحمة التي أتي بها محمد «صلي الله عليه وسلم».
إننا لم نسمع أن رسول الإسلام «رسول الله صلي الله عليه وسلم» أحرق كنيسة لنصاري نجران، ولم نسمع عن ظلم أوقعه الخلفاء الراشدون أو أحدهم علي أهل الكتاب، كما لم نسمع عن تعاليم يهودية أو نصرانية بالكتب المقدسة تُحبِّذ اضطهاد أهل الإسلام، لكننا نري من لم يرتشفوا من صحيح الدين يتراشقون بلا هوادة بالكلمات واللكمات حتي وصلنا للحرق والهدم وغير ذلك. وإنه مهما كان التفسير الكنسي الحالي ورأيه بالأمر، ومهما كان الفكر الإسلامي الحالي ورأيه، فإن آراء النَّاس والقساوسة والمشايخ ليست بحُجّة أمام الدساتير المقدَّسة، لذلك فلابد من وقوف فرسان أهل الفقه في كل رسالة في وجه الزحف الفقهي القديم الذي أرسي دعائم العداء بلا دلائل أو براهين شرعية، ولنتفق جميعا علي أن الله محبة شعار فقهي واجب النفاذ للمسلمين والمسيحيين علي السواء.
هل لا يوجد بالعالم حاليا أهل كتاب
من بين المعتقدات الغوغائية عن دين الله أنك تري فريقا من الناس يقولون بعدم وجود أهل كتاب في عصرنا، إنما كلهم أهل كفر لكونهم سمعوا برسالة محمد ولم يؤمنوا بها، ولكونهم قاموا بتحريف كُتُبُهم المُنَزَّلة علي أنبيائهم، وهو مذهب إقصائي نرجسي، وهؤلاء يؤمنون أيضا بأحاديث رواها الإمام مسلم في صحيحه (باب قبول توبة القاتل وإن كَثُر قتله) تزعم بأن رسول الله «صلي الله عليه وسلم» قال بالحديث رقم (2767) «إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلي كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار»، فيضع الله ذنوب المسلم علي عاتق اليهودي والنصراني.
أرأيتم كيف يكون الكذب علي الله ورسوله تحت مصطلح (حديث صحيح)؟، ألم يقل الله عز وجل: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) «النساء123» فكل أصحاب السيئات يجازيهم الله بالسوء سواء أكان مسلما أم كتابيا، وليست هناك محاباة للمسلمين علي حساب اليهود والنصاري رغم أنف صحيح مسلم.
وإذا كان هناك من يعتقد بأنه مُجرّد أن بعث الله لسيدنا محمد فإن جميع أهل الكتاب أصبحوا كفارا، فإنه يكون قد خالف النداء القرآني الذي يتلوه قارئ القرآن اليوم، حيث يقول تعالي: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا علي الله إلا الحق) «النساء 171» (قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق» «المائدة 77».
والآيات التي تُكَذّب هذا الاتجاه التكفيري كثيرة، لكن نكتفي بالمثال السابق، فيا تري أيتكلم الله مع أهل الماضي من الموتي ساكني القبور من اليهود والنصاري؟، وإذا كان يكلمهم وهم موتي فلماذا ينصحهم بأن يقولوا الحق علي الله؛ أسيخرجون من القبور ليستعيدوا إيمانهم المفقود؟!، لهذا فأصحاب هذا الفكر خارج السياق الفكري المعتبر، وألا يري القارئ بأن المسلمين يقولون علي الله غير الحق حين يؤمنون بحديث الإمام مسلم في صحيحه.
أهل الكتاب فئات متباينة
يُعَلِّمُنا الله في كتابه بألا نأخذ العاطل مع الباطل، كما علمنا أن بعض الظنون آثام، وعلَّمنا بأن من أهل الكتاب أُناساً صالحين، فقال تعالي: (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) «113» (يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) «114» (وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) «115» فهل يتصور أصحاب نظرية كفر كل أهل الكتاب بعدم وجود تلك الفئة التي تصلي ليلا وتتلو كتاب الله؛ أيُكذِّبون كتاب الله؟، وسواء أكانت تلك التلاوة للإنجيل أو القرآن ، فإن ذلك الأمر يتم حاليا وقد مدحه الله في كتابه، لكنك ستجد أهل الجدال الذين يريدون تعطيل أحكام كتاب الله لصالح مروياتهم يقولون هذه آية منسوخة، وتلك مقررة، وأخري مُعطلة، وهكذا نخرج من الإيمان إلي الفسق.
ويقول تعالي: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) «آل عمران199» فهل من يتناولهم الله بذلك الصلاح هم من الموتي حتي نفهم منطق الذين يقولون بأن الذين يعيشون بيننا حاليا كفار، أما أهل الكتاب فقد ماتوا زمن سيدنا محمد وما قبله؟، إن الآية تقرر بأنهم يؤمنون بما أنزل إلينا، ومع هذا فهُم أهل كتاب يعني لم يدخلوا في دين سيدنا محمد ويتوعدهم الله بالأجر نظرا لتقواهم. فهل نُكذِّب أيضا بتلك الآية ونخرجها من دلالاتها لصالح دين ذمَّهُ الله اسمه «هذا ما ألفينا عليه آباءنا»؟.
بين الكفار وأهل الكتاب في القرآن
ومما يلفت نظر الذي يتدبر القرآن أن الله جعل أحكاما خاصة لأهل الكتاب غير أحكام الكافرين، فقال تعالي محددا شكل تعامل المسلم مع الكافر: (يَا أَيُّهَا النَّبِي جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «التوبة73» بينما يقول تعالي عن أهل الكتاب: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) «العنكبوت 46» ألا تدل تلكم الآيتين علي تمايز أهل الكتاب، ألا تدل الآية الأخيرة علي وجود المؤمنين وأهل الكتاب جنبا إلي جنب في زماننا هذا، حين يقول الله تعالي (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
ومن بين الأحكام، أحكام الطعام، يقول تعالي: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) «المائدة5» ألا يدل ذلك علي أن طعام أهل الكتاب من أطايب الطعام كما تذكر الآية؟؛ بينما ينهانا الله عن طعام الكافرين؛ بل لقد نهانا رسول الله حتي عن استعمال آنيتهم [عن أبي ثعلبة الخشني «رضي الله عنه» أنه سأل النبي «صلي الله عليه وسلم» عن الأكل في أواني المشركين، فقال له النبي «صلي الله عليه وسلم» لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيه).
ومن ناحية النكاح فقد نهانا الله أن نتزوج المشركات فقال تعالي: (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْركِاتِ حَتَّي يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّي يُؤْمِنُواْ) «البقرة221» وقال تعالي: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) «الممتحنة10» بينما صرح الله لنا أن نتزوج من الكتابيات، فقال تعالي: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) «المائدة5».
وتلك الآيات تدل علي أن أهل الكتاب ليسوا بكافرين ولا مشركين شرك عقيدة عمدي، فلقد جمع الله بين المشركة بآية سورة البقرة والكافرة بآية سورة الممتحنة، وحرّم الزواج من أيهما، بينما أحل لنا الزواج من الكتابية بآية سورة المائدة، ألا يصيب ذلك التباين من قناعة الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من المشركين والكافرين، وإذا كان الأمر أن المرأة مجرد وعاء لكان أحل الله لنا أي امرأة مشركة أو كافرة.
ولقد قال تعالي عن أهل الكفر (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) «الأنفال8» بينما قال عن أهل الكتاب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَي وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) «البقرة62» - ويقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَي مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) «المائدة69».
تعاليم القرآن في الحكم علي إيمان أهل الكتاب
علمنا أن الذين أوتوا الكتاب ينقسمون إلي شرائح بالنسبة لمعتقداتهم، كذلك ينقسمون في أعمالهم إلي شرائح، وهذه وتلك قد توردهم مورد الكفر، لكنها قد توردهم مورد الإيمان أيضا، فليس معني قوله تعالي: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) «آل عمران110» إنهم أهل كفر، ذلك لأن القرآن لم يحكم بالكفر عليهم جميعا إنما قال: (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ)، فرغم كونهم أهل كتاب هم مؤمنون، لكنه قال عن بعضهم: (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، فأين الكفر المزعوم الذي يُعممه البعض؟؟!!.
كما أن عبارة (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، لا تجعل من القرآن مترصدًا لأهل الكتاب فقط، فقد قال الله إن أكثر النَّاس جميعا غير مؤمنين، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) «يوسف103» - وأنه حتي من الذين آمنوا منهم فإن أكثرهم مشركون، (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) «يوسف106» - وقال بأن أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) «الأنعام116» - وكلها أمور واقعة في حقيقة دنيانا، لذلك فالقرآن لم يصم أكثر أهل الكتاب بالفسق دون باقي النَّاس، بل إن هذا هو منهج كل النَّاس في الوصف القرآني عن حقيقة دونية دنيا النَّاس، حتي وإن كانوا مسلمين ومؤمنين برسول الله محمد «صلي الله عليه وسلم».
هيمنة رسالة محمد «صلي الله عليه وسلم» وكتابه لا تعني كفر الآخرين ومن ضمن تصوّرات بعض المتعاملين بالقرآن بكفر كل أهل الكتاب، ما جاء بالقرآن من آيات في قوله تعالي بشأن الكتاب: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَي الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) «المائدة48» - وقوله تعالي بشأن محمد «صلي الله عليه وسلم» (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَي ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشاهدينَ) «آل عمران81».
فلقد تصوَّر هؤلاء أنه مادام القرآن مهيمنا علي ما قبله من الكُتُب السماوية، وحيث أخذ الله العهد علي الأنبياء بالإيمان بمحمد، فلابد بمنطقهم أن يكون كل من لم يؤمن بمحمد كافرا، وهو منطق أرسي دعائم العداء بلا سند، وأنهك الوعظ الإلهي بوجوب مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن فقط، وهو منطق انتقائي ومنهج مغلوط يؤمن ببعض الكتاب ويهمل البعض الآخر.
لكن من يرتوي بالموضوعية سيقف علي المرمي القرآني لقوله تعالي: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) «الإسراء9» - فكلمة (يِهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ) تعني أن هناك من هم علي قيمة، ولكن القرآن أقوم، خاصة إذا ما انتبهنا لقوله تعالي: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) (مِن قَبْلُ هُدًي لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) «آل عمران3» - فالقرآن لم يُلغِ ما قبله من الشرائع والرسالات وهو ما سيأتي بيانه لكنه مصدق لها، وأصبح مهيمنا عليها في وجودها، وكل الرسالات مناط هداية للبشرية.
فالإيمان برسالة محمد ضرورة، أملاها الله لكونها الأخْيَرة لملاءمتها للعصور والخلائق التي تلت الرسالات السابقة، (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) «آل عمران110» - لكن ليس لأن ما قبلها من الرسالات ممجوج أو تم إلغاؤه، فالأخْيَر لا تعني إلا وجود الخير، ومخالفة رسالة محمد مع الاعتصام بإحدي رسالات الله الأخري لا تجعل أولئك المعتصمين كفارًا كُفْرَ عقيدة، وسبب ذلك أنهم يتصوَّرون أنهم علي هداية، حيث يقول تعالي: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَي تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) «البقرة135» - بل إن اعتصامهم برسالة نبيهم وخوفهم من الإيمان برسالة محمد يكمن في أنهم يرجون الجنة، ويخافون النار، وذلك من قوله تعالي: (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَي تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) «البقرة111» - فتدبر رحمك الله قولهم لتجد أنهم يبتغون رضوان الله والثواب وحسن آخرتهم، فكيف يمكن أن ننعت أمثال هؤلاء بأنهم كفار، بل إن الآية مع قليل من التدبر تُبَيِّن أنهم سيدخلون الجنة، وسيدخل معهم آخرون، ولن تكون الجنة لهم فقط كما يتصوّرون، وما اعتصامهم بدينهم إلا لأنهم لم تصلهم رسالة محمد إلا علي موائد القتل والفظاظة علي يد أمثال بن لادن والظواهري وغيرهما وهو ما سيأتي تفصيله عن مسئولية المسلمين تجاه الدعوة الإسلامية.
كما أن الذين ينعتون منهم المسلمين بأنهم كُفارً هم أحفاد من ساهموا بالحروب الصليبية، وهم الذين نهبوا حديثا ثروات البلاد بلا مسوغ، ومنهم من حوكم أمام محكمة الجزاء الدولية لارتكابه جرائم حرب ضد الإنسانية في البوسنة والهرسك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.