بينما كان العالم يلملم جراح أزمة الطاقة الكبرى التى فجرتها الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، استيقظت الأسواق فى 28 فبراير 2026 على وقع الحرب الإيرانية، لتعيد إلى الأذهان كابوس الأسعار الفلكية وانقطاع الإمدادات. ورغم أن إيران تتصدر المشهد باحتياطياتها التى تعد الثانية عالميًا، إلا أن الخطورة الحقيقية لا تكمن فى قدراتها التصديرية المحدودة، بل فى موقعها المهيمن على «شريان الغاز العالمى» بمضيق هرمز. وفى هذا التقرير، نستعرض كيف أدى تعليق الإنتاج القطرى والتوترات الملاحية إلى قفزات سعرية فورية، واضعًا القارة الأوروبية أمام شتاء قارس ومخزونات حرجة تعيد رسم ملامح أزمة 2022 بصورة أكثر تعقيدًا». فى دراسة للمهندس وائل عبد المعطى خبير أسواق الغاز والهيدروجين فى منظمة أوابك لا شك أن تصاعد الأعمال العسكرية فى منطقة الخليج العربى، والتى بدأت يوم السبت 28 فبراير 2026، سيلقى بظلاله على سوق الطاقة بكل مصادره، ومن بينها الغاز الطبيعى، فمنذ نحو أربع سنوات، وتحديدًا فى شهر فبراير 2022، انطلقت الأزمة الروسية-الأوكرانية، والتى كانت من أبرز تداعياتها اندلاع أكبر أزمة فى تاريخ سوق الغاز العالمى؛ نتيجة اضطرابات متزايدة أدت فى النهاية إلى صعود الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة لامست حاجز 100 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، قبل أن تتدخل المفوضية الأوروبية وتفعل سقفًا سعريًا لحماية الأسواق من الانهيار والاقتصاد من التضخم. هذا التطور غير المسبوق لم يكن يعكس «سعر السلعة» فحسب -وهى أقل من ذلك بكثير بالطبع- وإنما كان يعكس «قيمة الحصول عليها»، والتى ارتفعت نتيجة توقف تدفقات الغاز الروسى إلى أوروبا. إن الأزمة التى شهدتها أسواق الغاز، وتحديدًا فى أوروبا، نتجت بالأساس من المكانة التى كانت تحتلها روسيا فى سوق الغاز الأوروبى، حيث كانت تمد القارة بنسبة تتراوح بين 40-45 % من احتياجاتها قبل أزمتها مع أوكرانيا. المكانة الإيرانية: احتياطيات ضخمة وقدرة تصديرية محدودة وبالعودة إلى منطقة الخليج العربى، يبرز سؤال مهم: هل تحتل إيران مكانة مماثلة لروسيا فى سوق الغاز، وهل ستؤدى الاضطرابات المتزايدة إلى اشتعال أزمة فى سوق الغاز وعودته إلى مستويات سعرية قياسية تاريخية مجددًا؟ الإجابة تتضح من المؤشرات التى تحدد مكانة إيران فى سوق الغاز العالمى. فمن جانب الاحتياطيات، تعد إيران دولة غنية بالغاز ولديها احتياطيات تقدر بنحو 1,134 تريليون قدم مكعب وفق تقديرات معهد الطاقة البريطانى، وهو الأمر الذى يضع إيران فى المرتبة الثانية عالميًا خلف روسيا من حيث الاحتياطيات، بنسبة 17.1 % من إجمالى الاحتياطى العالمى. أما من جانب الإنتاج، فهى أيضًا من كبار منتجى ومستهلكى الغاز عالميًا، حيث يقدر إنتاجها بنحو 25.4 مليار قدم مكعب/اليوم، وهو ما يعادل نحو 6.4 % من الإنتاج العالمى. بينما يستهلك منه محليًا نحو 23.8 مليار قدم مكعب يوميًا. ولذلك فإن الاستهلاك المرتفع من الغاز المنتج محليًا يتيح فائضًا ضئيلًا يمكن تصديره. ومن ثم فإن مساهمة إيران فى تجارة الغاز العالمية تعد محدودة، بحصة سوقية متواضعة، خاصة بعد الأخذ فى الاعتبار أمرين: أولًا: لا تمتلك إيران أى منشآت لإسالة الغاز الطبيعى، وبالتالى لا تصدر الغاز الطبيعى المسال للسوق العالمية. ثانيًا: الفائض المحلى المتاح للتسويق خارجيًا يتم تصديره عبر خطوط الأنابيب إلى تركيا والعراق، وكمية ضئيلة لا تُذكر إلى أذربيجان. إذن، التأثير الفعلى لإيران محدود فى التجارة الدولية. وفى حال حدوث اضطرابات فى تدفقات الغاز المحلية، فستتأثر تركيا والعراق وأذربيجان، لكنها تملك هذه الدول حلولًا وبدائل تسمح لها بتعويض الغاز الإيرانى حال توقفه. مضيق هرمز: الشريان الحيوى لسوق الغاز الطبيعى المسال العالمى بالرغم من التأثير المباشر المحدود لإيران، إلا أنها تمتلك أهمية استراتيجية من بُعدٍ آخر، وهى أهمية مضيق هرمز، الذى طالما سُلِّطت الأضواء عليه عند الحديث عن النفط، بينما لا يحظى بذات الاهتمام فى قطاع الغاز. فما يزيد على 19 % من إمدادات الغاز الطبيعى المسال العالمية تمر عبر المضيق، وهى الإمدادات القادمة من دولتى قطروالإمارات. حيث تعد دولة قطر ثانى أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعى المسال عالميًا بعد الولاياتالمتحدة، بصادرات بلغت 81.3 مليون طن حسب تقديرات منظمة أوابك لعام 2025. بينما بلغت صادرات دولة الإمارات فى نفس العام قرابة 5 مليون طن، أى أن الصادرات الإجمالية من كلا البلدين بلغت 86.3 مليون طن. صحيح أن جزءًا من الصادرات القطرية يذهب إلى ميناء الزور فى دولة الكويت بموجب الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، وبضع شحنات فورية من وقت لآخر إلى البحرين ودبى، إلا أن القسم الأكبر من الصادرات (نحو 82 %) ومعها الصادرات من الإمارات تمر عبر المضيق بإجمالى تقدره منظمة أوابك بنحو 81 مليون طن، بما يعادل نحو 18.9 % من إجمالى التجارة العالمية. لذلك، فإن أى اضطرابات فى حركة ناقلات الغاز الطبيعى المسال عبر مضيق هرمز ستؤثر على استقرار السوق العالمية بأكمله. وبالنظر إلى الوجهات النهائية، فتعد آسيا الوجهة الرئيسية بحصة تناهز ال 83% من إجمالى الصادرات، بينما تستحوذ أوروبا على 11 %، والنسبة المتبقية من نصيب أسواق المنطقة المستوردة للغاز الطبيعى المسال (دبى والبحرينوالكويت)، والتى تصل امدادات الغاز الطبيعى المسال دون الحاجة بطبيعة الحال للمرور عبر المضيق..