مع تصاعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وما تبعها من هجمات صاروخية انتقامية عبر الخليج، تحوّل ممر مائي ضيق - مضيق هرمز - لا يتجاوز عرضه 33 كيلومترًا إلى أخطر بؤرة توتر اقتصادي في العالم. إن مضيق هرمز، بوصفه المنفذ البحري الوحيد الذي يربط منتجي النفط في الخليج الفارسي بالأسواق العالمية، أصبح اليوم يمسك بخناق الاقتصاد الدولي. يقع مضيق هرمز بين الخليج العربي وخليج عمان، ويمتد بعد ذلك إلى بحر العرب والمحيط الهندي، ويشكّل ممرًا بحريًا حيويًا يفصل بين إيران شمالًا، وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة جنوبًا. أما ممر الملاحة ذاته فيتكوّن من مسارين بعرض ميلين بحريين لكل اتجاه، يفصل بينهما نطاق أمني بعرض ميلين، فيما يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا فقط، ما يضع السفن العابرة ضمن مدى النفوذ العسكري الإيراني على الساحل المقابل. تكمن أهمية المضيق في أنه الطريق الإجباري لصادرات جميع الدول الرئيسية المنتجة للنفط في الخليج، إذ لا يوجد بديل بري فعّال أو قناة التفافية أو شبكة أنابيب قادرة على تعويضه بالكامل. صحيح أن خط أنابيب شرق–غرب السعودي، الممتد لمسافة 1200 كيلومتر، ينقل ما بين 5 و7 ملايين برميل يوميًا إلى البحر الأحمر لتجاوز المضيق، كما يضيف خط أنابيب أبوظبي نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، إلا أن طاقتهما الإجمالية لا تمثل نصف الكميات التي تعبر مضيق هرمز في يوم عادي، وفق تقرير نشره موقع "ذا صن داي جارديان". ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر المضيق يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي اليومي. ولا يقتصر الأمر على النفط الخام، إذ يمر عبره أيضًا نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، خاصة من قطر، أكبر مصدر للغاز المسال في العالم، إضافة إلى المنتجات البترولية المكررة والوقود، فيما تعبر عشرات ناقلات النفط العملاقة هذا الممر الضيق في كل ساعة. العامل الإيراني يظل حاضرًا بقوة في معادلة المضيق، فالساحل الشمالي بالكامل يخضع لإيران، ما يمنح طهران أوراق ضغط عسكرية مهمة، تشمل وجودًا بحريًا نشطًا، وصواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة، وألغامًا بحرية منتشرة على طول الساحل. ولوّحت طهران مرارًا بإغلاق المضيق خلال أزمات سابقة، لا سيما على خلفية العقوبات الأمريكية المرتبطة بملفها النووي، لكنها لم تقدم حتى الآن على تنفيذ هذا التهديد. ويُذكر أن حرب الثمانينيات بين إيرانوالعراق عُرفت ب«حرب الناقلات» بعد استهداف سفن النفط في المنطقة، فيما يُعد التصعيد الحالي الأخطر منذ حرب الخليج عام 1991. تاريخيًا، أي تهديد جدي بإغلاق المضيق يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد، مع توقعات بقفزات تتراوح بين 20 و40% على المدى القصير، فضلًا عن اندفاع الدول ذات الاحتياطيات المحدودة إلى الشراء بدافع الذعر، وارتفاع أقساط التأمين على السفن المتجهة إلى الخليج بشكل كبير. بالنسبة للهند، يمثل مضيق هرمز نقطة ضعف حادة لا تشترك فيها سوى قلة من الاقتصادات الكبرى، فبعكس أوروبا أو حتى الصين، التي تمتلك شبكات أنابيب متنوعة، تعتمد الهند بشكل شبه كامل على النفط المنقول بحرًا. ويأتي العراق والسعودية والإمارات في صدارة مورديها، إذ يصل إلى الهند أكثر من مليون برميل يوميًا عبر المضيق، فيما صُممت مصافيها، ومن بينها أكبر مصفاة في العالم التي تديرها شركة ريلاينس إندستريز في جامناغار بولاية جوجارات، لمعالجة درجات النفط الخليجي. تشكل واردات النفط الخام نحو 85% من إجمالي واردات الهند، وهي ثالث أكبر مستهلك للنفط عالميًا، ما يجعل أي اضطراب في هرمز ينعكس مباشرة على أسعار الوقود ومعدلات التضخم داخل البلاد. أما على صعيد الاستعداد، فتبدو احتياطيات الهند أقل من المعايير الدولية، فهي تمتلك احتياطيات استراتيجية تكفي ما بين 9 و10 أيام فقط، واحتياطيات تجارية تغطي نحو 74 إلى 75 يومًا، بإجمالي يتراوح بين 83 و85 يومًا، أي أقل من توصية وكالة الطاقة الدولية بامتلاك مخزون يغطي 90 يومًا على الأقل. وتبلغ احتياطياتها الاستراتيجية نحو 9.5 مليون برميل، وهو ما يكفي لأكثر من أسبوع بقليل من الاستهلاك المعتاد. ولا يقتصر التهديد على مضيق هرمز وحده، إذ تواجه الهند خطرًا مزدوجًا يتمثل في مضيق هرمز من جهة، والبحر الأحمر وقناة السويس من جهة أخرى. فشحنات النفط القادمة من خارج الخليج، بما في ذلك الولاياتالمتحدة وفنزويلا، تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، في وقت هدّد فيه الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن بعرقلة الملاحة هناك، وفي حال إغلاق هذين الممرين معًا، قد تتوقف واردات الهند النفطية خلال أسابيع قليلة. إلى جانب النفط، تطال الأزمة نحو 9 ملايين هندي يعيشون ويعملون في دول الخليج، ومع توسع نطاق الرد الإيراني ليشمل دبيوأبوظبي والبحرين، تتعرض تحويلات العاملين الهنود، التي تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، لخطر جسيم، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بسلامة الجاليات وإمكانية اللجوء إلى عمليات إجلاء واسعة إذا طال أمد الصراع. وتبقى الأسئلة مفتوحة: هل تستطيع إيران فعليًا إغلاق المضيق؟ من الناحية العسكرية، تملك طهران القدرة على عرقلة الملاحة عبر الصواريخ والألغام والعمليات البحرية، لكن خطوة كهذه ستُعد عملًا حربيًا صريحًا قد يستدعي ردًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا. أما البدائل، فتظل محدودة بطاقات خطوط الأنابيب الإماراتية والسعودية التي لا تعوض سوى أقل من نصف الحركة المعتادة عبر هرمز. وفي حال الإغلاق، من المرجح أن ترتفع أسعار النفط عالميًا بنسبة تتراوح بين 20 و40% خلال أيام، ما سينعكس فورًا على أسعار البنزين والسولار ووقود الطائرات حول العالم. وبالنسبة للهند، فإن احتياطياتها الحالية قد تمنحها هامش صمود يصل إلى نحو 83 أو 85 يومًا، قبل أن تواجه نقصًا حادًا في الإمدادات إذا طال أمد الأزمة.