الإبهار.. فن تتقنه «الصين» فى كل عام، سواء فى الألعاب الأولمبية، أو فى معارضها الدولية، أو حتى فى استعراضاتها العسكرية. لكن، هذه المرة، اختارت «بكين» مسرحًا مختلفًا، وهو شاشة التليفزيون. ففى ليلة رأس السنة القمرية، وخلال الحفل السنوى المعروف ب(حفل عيد الربيع)، تحول البرنامج الأكثر مشاهدة فى العالم إلى منصة استعراض تكنولوجى غير مسبوق.. مئات الملايين من المشاهدين وجدوا أنفسهم أمام مشهد أقرب إلى أفلام الخيال العلمى، عبر رؤيتهم لروبوتات بشرية الشكل تؤدى حركات قتالية معقدة، تقفز، تدور، تسقط، ثم تنهض بثبات، تمسك بالسيوف والرماح، وتتفاعل بانسجام تام مع أطفال حقيقيين. لم يكن العرض مجرد رقصة متقنة للروبوتات، أو حركات (كونج فو) تحت أضواء براقة، بل بدا كأنه رسالة مشفرة، صيغت بعناية لتصل إلى الداخل والخارج معًا، مفادها أن «الصين» لا تكتفى بعرض قدرتها على الابتكار، بل تحرص على عرضه فى لحظة رمزية أمام ملايين المشاهدين، كأنها تقول ببساطة إنها تتقدم بسرعة. ولم يظل هذا المشهد حبيس الشاشات الصغيرة طويلًا، إذ سرعان ما انعكس صداه فى دوائر القرار الدولية.. فخلال زيارته إلى مدينة «هانجتشو» الصينية منذ أيام قليلة، حرص المستشار الألمانى «فريدريش ميرتس» على زيارة شركة (Unitree Robotics)، إحدى أبرز الشركات الصينية المتخصصة فى تطوير الروبوتات البشرية، والتى ابتكرت الروبوتات الراقصة فى عام 2025؛ فضلًا عن مشاركتها فى عرض (الكونج فو) المبهر فى حفل الربيع. وخلال الزيارة، شاهد «ميرتس» عروضًا حية لروبوتات تؤدى حركات راقصة وقتالية، شملت الملاكمة والفنون القتالية، فى استعراض يعكس مستوى متقدمًا من التحكم الحركى والتوازن الديناميكى. وأبدى المستشار الألمانى اهتمامًا واضحًا بالتطبيقات العملية لهذه التقنيات، لا سيما فى مجالات التصنيع الذكى والقيادة الذاتية. وبدا المستشار الألمانى فى المقاطع التى انتشرت له عبر مواقع التواصل الاجتماعى منبهرًا وسعيدًا بالعرض الراقص الذى قدمته الروبوتات الصينية التى قدمت أداءً حركيًا يعكس تقدمًا ملحوظًا فى تقنيات التصنيع والتحكم. من جانبها، أكدت شركة (Unitree) أن اللقاء يعكس اهتمامًا دوليًا متزايدًا بصناعة الروبوتات الصينية، فيما أشار مسؤولون تنفيذيون إلى تطلعهم لتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين. بشكل عام.. أثبتت «الصين» مرة أخرى أنها تجمع بين الابتكار التكنولوجى والفن البصرى بشكل مبهر، مؤكدة قدرتها على تحويل الروبوتات من مجرد آلات إلى عروض حية تخاطب العالم، ما يعكس سرعة نموها فى مجال الذكاء الاصطناعى، ويجعلها لاعبًا مؤثرًا فى المستقبل التقنى العالمى. استعراض أم تقدم صناعى؟ رأى «كايل تشان»، الباحث فى معهد (بروكينجز)، أن «بكين» تستخدم هذه العروض لإبهار الجماهير المحلية والدولية ببراعتها التكنولوجية.. فبينما قد يصعب على الجمهور العادى فهم نماذج الذكاء الاصطناعى أو معدات المصانع، فإن الروبوت البشرى الراقص يقدم صورة مباشرة ومرئية للريادة التكنولوجية. فى المقابل، اعتبر «جورج شتيلر» رئيس قسم الروبوتات بشركة استشارات تكنولوجية، أن العرض لا يعكس متانة صناعية كاملة؛ موضحًا أن الروبوتات تدربت على روتين محدد مئات أو آلاف المرات، وأن حركات الرقص و(الكونج فو) لا تتطلب إدراكًا بيئيًا معقدًا كالذى تحتاجه المصانع أو البيئات غير المنظمة. كما رأى المحللون أن الحفل يهدف لإرسال رسائل متعددة الطبقات: تبدأ من الرسالة إلى الداخل، وهى: (التكنولوجيا الوطنية قادرة على سد الفراغات فى المصانع ورعاية المسنين)؛ مرورًا بالرسالة إلى المستثمرين، وهى: (هذا قطاع مدعوم سياسيًا، ويستحق التمويل)؛ وصولًا إلى الرسالة للمنافسين، وهى: («الصين» لا تلاحق فقط.. بل قد تتقدم فى بعض المجالات، ولا سيما تلك التى تجمع بين الذكاء الاصطناعى، الصناعة المتقدمة، والتطبيق العملى). أى تسعى «بكين»- من خلال هذا العرض- إلى تأكيد قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتى فى التقنيات المتقدمة؛ فى وقت أرادت فيه أن تُجسد استراتيجيتها فى مشهد واحد يجمع بين ثقافة تقليدية (الكونج فو)، والذكاء الاصطناعى المتقدم. وبالفعل، نجحت «الصين» فى ابهار العالم، إذ كشفت الأرقام الرسمية عن مشاهدة أكثر من 677 مليون شخص عرض (عيد الربيع) مباشرةً، مع أكثر من 13 مليار تفاعل فردى على مواقع التواصل الاجتماعى. كما أفاد موقع التسوق الإلكترونى (JD) أن عمليات البحث عن الروبوتات على الإنترنت ارتفعت بنسبة 300 % خلال الساعتين التاليتين للعرض. أرقام تعكس الطموح إن التطور التكنولوجى الذى وصلت له «الصين» ليس وليد ليلة وضحاها، بل هى عقود من الابتكار، يمكن فهمها من خلال أحدث الأرقام المسجلة فى هذا المجال.. فبحلول نهاية 2024، سجلت «الصين» أكثر من 451 ألف شركة روبوتات ذكية، برأسمال إجمالى يتجاوز 6.4 تريليون يوان. كما أشارت بيانات شركة (Omdia) إلى أن «بكين» استحوذت على نحو 90 % من إجمالى الروبوتات البشرية المباعة عالميًا العام الماضى، من أصل 13 ألف وحدة تقريبًا؛ فيما تتوقع «مورجان ستانلى» أن تتضاعف المبيعات لتصل إلى 28 ألف وحدة خلال العام الجارى. بدوره، أقر رجل الأعمال الأمريكى «إيلون ماسك» بأن أكبر منافسيه سيكونون الشركات الصينية، قائلًا إن العالم يستخف بالصين. الصين تؤكد: الرسالة سلمية قال «نادر رونج هوان» الكاتب والباحث السياسى الصينى من «بكين»- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن الرسالة التى سعت «الصين» لإرسالها للعالم من خلال هذا العرض، هى أنها أصبحت متقدمة فى صناعة الروبوتات. وأضاف أن الشركة التى أنتجت هذه الروبوتات أنتجت أكبر كمية فى العالم خلال 2025؛ معتبرًا أنها رسالة للمستهلكين العالميين بأن «بكين» ستكون متفوقة فى هذا المجال فى عام 2026. كما أوضح أن المشهد يشير إلى تقدم ملحوظ فى البنية الصناعية فى «الصين»، وهو ما برز خلال العروض والمهارات التى تم كشفها لأول مرة خلال الحفل؛ مؤكدًا أن هذا ليس عرضًا رمزيًا، بل هو تقدم فعلى فى الصناعة الصينية. ثم قال إن «الصين» تنظر لسباق التطور التكنولوجى مع القوى العالمية الأخرى من منظور سلمى إيجابى لتعزيز التعاون، ودون فرض العقوبات على الفرد الآخر؛ مضيفًا أن استخدام الروبوتات فى مختلف المجالات يشكل القوة الإنتاجية الجديدة لدفع طاقة إيجابية للصناعات الصينية. وفى هذا السياق، أكد أنه لا يمكن القول إن «الصين» متقدمة فعليًا- على «الولاياتالمتحدة» فى هذا المجال ككل، بل فى بعض القطاعات والتقنيات فحسب؛ مشيرًا إلى أن «الصين» لديها أكبر ميادين لاستخدام هذه التقنيات المتقدمة والروبوتات. من جانبها، اتفقت «سعاد ياى شين هوا» الكاتبة الصحفية والمحللة الصينية من «بكين»- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- مع «هوان»، إذ ترى أن الروبوتات البشرية مسارًا محوريًا للجيل الجديد من قوى الإنتاج، ويعكس تقدمًا فى الذكاء المتجسد، وخوارزميات الحركة، والتحكم الجماعى، ويُعد ثمرة قوى الإنتاج الحديثة النوعية؛ موضحة أنه يعزز الثقة بالصناعة والابتكار داخليًا، بينما يقدم خارجيًا صورة واقعية عن تطور «الصين» فى قطاعات المستقبل. وفى هذا الصدد، أوضحت أن الرسائل الصينية الواضحة للعالم هى: تحقيق قفزة من التنفيذ الميكانيكى إلى القرار الفورى والتوازن الديناميكى فى الروبوتات البشرية، مع قدرة متكاملة من البحث إلى الدمج الصناعي؛ والتمسك بالانفتاح والتعاون، ورفض منطق (الجزر التكنولوجية)؛ إلى جانب التأكيد على امتلاك بنية صناعية متكاملة، وقدرة توسع إنتاجى تفتح آفاقًا واسعة للتعاون مع الشركات العالمية. وأكدت أنها فى عالم تتداخل فيه المنافسة بالتعاون، تبقى الرسالة الصينية واضحة، وهى: القدرة أساسًا، والانفتاح جسرًا، نحو مستقبل تتقاسم فيه الدول ثمار التقدم التكنولوجى. كما أشارت «هوا» إلى عدم إعلان «الصين» رسميًا تفوقًا شاملًا على «أمريكا»، بل تقر بوجود نقاط قوة مختلفة؛ موضحة أن «الصين» تتفوق فى القدرة الهندسية، الإنتاج الواسع، تكامل الإمداد، وضبط التكاليف؛ بينما تتمتع «أمريكا» بتفوق فى نماذج الذكاء الأساسية واسعة النطاق والخوارزميات المتقدمة. وفى هذا السياق أكدت أن الموقف الصينى واقعى ومتوازن، يدرك الفجوات فى البحث الأساسى، ويرى المنافسة فرصة تنمية عبر الابتكار الذاتى والتعاون المتبادل. كما أكدت أن «بكين» لا تستخدم العروض الفنية العلنية لنقل رسائل عسكرية؛ معتبرة أن إقحام سياق عسكرى فى عرض سلمى يعمق سوء الفهم فقط؛ مؤكدة أن توجه «الصين» يقوم على الاستخدام السلمى، خدمة التنمية، وتحسين معيشة الناس. فى النهاية، لم يكن عرض الروبوتات مجرد فقرة احتفالية فى ليلة رأس السنة الصينية، بل مشهدًا مكثفًا لاختبار موقع «الصين» فى سباق التكنولوجيا العالمى. فبين من يراه استعراض قوة رمزيًا، ومن يعتبره خطوة صناعية فعلية، تبقى الحقيقة أن «بكين» تسعى لترجمة طموحاتها التقنية إلى حضور ملموس أمام العالم. ومع احتدام المنافسة الدولية، يبدو أن الرسالة الأهم ليست فى الرقص ذاته، بل فى ما يعكسه من ثقة متزايدة بقدرة «الصين» على تحويل الابتكار إلى قوة إنتاج وتأثير. 2