يهتم المسلمون بتلاوة وختم القرآن الكريم فى شهر رمضان، وقد لا يهتم البعض بتدبر القرآن وفهمه، مع تلاوتهم لقوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24]. فقد تم فهم التلاوة على أنها تعنى القراءة فقط، وليس بمعنى التوالى والتتابع فى ربط الآيات ببعضها، وتم فهم الترتيل على أنه يعنى أداء صوتيًا منغمًا لقراءة القرآن، وليس بمعنى وضع الآيات فى أرتال أو صفوف كالمصفوفات، فالتلاوة والترتيل هدفهما الربط الموضوعى للآيات من أجل فهم متكامل. كما تغلب مفهوم التفسير على مفهوم التدبر، بحيث يتم فهم الآيات من خلال كتب التفاسير والمعاجم وأبيات الشعر، والنتيجة أن المسلمين هجروا الصلة الحقيقية بالقرآن وهى التدبر. وفهم آيات القرآن له ضوابط منهجية منها فهم السياق، وربط الحدث بأجزائه التى تحدّث عنها القرآن فى نفس السورة أو فى سور أخرى، وتحديد موضوع الآيات التى تتم قراءتها، ومعرفة أنواع الخطاب والذى يأتى حسب المخاطب، والهدف من الخطاب مثل الخطاب الدعوىّ، والخطاب التشريعىّ، والخطاب التوجيهىّ، وأيضًا معرفة المخاطب الذى تخاطبه الآيات، ومعرفة من تتحدث عنه. مثلاً فى قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ) [البقرة: 190]، سياق الموضوع عن القتال، والخطاب تشريع ملزم فى كل زمان ومكان، والمخاطب هم المسلمون، والحديث عن كفار قريش الذين اضطهدوا المسلمين فى مكة، ولما هاجروا للمدينة لاحقوهم ليقاتلوهم، وسورة البقرة نزلت قبل معركة بدر ووضعت ضوابط للقتال لكى يلتزم بها المسلمون. وفهم القرآن يكون بتدبره من خلال سياق الآيات وتبعًا لأصل جذور الكلمات، فالقرآن هو الكتاب المبين بذاته: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ) [الحجر: 1]، وتم وصف آياته بالبينات التى تحتاج فى تبيينها للقراءة والتلاوة والتفكر والتدبر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر: 22]. وكلمة «ادكر» تعنى استدعاء المعلومة بعد غيابها عن الذهن لفترة من الزمن: (وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) [يوسف: 45]، أما التذكر فهو تفعيل للمعلومة: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلا تَكْفُرُونِ) [البقرة: 152]، تفعيل ذكر الله بالطاعة والشكر ليقابله الله بتفعيل ذكره لعباده بالرحمة والمغفرة. وجاءت الآيات تتحدث عن بيان القرآن ووصفه بالكتاب المبين، ومع ذلك يعتقد البعض أن القرآن يصعب فهمه ويحتاج إلى تفسير، مع أنه تعالى يقول عن القرآن: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان: 33]، فأحسن تفسير للقرآن منه تعالى وفى داخل القرآن. قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: 89]، والتبيان هو التوضيح، والله تعالى أنزل كتابه محكمًا ولذلك فكل شىء يحتاج للبيان والتوضيح جاء فى القرآن بيانه وتوضيحه. وفى قوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 52]، فالتفصيلات القرآنية التى يحتاجها المؤمنون جاءت هدًى ورحمة لهم، ولذلك فالأمور المعروفة لا تحتاج إلى تفصيل، ومن العبث توضيح ما هو واضح. والبشر قد تتحول التفصيلات فى كلامهم إلى لغو وثرثرة، وهذا ما تنزهت عنه تفصيلات الكتاب التى جاءت فيما يحتاج إلى تفصيل، لذلك ارتبطت تفصيلات القرآن الكريم بالإحكام، قال تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1]. ولذلك أكد تعالى على العلم الإلهى الذى يحكم التفصيلات القرآنية: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، والمؤمنون بتمام القرآن هم الذين يسعون للعلم بتفصيلات القرآن: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 32]، وهم الذين يتفكرون فى آيات القرآن: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: 24]. إن الله تعالى لم ينزل القرآن لنتسابق على قراءته وختمه ولكن لنتدبره ونفهمه ونعمل به، ووجهنا تعالى لتدبر القرآن: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص: 29]، ومع ذلك يتركز اهتمام البعض بالقرآن على قراءته وختمه فقط. وبعد قراءة وختم القرآن فى شهر رمضان، علينا أن نسأل أنفسنا عن تأثير قراءة القرآن فى حياتنا، وعن الآيات التى تدبرناها، وعن الآيات التى غيّرت فكرنا من السلبية إلى الإيجابية وبدلت سلوكنا وأخلاقنا إلى الأرقى، أسئلة لا يهتم الكثيرون بها ولا بالإجابة عنها، ولذلك لن نهتم بتدبر القرآن وفهمه إلا إذا أردنا أن نتغير للأحسن وأن يتغير حالنا للأفضل.