«معركة إنقاذ الكوكب تسير فى الاتجاه الخاطئ».. بهذه العبارة المباشرة وضع ملك المملكة المتحدة «تشارلز الثالث» خلاصة أفكاره فى فيلمه الوثائقى (Finding Harmony: A King's Vision)، الذى بدأ عرضه عالميًا عبر منصة «Prime Video» فى 6 فبراير الجارى. الفيلم، الذى عُرض داخل قلعة «وندسور» -فى سابقة تاريخية- جاء باعتباره شهادة شخصية لملك أراد أن يقول إنه اختار طريقه منذ عقود، ولم يكن مستعدًا للتراجع عنه، رغم السخرية والانتقادات. ويعد الفيلم الوثائقى أول تعاون لملك مع منصة بث رقمية، وأول مرة يُعرض فيها فيلم عالمى داخل مقر ملكى لا يزال مستخدمًا، وهو ما يمنحه ثقلًا رمزيًا يتجاوز كونه عملًا سينمائيًا تقليديًا. كما يعتبر الفيلم أول مشروع سينمائى لملك بريطانى أثناء وجوده على العرش. عرض عالمى أول داخل قصر ملكى أفاد الموقع الرسمى للعائلة المالكة البريطانية، بأن قلعة «وندسور» استضافت العرض العالمى الأول للفيلم، بحضور الملك «تشارلز الثالث»، والملكة «كاميلا»، يرافقهما دوقة «إدنبرة»، ودوق ودوقة «جلوستر».. حيث أقيم العرض داخل قاعة «واترلو»، التى تحولت –خصيصًا- إلى قاعة سينما مؤقتة. وافتتحت تلك الأمسية الممثلة الحاصلة على جائزة (أوسكار) «كيت وينسلت»، التى تعد راوية الفيلم، وسفيرة مؤسسة الملك «The King's Foundation»، وهى المؤسسة البيئية والخيرية، التى أسسها «تشارلز» عام 1990 عندما كان أميرًا ل«ويلز»، وتتخذ من «دومفريز هاوس» فى مقاطعة «آيرشير» الاسكتلندية مقرًا رئيسيًا لها.. وشددت «وينسلت» -فى كلمتها الافتتاحية- على أن هذه هى المرة الأولى التى يُقام فيها عرض سينمائى داخل مقر ملكى. كما شهد العرض العالمى الأول للفيلم حضور مئات الضيوف والفنانين، من بينهم: «بنديكت كامبرباتش، كينيث براناه، جودى دينش، ستانلى توتشى، رود ستيوارت، وجولز هولاند»، وغيرهم. من جانبها، وصفت مجلة «Variety» الحدث بأنه عرض لا يشبه أى عرض آخر، معتبرة أن الأجواء غير التقليدية، والبروتوكول الصارم، وغياب أى مظاهر دعائية، تؤكد أن هذا العرض لم يكن حدثًا سينمائيًا عاديًا؛ بينما علقت صحيفة « The Guardian» على الحدث بأنه لأول مرة يُعرض فيها فيلم عالمى داخل مقر ملكى، معتبرة الفيلم مشروعًا غير مسبوق لملك بريطانى، حتى وإن لم يكن غريبًا على «تشارلز» حين كان أميرًا ل«ويلز». فيلم خارج القالب الملكى المعتاد إن فيلم (Finding Harmony: A King's Vision) ليس وثائقيًا ملكيًا تقليديًا، ولا يتضمن مظاهر فخمة، أو عربات ذهبية، أو تيجان متلألئة، وفقا لما صرح به متحدث باسم الملك لصحيفة (The Guardian). فقال المتحدث باسم الملك، إن: «الفيلم يعد استكشافًا شخصيًا عميقًا للأفكار التى شكلت حياة الملك وعمله، وعلى رأسها ترابط كل الأشياء، وحكمة المعارف التقليدية، والإيمان بإمكانية بناء مستقبل يعمل بالشراكة مع الطبيعة لا ضدها»؛ مضيفًا أن الفيلم -الذى تبلغ مدته 90 دقيقة- يرصد المراحل المختلفة من حياة الملك كمبشر بيئى، ويتعمق فى شغفه بالعالم الطبيعى وحمايته، والذى بدأ قبل وقت طويل من أن يصبح هذا الأمر مصدر قلق رئيسى. ويتمحور الفيلم الوثائقى حول مفهوم «الانسجام»، وهو المصطلح الذى يستخدمه الملك «تشارلز» لوصف رؤيته للعلاقة بين الإنسان والطبيعة.. حيث قال «تشارلز» فى الفيلم، إن: «جوهر هذه الفلسفة بسيط، لكنه أُسيء فهمه طويلًا.. الإنسان ليس كائنًا منفصلًا عن الطبيعة، بل جزء منها»؛ مضيفًا أن: «كل ما نعيشه اليوم من أزمات بيئية، هو نتيجة فقدان هذا الإدراك الأساسى، وأن إعادة التوازن تبدأ من الاعتراف بترابط كل أشكال الحياة». وفى هذا السياق، يعرض الفيلم «الانسجام» بوصفه رؤية شاملة تجمع بين البيئة، والدين، والعمارة، والفن، والتصميم، لا كحملة بيئية عابرة، أو موقف سياسى. وبحسب الموقع الرسمى للعائلة المالكة البريطانية، فإن الفيلم الذى بدأ تصويره فى أوائل عام 2025 داخل «دومفريز هاوس»، واستمر على مدار 7 أشهر، تنقل خلالها فريق العمل عبر 4 قارات، يوثق مشروعات متعددة مستوحاة من فلسفة «الانسجام»، تشمل مواضيع: (الزراعة المستدامة، إنتاج الغذاء، المنسوجات، التخطيط العمرانى، تجديد المجتمعات المحلية، والحفاظ على الحِرف التقليدية). كما يعرض الفيلم كيف تحول نموذج «دومفريز هاوس»، المشروع الرائد لمؤسسة «The King's Foundation»، إلى مصدر إلهام لمبادرات مماثلة حول العالم، تسعى إلى إعادة التفكير فى التنمية من منظور يوازن بين الإنسان والبيئة. «دومفريز هاوس».. التطبيق العملى للفكرة يحتل «دومفريز هاوس» مكانة مركزية فى الفيلم، باعتباره التجسيد العملى الأوضح لفلسفة «الانسجام»، التى يؤمن بها «تشارلز»، من خلال تسليط الفيلم الضوء على إنشاء هذا المشروع المتكامل للتجديد المجتمعى فى منطقة تأثرت بشدة بإغلاق مناجم الفحم. بصورة أوضح، لا يركز الفيلم على «دومفريز هاوس» كمعلم معمارى فقط، بل كأداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث أصبح مركزًا للتدريب وتطوير المهارات، ومحركًا محليًا لتوفير فرص العمل، إذ يوضح الفيلم أن المشروع يدرب نحو 10 آلاف شخص سنويًا فى مجالات متعددة. ولكن –فى الوقت ذاته- لا يقدم الفيلم تحويل فلسفة «الانسجام» باعتبارها تجربة بريطانية محلية فحسب، بل كرؤية قابلة للتطبيق فى سياقات ثقافية وبيئية شديدة التنوع. وظهر ذلك فى تنقل الفيلم بين مشروعات مستوحاة من هذه الفلسفة فى غابات «جيانا» المطيرة، وصحارى «راجستان» فى «الهند»، و»كابول» فى «أفغانستان»؛ موضحًا كيف يمكن لفكرة العيش فى توازن مع الطبيعة أن تتكيف مع بيئات مختلفة، بداية من الغابات الاستوائية إلى المناطق الصحراوية ومناطق النزاع. ثم ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى «هايجروف» -مقر إقامة الملك فى مقاطعة «جلوسترشير»- والذى حوله إلى مختبر حى لأفكاره حول الزراعة العضوية.. فتظهر المشاهد الملك وهو يطعم الدجاج، ويجمع البيض من حظيرة أطلق عليها اسم «كلوكينجهام بالاس». وفى هذا الصدد، قال «تشارلز»، إن: «إعلانه عن خططه للزراعة العضوية قوبل فى بدايته باعتباره جنونيًا تمامًا»؛ متذكرًا التغير البيئى فى المكان، والتى تجلت فى اختفاء أصوات طيور الوقواق والجنادب، التى كانت تملأ المنطقة قبل عقود، رغم محاولاته المستمرة للحفاظ على التوازن الطبيعى. انتقادات واقعية ومن أجل إضفاء مزيد من الواقعية، لم يتضمن الفيلم لقطات أرشيفية لتشارلز خلال طفولته، بالإضافة إلى لقطات للأميرين الشابين «ويليام، وهاري» فحسب، بل شمل –أيضًا- تصريحات مباشرة للملك «تشارلز» حول الانتقادات التى واجهها بسبب نشاطه البيئى. فأكد «تشارلز» أنه تعرض لهجوم واسع بسبب صراحته؛ مضيفًا –فى الوقت ذاته- أنه كان واضحًا مع نفسه منذ البداية، إذ شعر أن هذا هو المسار الذى اختاره، ولم يكن مستعدًا للتراجع عنه. من جانبه، قال «إيان سكيلي»، الشريك فى تأليف كتاب (Harmony) الصادر عام 2010، إن الانتقادات لازمت «تشارلز» لسنوات، وكان الملك منزعجًا بشدة من الطريقة التى استُخدمت بها لتهميش آرائه البيئية. باختصار.. يعرض جزء من الفيلم كيفية تحويل أفكار بيئية مبكرة إلى مادة للسخرية، قبل أن تصبح –لاحقًا- جزءًا من الخطاب السائد حول الاستدامة. أزمة تغير المناخ إن الغرض من هذا الفيلم، هو الإشارة إلى قضية العصر التى باتت تؤرق العالم، وهى التغير المناخى، وتداعياته المادية والبشرية الوخيمة. ففى حديثه عن أزمة المناخ، قال «تشارلز»، إن: «الوضع يسير فى الاتجاه الخاطئ بسرعة»؛ موضحًا أنه ظل يردد هذا التحذير على مدار الأربعين عامًا الماضية!! كما أكد أن الناس لا يفهمون أن المشكلة لا تقتصر على المناخ فقط، بل تشمل –أيضًا- فقدان التنوع البيولوجي؛ قائلًا: «نحن -فى الواقع- ندمر وسائل بقائنا باستمرار». وأضاف -بنبرة تجمع بين الواقعية والإحباط- أن كل ما يستطيع فعله هو ما بوسعه القيام به، حتى وإن بدا تأثيره محدودًا؛ قائلًا :إن «إعادة بناء ذلك أمر ممكن، ولكن كان ينبغى علينا القيام بذلك منذ زمن طويل. علينا أن نفعل ذلك بأسرع ما يمكن الآن». فى النهاية، يمكن القول إن فيلم (Finding Harmony: A King's Vision) لا يتحدث عن ملك، بقدر ما هو يبرز فكرة ظل صاحبها متمسكًا بها رغم السخرية والرفض.. فكرة تقول: إن الإنسان والطبيعة كيان واحد، وإن فقدان هذا الإدراك، هو أصل الأزمة البيئية المعاصرة. ومع ذلك، لم يخل هذا الواقع المرير من أمنيه بسيطة للملك «تشارلز»، والتى أعرب عنها بوضوح خلال الفيلم، حينما قال إنه: «ربما، بحلول الوقت الذى أغادر فيه هذه الحياة الفانية، سيكون هناك وعى أكبر بالحاجة إلى إعادة الأمور لنصابها مرة أخرى». 2 3 4