إذا حالفك الحظ وحضرت عرض (حفلة الكاتشب) بقاعة مسرح الغد؛ وكانت لديك توقعات منطقية عن مشاهدة مسرحية عادية؛ سرعان ما يفاجئك اللامنطق المحيط بكل شيء؛ عمل مسرحى غير منطقى فى شكله وأسلوب طرحه لقضية إنسانية كبرى؛ تحرر العمل من كل منطق يحكم الكتابة أو التقاليد الفنية المتعارف عليها فى تسلسل الدراما من بداية ووسط ونهاية؛ فهو عمل بلا نهاية؛ انفجرت الدراما وهدم بناؤها التقليدى على رؤوس أصنامها الأوائل.. ليقدم لنا المخرج «سمير العصفورى» وكتيبته عملاً مسرحيًا لا ينتصر للدراما وقضية البطولة بل هو عرض اللابطولة بامتياز.. البطل هنا غائب كما غاب «العصفورى» عن كتيبته.. المخرج المفكر والمدبر لهذه القضية المسرحية العبثية الشائكة.. أقام منذ عامين مدرسة للتدريب والتعليم كان نتاجها (حفلة الكاتشب) ،ومن المنتظر أن يعقد المسرح حفلاً لتكريم ناظرها بحضور وزير الثقافة «أحمد فؤاد هنو». المخرج «سمير العصفورى» قام هنا بتأليف نوتة موسيقية، فسرها مسرحيًا ولحنها ووزعها وركب الأشعار عليها المؤلف «محمد زناتى» وأخرجها «أحمد صبرى»؛ يبدأ العمل من نهايته؛ حيرة الكاتب وقلقه الذى بدأ وانتهى بهما العرض والذى يعلن فى نهايته أنه عمل بلا خاتمة؛ البطل «عصفورسكى» يحاول تأليف مسرحية عن واقعه المعاصر لكنه لم يجد المدخل أو اللغة المناسبة التى تمكنه من الكتابة والتعبير؛ يتشاور مع فرقته حتى يستقروا على استبدال البشر ب«عشش» الدجاج والديوك ،لكن يقع «الديك» فى ورطة ضرورة أن «يبيض» حتى يتمكن من التتويج وحكم «العشش» المجاورة والسيطرة عليهم جميعا؛ فى واقع رمزى افتراضى، ليطرح العرض كوميديا سوداء فى تحول كل ما هو بشرى إلى طبيعة حيوانية؛ فهم مجموعة من الحيوانات لا يشغلها سوى التكاثر بفعل التكرار المتسق مع طبيعتهم الحيوانية بلا عقل أو شعور. وعلى شريعة السيد «كوكو» تعزف سيمفونية (حفلة الكاتشب) أو إن شئنا الدقة أوبريت سفك الدماء الذى يغنى ويرقص أبطاله على جثث الدجاج المذبوج، حيث اتخذ المؤلف من مسرحية (المستقبل فى البيض) ل«يوجين يونسكو» أحد رواد مسرح العبث، إطارًا عامًا لرسم خطوط عريضة لسخريته الموجعة بتحويل هؤلاء البشر إلى مجموعة من الدجاج يحكمهم السيد «كوكو»، الذى تمت صناعته وتسمينه وتغذيته بالأفكار والمبالغة فى إيهامه بعظمته وعظمة ذريته وقوته المفرطة إلى أن أصبح طاغية تستخدمه قوى الشر لتحقيق مصالح عليا بتحريكه مثل عروسة ماريونت. ثم يموت «كوكو» على يد القوة التى صنعته وسمنته سعيًا لصناعة «كوكو» جديد؛ هكذا تتكرر الأحداث فى ديناميكية لا تنتهى على مر العصور أجيال تسلم أجيال نفس الأحداث ونفس الدأب على سفك الدماء بينما «كوكو» دائما ذريته متفرعة ومتكررة؛ بين فكرة «الكاتشب» فى لذة مصاحبته للطعام و»الدجاج» الذى «يبيض».. ومع الحرص على هذه الولادة المتكررة يسير العمل المسرحى بصورة إيقاعية متشظية؛ فى جماعات وتكتلات حركية متفرقة بين عشش الدجاج والسيد «كوكو» وأصحاب القوى العليا؛ والرجل الذى يجوب المسرح فى دخلات متقطعة ذهابًا وإيابًا باحثًا عن الحقيقة.. «الحقيقة فى الحقيبة»..! يستخدم العرض لغة حوارية «مدغدغة» فى عبارات متقطعة لاهثة بجانب لغة الكاتب الشعرية، ربما هو الشخص الوحيد الذى امتلك جملًا واضحة صادقة تخرج من صميم قلبه وإن شابها بعض المباشرة وتكرار معنى شعوره بالعجز وقلة الحيلة؛ بينما لغة الآخرين تشبه «دشيشة» الدجاج فى تنغيمها وسرعة ايقاعها اللاهث وعدم ترابط الجمل الحوارية فى وحدة واضحة؛ هذه «الدشيشة» صنعت لغة ايقاعية ساخرة ناقدة وناقمة على واقع مخزى؛ لا يمتلك فيه صاحب القلب والقلم القدرة على التعبير؛ «العصفورى» الساخر دائما البطل الحاضر الغائب؛ صاحب هذه السيمفونية البديعة الذى عزفها مع هؤلاء الأبطال وحلقت روحه بينهم فى الحالة العامة للعرض المسرحى؛ وكأنه مايسترو غير مرئى يقف خلف ستار موجها بعصاه الأوركسترا للنطق بهواجسه وأفكاره وكل ما يؤرقه عن واقع مرير. لم يغب البطل هنا بمعناه المادى فقط؛ بينما غاب أيضا بالمعنى الرمزى؛ لا يتبنى العمل فكرة البطل الذى يسعى لإيقاف هذا السيل من الدماء ولا منح أملاً فى ولادته؛ فلا يمتلك بطله الحاضر الآن سوى البحث عن جمل وبضع كلمات للتعبير من هواجسه وألمه.. بطل سلبى غير قادر على الفعل أو التأثير؛ أو ربما يطرح ضمنيًا السؤال الذى لم يشر إليه.. هل خلق بيننا هذا البطل؟!..؛ هذا المنتظر الذى لم يأت ولن يأتى على مدار عقود وأجيال تتكرر فيها الأحداث بوجوه مختلفة وتفاصيل جديدة؛ بينما تعيد المأساة نسج نفسها وشباكها بلا توقف مأساة اكتملت عناصرها بصناعها ومشاهد أبله استلذ الفرجة ومتابعة (حفلة الكاتشب) الذى أصبح غاية ينشدها مرتبكى هذه الجرائم الوحشية فى لذة ومتعة شهوة تناوله. استخدم المخرج مجموعة من المادة الفيلمية التى عرضت بصورة ضبابية على خلفية الأحداث فى شاشة أعلى المسرح؛ واستخدمت نفس الشاشة لعرض مادة فيلمية عن أقفاص الدجاج وكسر البيض وسيلان الكاتشب؛ تناغمت هذه الفيديوهات مع الإيقاع الحركى للشباب؛ الذين أبدعوا فى هذه البطولة الجماعية؛ كان أغلبهم على وعى كبير بمحتوى ومضمون ما يقدمه من دراما مسرحية غير تقليدية؛ يأتى على رأسهم «ضياء زكريا» صاحب شخصية السيد «كوكو»، فقد استطاع «ضياء» استيعاب أبعاد هذه الشخصية المهتزة دراميًا الذى تتناقض آدميته مع الجزء الحيوانى فيه بين البعد الرمزى فى شخصية «كوكو» والاستهزاء بكل شىء سوى شريعته التى أقرها على الجميع. وتمكن «ضياء» من تقديم هذه الشخصية المعقدة وغير التقليدية بمهارة حركية وخفة روح وبساطة؛ شاركته المهارة «بسمة شوقى»؛ ثم «فكرى سليم» الذى اتزن به إيقاع العرض فهو ممثل صاحب خبرة وثقل كبير.. كذلك «وليد فوزى» الكاتب «عصفوريسكى» والذى تمكن من إدارة فرقته المسرحية وتحفيزهم على الفكر والإبداع؛ ثم «محمد عشماوى» الباحث عن الحقيقة فى الحقيبة؛ كما شاركهم البطولة مجموعة أخرى من الموهوبين الشباب الذين انضبط بأدائهم إيقاع العرض حركيًا وتمثيليًا هم «عمرو أحمد؛ هبة شبل؛ ياسو؛ أحمد أبو الحسن؛ ديما هيجر؛ ريهام على؛ مونيكا وحيد؛ وسهيل راجح»؛ العرض تأليف موسيقى «أحمد الناصر» وإضاءة «عز حلمى». 2