فى التاسع والعشرين من نوفمبر ومع حلول اليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطينى تتصدر مصر مشهد الوساطة الإقليمى والدولى بقيادتها مساعى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار عبر استضافتها للوفود الفلسطينية وتنسيق الجهود مع الأممالمتحدة والوسطاء الدوليين فى مشهد يعكس إيمانها العميق بدورها التاريخى فى نصرة القضية الفلسطينية ومنع انزلاق الأوضاع نحو هاوية المواجهة المفتوحة ورغم أن غزة اليوم تعيش واقعا مقلقا ومعقدا تقف فيه الهدنة على حافة اختبار عسير أمام التطورات المتسارعة فإن مصر ستظل حاضرة بإرثها العريق كجسر للسلام وصوت للعقل ويد ممدودة بالأمل للشعب الفلسطيني. مباحثات المرحلة الثانية فى إطار مساعى مصر الحثيثة لمنع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة وتهيئة الأجواء لانطلاق مرحلة إعادة الإعمار، بالتوازى مع الجهود الدولية لتشكيل قوة حفظ سلام وفقًا لقرار مجلس الأمن، استقبلت القاهرة خلال الأيام الماضية وفدًا رفيع المستوى من حركة حماس لإجراء محادثات مع مسئولين مصريين. تناولت المحادثات تطورات الأوضاع الميدانية فى القطاع وآليات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذى تم التوصل إليه بوساطة مصرية ودولية، وقد ترأس الوفد رئيس المجلس القيادى للحركة محمد درويش، وضم عددًا من أبرز قيادات حماس من بينهم خالد مشعل و خليل الحية ونزار عوض الله و زاهر جبارين وغازى حمد عضو المكتب السياسي. وفى بيان رسمى أكدت حركة حماس أن اللقاءات ركزت على تقييم المرحلة الأولى من الاتفاق ومناقشة التحديات التى تعترض تنفيذ المرحلة الثانية، لا سيما فى ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية، وشددت الحركة على التزامها الكامل ببنود المرحلة الأولى، مطالبة بضرورة وقف الانتهاكات من خلال آلية واضحة ومحددة تحت إشراف ومتابعة الوسطاء. الجهود الدولية لتثبيت الهدنة وفى سياق التحركات الدبلوماسية الموازية، التقى رئيس الوزراء الفلسطينى محمد مصطفى، بعدد من المسئولين الأوروبيين فى بروكسل، شملت اللقاءات وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ووزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس، ووزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول، ومسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس، ووزيرة التنمية البريطانية جينى تشابمان، ومفوضة شئون المتوسط فى الاتحاد الأوروبى دوبرافكا شويتسه، حيث دعا إلى تكثيف الجهود الدولية لتثبيت الهدنة وتطبيق القرار الأممى مع التركيز على إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود ووقف العدوان الإسرائيلي. كما أجرى نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، مشاورات مع رئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير، وممثلين أمريكيين تناولت متطلبات المرحلة المقبلة، بما فى ذلك تثبيت وقف إطلاق النار، وبلورة رؤية واضحة لتقرير المصير الفلسطيني. 393 خرقًا و339 شهيدًا أعد الخبراء الأمميون بيانًا مفصلًا يوضح انتهاكات إسرائيل فى القطاع منذ بداية دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ورصد ما لا يقل عن 393 خرقًا للهدنة أسفرت عن استشهاد 339 فلسطينيًا بينهم أكثر من 70 طفلًا وإصابة 871 آخرين. ووصف الخبراء الغارات الجوية التى شنتها إسرائيل فى 28 أكتوبر بأنها الليلة الأكثر دموية فى تاريخ غزة حيث قتل خلالها ما لا يقل عن 104 فلسطينيين، و أن الهجمات الإسرائيلية لم تتوقف رغم سريان وقف إطلاق النار. مشيرين إلى استمرار عمليات القصف المدفعى والغارات الجوية فى جميع أنحاء قطاع غزة ما يثير القلق بشأن جدية الالتزام بالهدنة. وشارك فى إصدار البيان نحو 20 خبيرًا أمميًا من بينهم فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان فى الأراضى الفلسطينية، وفريدة شهيد، المقررة الخاصة بالحق فى التعليم، ومايكل فخرى، المقرر الخاص بالحق فى الغذاء. كما جددت البعثة الدائمة للصين لدى الأممالمتحدة دعوتها لإسرائيل إلى الالتزام بهدنة دائمة، مؤكدة على ضرورة احترام القانون الدولى الإنسانى وحماية المدنيين. تعديل حدود الخط الأصفر فى تطور ميدانى لافت أفادت وزارة الداخلية فى غزة بأن القوات الإسرائيلية أقدمت على تعديل ما يعرف بالخط الأصفر، وهو الخط الأمنى المتفق عليه ضمن ترتيبات الهدنة، حيث تم دفعه غربًا لمسافة تصل إلى 300 متر فى بعض المناطق، ما أدى إلى توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع. ويعتبر هذا الإجراء انتهاكًا صارخًا للاتفاق وخطوة اسرائيلية مدروسة لتغيير الواقع الميدانى، وأشارت إلى أن هذه التحركات تسببت فى موجة نزوح جديدة خاصة فى حى التفاح، حيث غادر العديد من السكان منازلهم خشية أن تصبح ضمن المنطقة المحظورة. وأكدت حركة حماس أن تعديل الخط الأمنى يتعارض مع الخرائط التى تم الاتفاق عليها مع الوسطاء، محذرة من أن هذه الخطوة قد تقوض الجهود المبذولة لتثبيت وقف إطلاق النار، وتفتح الباب أمام تصعيد جديد فى المنطقة. خطة الزحف غربا نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن مصادر مطلعة، أن ما يتم من انتهاكات إسرائيلية لوقف إطلاق النار هو خطة مدروسة تهدف إلى اختبار حدود الاتفاق، وقياس مدى صبر سكان القطاع والوسطاء الدوليين. ووفقًا للمصادر ذاتها تعمل إسرائيل على تعزيز وجودها العسكرى وتوسيع نطاق المنطقة الأمنية، خاصة فى وسط القطاع وشرق مدينة غزة. وأشارت إلى أن هذه التحركات تعبر عن مخاوف حقيقية من حركة حماس والتى لا تزال تحتفظ بسيطرتها على البنية التحتية المدنية، مما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على أى تحرك ميدانى داخل القطاع، رغم تراجع قدراتها العسكرية مما يؤكد أن حماس لاتزال القوة المهيمنة حتى وإن غاب قادتها عن المشهد، وأن الخطوات الإسرائيلية سواء كانت ذات طابع تكتيكى أو تحمل رسائل استراتيجية، تعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار، وتكشف عن خطر متصاعد يعرف محليًا بالزحف غربًا فى إشارة إلى التقدم الإسرائيلى داخل حدود القطاع، وأى تعديل فى ترسيم الحدود قد يؤدى إلى موجات نزوح جديدة، ويقوض الثقة بين الجانبين، مما يهدد بانهيار التفاهمات التى تم التوصل إليها بشق الأنفس. جهود مجلس الأمن ومشاركات محفوفة بالمخاطر يبذل مجلس الأمن الدولى جهودًا دبلوماسية مكثفة لتثبيت وقف إطلاق النار فى غزة، من خلال قرارات أممية وتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية أبرزها القرار 2803 الذى يهدف إلى دعم الاستقرار وإعادة الإعمار فى القطاع، ورغم هذه الجهود الجادة لاحتواء التصعيد لكنها تصطدم بتحديات ميدانية أهمها غياب آلية تنفيذية فعالة للقرارات الأممية، خاصة التى يتعلق بقوات حفظ السلام. ورغم أن التشكيلة النهائية للقوة لم تحسم بعد فإن الدول التى أبدت اهتمامًا بالمشاركة تعكس مزيجًا من الدول الإسلامية والحيادية و الوسطاء المطلعين على الصراع، فى محاولة لتأمين قبول محلى ودولي. ومع استمرار المشاورات يبقى نجاح هذه المبادرة مرهونًا بوضوح التفويض، وضمان الحياد وتنسيق الجهود مع الأطراف الفلسطينية، لكن يظل استعداد دول لا تمتلك خبرة مباشرة أو معرفة معمقة بطبيعة الصراع فى المنطقة فى المشاركة فى حفظ السلام فى غزة مثل إندونيسيا وباكستان وأذربيجان خطوة تحمل فى طياتها الكثير من الغموض، رغم أنها تحظى بقبول دولى واسع وتعتبر خيارًا إيجابيًا من منظور الحياد، اذ تتمتع هذه الدول بميزة نسبية كونها ليست أطرافًا مباشرة فى النزاع الفلسطينى الإسرائيلى، ما يعزز من فرص قبولها من قبل المجتمع الدولي. كما أن سجلها فى المشاركة فى بعثات حفظ السلام حول العالم يعزز من مصداقيتها، فضلًا عن كونها دولًا ذات أغلبية مسلمة، ما قد يسهم فى بناء الثقة مع السكان الفلسطينيين، ويقلل من التوترات مقارنة بإرسال قوات من دول غربية، ومع ذلك تبرز تحديات جدية قد تعيق أداء هذه القوات لمهامها بفعالية بداية منعدم معرفة السياق المحلى، وغياب الفهم العميق لطبيعة الفصائل الفلسطينية، وتعقيدات المشهد السياسى والاجتماعى فى غزة، مما قد يؤدى إلى قرارات ميدانية غير مدروسة، مرورا بمخاطر التسييس فبعض الأطراف قد تشكك فى حياد هذه القوات، خاصة فى حال غياب آلية رقابة واضحة تضمن عدم انحيازها لأى طرف، إلى جانب تعقيد التنسيق الميدانى فى بيئة مثل غزة، حيث تتداخل السلطة المدنية والعسكرية، وبالتالى ستحتاج القوات الدولية إلى فهم دقيق للبنية المحلية لتجنب التصعيد أو سوء الفهم، وصولا إلى أن هذه القوات قد تضطر إلى الاعتماد بشكل كبير على الوسطاء لتسيير مهامها، ما قد يضعف من استقلاليتها ويعقد عملياتها.