بين من يعتبره مشروبًا يتبع كل الوجبات ليعلن الانتهاء من الطعام.. آخر يعتبره دواء للعلاج من كثير من الأمراض.. وكثيرون هو بالنسبة لهم أحد المنبهات.. يحتفظ الشاى بمكانته الأكثر شعبية حول العالم.. له مريدوه وعشاقه ممن يعتبرون أى إضافات له بمثابة التعدى على طعمه الخاص.. المدة التى يستغرقها إعداده هى التى تحدد إذا كنت مجرد هاوٍ فى احتساء الشاى أم أنك من عشاقه الأصليين. متطرفو الشاى يتساءل الكثيرون عن كيفية وجود تطرف فى الشاي، لكن المشروب الأكثر شعبية وانتشارًا على مستوى العالم له مريدون مخلصون يطلق عليهم «الأوصوليون» كل منهم يتبع طريقة واحدة لإعداد كوب الشاى الخاص به، والتى قد تستغرق ساعة، إضافة إلى أنهم يعتبرون أن إضافة السكر أو اللبن نوع من الشوائب التى تعكر صفو الشراب النقي، واحتساء القهوة بالنسبة لهم إثم كبير لا يغتفر، بل يعتبرون مذاق القهوة ضارا بمستقبلات التذوق من الأساس. خبراء الشاى من الأصوليين يعلنون الاشمئزاز فى وجه من يحاول تعكير صفو ذلك الشراب المقدس بالنسبة لهم، عادات شمال إفريقيا فى إضافة النعناع لكوب الشاى أو عادات أهل «التبت» فى إضافة زبدة الياك إلى كوب الشاى أو الهنود فى إضافة الزنجبيل والقرفة والزعفران والحبهان، يعد كل ذلك عند خبراء الشاى «الأصليين» خروجًا كبيرًا وتشويهًا للمذاق الخالص. فى كتاب «الشاي.. ثقافات.. طقوس.. حكايات» للكاتب الألمانى كريستوف بيترز، ترجمة د.سمر منير، الصادر عن دار العربى للنشر والتوزيع، نجد أن للشاى عالمًا خاصًا، وطقوسا ابتكرها محبوه، بين اليابانوالصين ومصر وحتى بريطانيا، الشاى واحد لكن طرق الإعداد كثيرة والحكايات أكثر، فجمع أوانى الشاى المختلفة والبحث عن طرق إعداده المختلفة هى هواية المؤلف. شاى بالملح أقدم الدراسات المكتوبة عن الشاى «تشا تشينغ» تحتوى على وصفة غريبة جدًا لإعداد الشاي، إذ تعتمد الطريقة على تعرض الشاى للضغط المستمر ليتحول إلى ما يشبه الطوب، ويتم تحميصه وسحقه بماء مالح، لكن هذه الطريقة تتعرض لاختلافات كثيرة ويهاجمها الأصوليون باعتبارها لا تحافظ على الطعم الأصلى للشاي. يبقى كوب الشاى أكثر استيعابًا للثقافات وطرق الإعداد المختلفة أكثر من أى مشروب آخر، إذ يعد هو المشروب الوحيد الذى مر خلال التاريخ بعمليات تغيير جذرية فى إعداده. ومن الشاى ما يسكر يعتبر الكثيرون الشاى ضمن النباتات الطبية، إذ يساهم فى علاج أمراض مختلفة، فشاي«البابونج» مخصص لعلاج تهيّج المعدة، أما إضافة خمر«الروم» لكوب الشاى فيعمل على علاج نزلات البرد، وفى ألمانيا تبيع الصيدليات مسحوق الشاى لعلاج أمراض الكلى والمثانة. أقداح وأوانى الشاى الفخارية أمر مقدس فى الكثير من الثقافات، فمن غير الممكن لديهم احتساء الشاي فى أكواب زجاجية لأنها تؤثر على طعم الشاي، فيما يجد البعض أن التطور الصناعى فى الطلاءات الزجاجية والخزفية أثر سلبًا على طعم الشاى كما هو الحال فى أوانى البورسلين التى لا تعزز تطور مذاقه. الطقس القومى فى اليابان فى اليابان يعد طقس «السادو» فى احتساء الشاى أمرًا يساعد على الارتقاء الروحى وصفاء الذهن، حتى إنهم يعتبرونه «طريق القتال دون حمل السلاح»، وتتضمن ثقافتهم أن هذه الطريقة ما هى إلا طريقًا لخوض الإنسان قتالًا مع نفسه، وتتألف الطقوس من عدة شعائر يتوجب حفظها عن ظهر قلب، يتم فيها وصف كل الحركات التى يجب القيام بها، ويشمل ذلك حركات دقيقة لليد، ويستعمل فى هذا الطقس الشاى الأخضر المسمى ماتشا الذى يتخذ شكل مسحوق أخضر يستخرج من أوراق الشاى المجففة. ويتم القيام بالطقوس الخاصة بتقديم الشاى فى غرفة خاصة ذات طابع تقليدى ياباني، وتتواجد هذه الغرف فى بعض المعاهد الثقافية كما يقوم بعض الأشخاص بتخصيص غرفة خاصة فى بيوتهم لهذا الغرض، ويسمى كوب الشاى المعد لتلك الطريقة ب «التشاوان» وهو يندرج فى قائمة الأشياء عالية القيمة وباهظة الثمن. شاى فى أوانى مشوهة «فوروتا أورييه» أحد معلمى الشاى فى القرن ال17 كانت له طريقته الخاصة فى إحتساء الشاي، لينقله من الأوانى الساكنة بحسب تعبيره إلى أوانى الخزف المشوهة على نحو تعبيرى بالنقوش الغنية بالتباينات، لتبدو تلك الأوانى وكأنها شكل من أشكال اللغة التصويرية فى عصر الحداثة. زواج الملك وتطور الشاى تعد البرتغال هى محطة الانطلاق الأولى لدخول الشاى أوروبا لتضع اللبنة الأولى فى ثقافة الشاى الأوروبية، بعد زواج الأميرة البرتغالية «كاثرين» من الملك الإنجليزى «تشارلز الثانى» وكان الشاى الصينى الفاخر ضمن تجهيزات العروس لتصبح أول شخص يدخله للبلاط الملكى الإنجليزى، ورغم نقل الهولنديين الشاى إلى إنجلترا قبل ذلك بعدة سنوات إلى أنه لم يكن مشروبًا شعبيًا كما أن أحدًا فى البلاط الملكى لم يكن يعرف كيفية إعداد ذلك المشروب. فى وقتنا الحاضر يشتهر الإنجليز من بين مواطنى غرب أوروبا بحبهم للشاى فى المقام الأول، ولا ينافسهم فى ذلك سوى مواطنى «فريزلاند الشرقية»بألمانيا إذ طوروا ثقافة للشاى مستقلة بذاتها. مذاهب شرب الشاى يفضل الروس الشاى الخفيف، لكن يقدم الشاى ثقيلاً فى إبريق، ليتم تخفيفه بعد ذلك فى الفناجين مباشرة بماء مغلى، ويتناول الروس الشاى مع أنواع مختلفة من المقبلات والفطائر والحلوى والفاكهة، ويشكل تبادل الأحاديث جزءا من جلسات الشاى التى تتكرر على مدار اليوم. كانت روسيا أول من استورد الشاى من الصين عن طريق منغوليا، حتى وُجد ما عُرف بطريق الشاى وبقى حتى افتتاح القطاع الأول من الخط الحديدى العابر لسيبيريا فى عام 1880، وحينها بدأ كذلك نقل الشاى من الهند وسيلان. وفى بريطانيا يعد شاى الخامسة عصرًا أمرًا مقدسًا، كما تم اعتماده بأنه المشروب الرسمى للبلاد منذ عام 1660، إذ يحبون نكهة الشاي، سواء كان ممزوجًا بالحليب أو بالسكر أو بالليمون، ويستهلك البريطانيون 60 مليار كوب سنويًا، بحسب جمعية الشاى ومشروبات الأعشاب فى المملكة المتحدة. يعد تناول الشاى بعد الوجبات من أهم عادات الشعب المالى الذى يفضل غليان مسحوق الشاى مع الماء فى فرن من الطين ثم إضافة السكر، ويحرص هذا الشعب على أن يكون الانتهاء من إعداد الشاى مع انتهائهم من تناول الطعام ليتم التناوب ما بين تناول الطعام والشراب فى وقت واحد. فى المغرب تناول الشاى أمر ضرورى بعد كل وجبة، ويقدم عادة مع أوراق النعناع الطازجة الخضراء، والسكر البني، جمال الأدوات المستعملة فى إعداد الشاى على الطريقة المغربية أمر أساسى لتحضيره وتقديمه؛ فالصينية والإبريق مصنوعان من الفضة اللامعة المزينة بنقوش يدوية دقيقة، وفى دول الشمال الأفريقى عموماً يشتهر الشاى الأخضر بالنعناع الطازج والسكر، ويعد تكرار تقديم أكواب الشاى للضيف من سمات الكرم فى هذه الدول. «خمسينة» شاى يصف المؤلف طعم الشاى المصرى فى الأكواب الصغيرة بأنه الأكثر تركيزاً، وطريقة إعداده بأنها تشبه وصفات الطعام الشرقى التى تتمتع بمذاقها ونكهتها الخاصة، غلى الشاى عدة مرات على موقد غاز صغير وصبه من «البراد» كخيط طويل ممتد ليستقر أخيرًا فى كوبه الصغير. خلال رحلاته بحثًا عن وصفات إعداد الشاى لم يجد وصفة للشاى الأسود تجعله بهذا التركيز والاحتفاظ بمذاق الشاى الخاص حتى بعد إضافة السكر