عادت القوات المسلحة لتخوض حربًا جديدة فى سيناء لا تقل ضراوة عن حرب التطهير من دنس الاحتلال الإسرائيلي، لكن ربما تكون الحرب الحالية أشد وطأة، فالحرب كانت ضد عدو معروف، درسنا إمكانياته وتفوقنا عليه فكانت حربًا من جيش نظامى على جيش احتلال مغتصب للأرض، أما الحرب على الإرهاب فصعوبتها أنها حرب ضد ميليشيات وتنظيمات تستخدم أساليب الكر والفر. أعداء مصر يأبون أن يتركوها تنهض، بل يحاولون دومًا إدخالها فى حروب تستنزفها بين الحين والآخر، فبعد 44 عامًا من انتصار أكتوبر تخوض مصر حربًا على الإرهاب، وصفها البعض بحرب الأشباح وأنها أكثر صعوبة من حرب التحرير. اللواء على حفظي، قال: إن مرحلة العبور الأولى التى نفذها جيلنا كانت ضد أفراد مُعادين يتبعون استراتيجية الهدم من الخارج للقوى العسكرية، أم الآن فالحرب أكثر صعوبة لأنها تتبع استراتيجية الهدم من الداخل، وهى استخدام أطراف من داخل البلد نفسه أو أطراف من الدول المجاورة دون تدخلهم فى مواجهة صريحة ضدنا، بل يحرك العدو الأمور من وراء الستار، وهناك تحول فى هذا المفهوم، حيث إنهم كانوا يستخدمون الحرب النفسية للعمليات العسكرية، والجوهر هو استخدام القوى الناعمة من خلال هدم الأفكار والأخلاقيات وانحراف الفكر والتطرف، وكان سر نجاحنا فى العبور أننا قيّمنا الموقف بشكل صحيح، وكان هدفنا واحدًا وهو تحرير الأرض واستعادة الكرامة، حاليا نفس الهدف موجود، لكن الحرب على الإرهاب الدائرة حاليًا تعد الأصعب، لأنها حرب جديدة، ومعالمها غير واضحة فلا مكان محدد ولا وقتها معروف وليس لها أساليب محددة. اللواء محمد عبدالله الشهاوي، قال: إن حرب أكتوبر كان العدو واضحًا وهو العدو الإسرائيلى له تنظيمه وأساليبه المعروفة، وخلال فترة تدريبنا على الحرب أثناء حرب الاستنزاف استطعنا عبور خط بارليف وهزيمة إسرائيل، أما الحرب على الإرهاب فمختلفة، فالعدو فيها غير واضح وأساليبه وتكتيكاته غير متوقعة، وتسمى بحرب الأشباح، وكل الأسلحة والأساليب القتالية متاحة، لكن كما استطاع الجيش المصرى هزيمة العدو الصهيونى فى 73، استطاع أن يقضى على %90 من العناصر الإرهابية الخطرة فى سيناء وال%10 الباقين مندسون بين المدنيين، والقوات المسلحة لها عقيدة وهى عدم إلحاق الأذى بالأبرياء وعدم المساس بممتلكاتهم، وبالتالى الحرب الحالية أصعب، وما يزيد من صعوبتها أن من يقاتل الجيش شباب يعتنقون فكرًا متطرفًا، تقف وراءهم أطراف دولية لا تريد الخير لمصر. وأشار «الشهاوي» إلى أن البطولات الفردية التى يسجلها الجيش المصرى فى الحرب على الإرهاب كثيرة وسيذكرها التاريخ، فجنود مصر بواسل وسيظلون حتى قيام الساعة، فكم من جندى احتضن إرهابيًا بحزام ناسف فى سبيل عدم إلحاق الأذى أو التفجير بزملائه فى الوحدة! وهو ما فعله الجنود المصريون خلال حرب أكتوبر أيضًا على أرض سيناء. اللواء أركان حرب نصر الدين سالم قال: إن حرب أكتوبر كانت أسهل من الحرب على الإرهاب، ففى أكتوبر كان عدونا معروفًا، ومن يدعمونه أيضًا معروفين، ومن ثمّ استطعنا التعامل معه، فالشعب كله كان على قلب رجل واحد، لا أحد يغرر بنا فى الخلف، والعالم العربى كله كان معنا، بينما الإرهاب هو محاربة شبح مجهول لا أحد يعلم تحركاته، والإرهاب الموجود فى سيناء أصعب مقارنة بنظيره فى العراقوسوريا، فهناك الحرب قائمة ضد معسكرات واضحة، بينما الإرهاب فى مصر متخفٍ، يفجرون أنفسهم فى الجيش دون أن يكونوا ملحوظين، كما أن العرب ساندونا فى حرب أكتوبر، أما الآن، فقطر تمول تنفيذ مخطط تدمير المنطقة العربية! وأضاف: الإرهابى لديه ميزة عنصر المفاجأة وهو يختار الوقت الذى يهاجم فيه والمكان أيضًا، وهى عناصر تجعله يضمن %50 من النجاح قبل أن يبدأ. وأضاف «نصر الدين» أن البطولات الفردية لا تنتهى فى الحروب، إلى جانب البطولات الجماعية، فالمصريون فدائيون بطبعهم وهناك كثيرون يضحون بأنفسهم لتفادى زملائهم أو لتفجير العبوات الناسفة بعيدًا عن وحدته ومعسكره، والعديد من البطولات الأخرى التى صنعها ومازال يصنعها الجنود والضباط فى سيناء. وأوضح نصر الدين أن الإعلام فى وادٍ والعالم فى وادٍ آخر، وهناك ناس يساعدون الإرهاب بشكل كبير من خلال من يسمونهم (المنشقين عن جماعة الإخوان) فأنا فى رأيى هو إرهابى ابن إرهابي، منهم من يظهر فى الإعلام لتوصيل رسالة نفسية هادمة سواء للجيش أو المدنيين، ومنهم من يظهر لإرهاب الناس من الجماعات الإرهابية، ومنهم من يظهر فى تلك البرامج ليقوم بدور معين لصالح الإرهابيين، بدليل أن منهم من انشق وعاد مرة أخري، والجيش نجح فى محاصرة الإرهاب فى سيناء ولم يجعله منتشرًا فى أرجاء المحروسة كما فى سورياوالعراق، وهناك إعلام لا يريد إيصال هذه الرسالة للمصريين. اللواء طيار هشام الحلبى قال: إن حرب أكتوبر تسمى الحرب التقليدية، وهى الحرب التى تكون بين جيوش تنظيمية للدول، والهدف منها تدمير القوات المسلحة للدولة المعادية، أما الحرب على الإرهاب فتسمى حربًا غير متماثلة، ومشكلتها أنها حرب على العسكريين والمدنيين، والإرهابى يتخفى بين المدنيين وخططه وطرق هجومه غير واضحة ومواقعه غير واضحة المعالم، كما أنهم ليس لديهم قواعد الشرف العسكرى أو أخلاقيات عسكرية، والصعوبة هنا أن الجيش لابد أن يلتزم بذلك لأنه سيحاسب أمام شعبه والمجتمع الدولي. وأشار الحلبى إلى أن الإعلام يظلم الانتصارات التى تحققها القوات المُسلحة على الإرهاب. وانتقد اللواء طيار الحلبى دور الإعلام فى الحرب على الإرهاب، وأشار إلى أن الإعلام فى أكتوبر كان إعلامًا نشطًا رغم افتقاده للإمكانيات التى يمتلكها الإعلام الحالي، فإعلاميو حرب أكتوبر كانوا مرافقين للجنود على الجبهة وينقلون القصص ومتواصلين بشكل أعمق مع الحرب جنبًا إلى جنب مع الجنود، بينما الإعلام الحالى لا يفعل ذلك، رغم امتلاكه التكنولوجيا الحديثة التى تستطيع نقل الصورة كاملة وحقيقية وبشكل أسرع، ففى 73 كانوا يعودون بالأفلام للتحميض والصور ويقدمون المادة مكتوبة، بينما فى الوقت الحالى المادة والصور والفيديوهات تصل مكتوبة ولا تحتاج للتحميض، فالموضوع أصبح أسهل عن السابق، وذلك نداؤنا أننا نحتاج لإعلام أكثر وعيًا وتفاعلاً مع القوات المسلحة فى حربها على الإرهاب. وروى الحلبى إحدى بطولات الحرب على الإرهاب، التى قام بها أحد جنود القوات المسلحة فى منطقة شرق العريش، حيث كان يقف بدبابته أمام نقطة تفتيش وفوجئ بسيارة بها عدد من الإرهابيين لا يسيرون فى طابور السيارات للتفتيش وتخطوا نقطة التفتيش، فما كان منه إلا أن دهس السيارة المفخخة بدبابته وهو يدرك تمامًا أنها ستنفجر، وهناك العديد من البطولات الأخرى التى يتفادى فيها جنود وضباط الجيش بأنفسهم فداء لتفادى مدنيين أو زملائهم.