منذ استقر المصريون على ضفاف نهر النيل من قديم الأزل أدركوا أنه مصدر حياتهم، فمن مائه يرتوون ويروون زرعهم ليأكلوه ومن ثم يستمرون فى الحياة. ومن هنا قاموا بتأليهه وأطلقوا عليه الإله «حابى»، حيث تقام له الصلوات للحفاظ على جريانه، ويسترضونه بالطقوس فى حالة انخفاض مستوى مياهه حفاظا على الزرع والضرع. وعندما كان النهر يفيض بمياه تغمر البَر وتهدد حياتهم بالفناء، جاءتهم فكرة استرضاء الإله «الهائج» بإلقاء فتاة وسط الموج لعله يهدأ وينتهى خطره. وعندما تصادف هدوء النهر بعد إلقاء الفتاة اعتقد المصريون أنه لولا هذه الفتاة ما هدأ النهر واستمر فى هياجه ليدمر حياتهم، ومن هنا تكرر إلقاء الفتاة عند حدوث الفيضان كل عام وأطلقوا عليها «عروس النيل». وقد انتبه أمير الشعراء أحمد شوقى إلى تلك العادة الثقافية القديمة فخلدها فى قصيدته الرائعة (النيل)، حيث يقول: في كُلِّ عامٍ دُرَّةٌ تُلقى بِلا - ثَمَنٍ إِلَيكَ وَحُرَّةٌ لا تُصدَقُ حَولٌ تُسائِلُ فيهِ كُلُّ نَجيبَةٍ - سَبَقَت إِلَيكَ مَتى يَحولُ فَتَلحَقُ وهكذا لعبت المصادفة دورها فى تقديس النيل بإلقاء عروس إليه لينتهى الفيضان، مع أن الفيضان كان ينتهى طبيعيّا بعد دورته، لكن ثقافة المصرى القديم لم تكن تعرف مثل هذه الدورات الطبيعية لجريان النهر وفيضانه وهدوئه. ومع هذا بدأ الاهتمام بكيفية ادخار مياه النيل لمواجهة الجفاف من ناحية، واتقاء شر الفيضان العالى من ناحية أخرى، منذ عهد الأسرة الفرعونية الثانية عشرة (سنوسرت الثالث) كما يظهر فى البرديات، أى قبل أكثر من أربعة آلاف عام. خزان الحسن بن الهيثم ثم بدأ التفكير العقلى يفرض نفسه على المصريين للتحكم فى نهر النيل ضمانًا لجريانه وحفاظا على حياتهم. وفى هذا الخصوص كان أول تفكير فى حجز مياه النيل خلف خزان فى موسم الفيضان للإفادة منه طوال العام؛ وبخاصة فى مواسم انحسار الفيضان وقلة الماء، زمن الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله فى مطلع القرن الحادى عشر حين اقترح عالم الرياضيات فى زمانه الحسن بن الهيثم بناء خزان على النيل بالقرب من أسوان. وعندما اكتشف «ابن الهيثم» اتساع مسطح نهر النيل عند أسوان أدرك صعوبة بناء الخزان هناك. وحتى لا يغضب منه الخليفة الحاكم، ادّعى ابن الهيثم أنه كان يهذى عندما اقترح الفكرة، لكن الخليفة ظل غاضبًا عليه حتى مماته. وعندما جاء الفرنسيون إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت (1798-1801) لاحتلالها وقطع الطريق على بريطانيا فى الوصول إلى مستعمرتها فى الهند، فكر بونابرت فى الإقامة فى مصر وشاهد فيضان النيل وكيف أن مياه النيل تصب فى النهاية فى البحر المتوسط، فقال: «لو قدر لى أن أبقى بمصر لن أجعل قطرة من مياه النيل تسقط فى البحر»، وهذا يعنى إقامة خزان بطريقة أو بأخرى، ولكنه غادر مصر سريعًا. القناطر الخيرية ومضت الأيام وتولى حُكم مصر محمد على باشا (1805-1849) الذى أخذ ينهض بالزراعة كما هو معروف. ولمّا كان التوسع فى الزراعة يتطلب ضمان توفير المياه اللازمة طوال العام، فكر محمد على فى بناء قناطر على النيل عند نقطة تفرعه إلى فرعين: دمياط ورشيد، لأنها مساحة ضيقة وليست فى اتساع مساحة النهر عند أسوان. وكان ذلك فى عام 1834، واستعان بخبرة أجنبية من إيطاليين وإنجليز فضلًا عن الفلاحين المصريين الذين قاموا بعملية البناء (نحو خمسة عشرة ألف فلاح). وانتهى المشروع فى عام 1848، أى قبل وفاة محمد على بعام واحد وعُرف باسم «القناطر الخيرية». وفى تلك الأثناء توصل المصريون إلى فكرة تعلية جسر النهر عند المواقع المنحدرة حتى لا تخرج المياه عند الفيضان إلى البر وتهدد الحياة بكل منشآتها. ومن ذلك ما قام به الخديو إسماعيل (1863-1879) عندما قام بتعلية جسر النهر ناحية ميدان التحرير حاليًا، حيث كانت مياه الفيضان تغمر الأرض حتى شارع كلوت بك وتصبح المنطقة بركة مياه وبعد انحسار الفيضان تصبح مرتعًا للهوام من البعوض وسائر الحشرات. وبعد تعلية الجسر قام إسماعيل الذى درس التخطيط العمرانى فى بعثته فى فرنسا بتحويل هذه البركة الواسعة إلى حى وسط البلد المعروف حاليًا بكل عمائره على الطراز القوطى بمساعدة زملاء له من أيام البعثة. وعندما وقعت مصر تحت الاحتلال البريطانى فى 1882 وضعت سُلطة الاحتلال فى اعتبارها جعل مصر مصدرًا للمادة الخام؛ وبخاصة المواد الزراعية، وهذا يتطلب ضمان توفير مياه الرى طول العام مع تجنب الفيضان الذى قد يضر بالزراعة. خزان الخديوى ومع تقدّم العلم والمعرفة آنذاك تم التفكير جديّا فى بناء خزان أسوان فى عام 1899 وقام الخديو عباس حلمى الثانى (1892-1914) بوضع حجر الأساس فى ذلك العام بخبرة السير وليم ويلكوكس مفتش الرى الإنجليزى فى مصر فى عام 1902، ثم تمت تعليته فى عام 1911 ثم مرّة ثالثة فى عام 1929. وفى كل مرّة من تلك المرات كان يتم اتفاق دولى بين دول حوض النيل «بمباركة» بريطانيا التى كانت تحتل معظم تلك الدول. ثم شهدت مصر مرحلة جديدة من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بقيام ثورة يوليو 1952. ولما كان أحد مبادئ الثورة «بناء اقتصاد وطنى قوى»، فقد كان هذا يستدعى فيما يستدعى الاهتمام بتوسيع رقعة الأرض الزراعية لزيادة الإنتاج الزراعى للاستغناء عن الاستيراد. وبدأ خبراء الرى يفكرون فى تعلية خزان أسوان تعلية رابعة لكنهم اكتشفوا استحالة ذلك جيولوجيّا، فكان التفكير فى بناء السد العالى، وتم ذلك فى عام 1960 وسبقته اتفاقية دولية مع دول حوض النيل فى عام 1959 أسوة بالاتفاقيات السابقة وبصفة خاصة لضمان نسبة محددة من المياه للسودان. واكتمل بناء السد فى 1968 ليكون أحد أربعة مشروعات كبرى للرى على مستوى العالم، وتم افتتاحه رسميّا فى 1971 بعد رحيل جمال عبدالناصر الذى دخل فى تحديات هائلة للقيام بالمشروع بدأت بتأميم قناة السويس فى 26يوليو 1956 لتوفير المال اللازم للصرف على بناء السد العالى الذى أصبح رمز العزة والكرامة.