استثمارات تعليمية كبيرة بسيناء، 4.5 مليارات جنيه لإنشاء وتجهيز جامعة الإسماعيلية الأهلية    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    مدبولي يوجه بالإسراع في الانتهاء من مشروعات القوانين الخاصة بتنظيم سوق المال المصرية    عبور سفينة الركاب السياحية MSC EURIBIA من قناة السويس    «الزراعة»: تحصين 3.9 مليون رأس ماشية ضد الجلد العقدي وجدري الأغنام    تراجع أسعار الذهب في مصر بقيمة 30 جنيهًا    محافظ المنيا: توريد 53 ألف طن قمح إلى الشون والصوامع منذ انطلاق الموسم    وضع مخطط متكامل لتطوير منطقة «البلو هول» بمحمية «أبو جالوم» بمدينة دهب    الرئيس السيسي يدين عملية إطلاق النار بواشنطن ويعرب عن ارتياحه لسلامة ترامب    مراكز العريش اللوجستية تواصل دعم غزة بقوافل الإغاثة    تجدد المعارك قرب العاصمة المالية باماكو    إصابة 4 جنود إسرائيليين جنوب لبنان.. وحزب الله يعلن استهداف تجمع عسكري    ماذا قال سلطان عُمان لوزير خارجية إيران خلال استقباله في مسقط؟    ياسر جلال يطالب بتطوير مراكز الشباب.. والاستعداد لأولمبياد 2028    لاعب الزمالك السابق: مباراة إنبي لا تقل أهمية عن لقاء بيراميدز    أبو ريدة يشارك بكونجرس 'فيفا' رقم 76 في كندا    حسنى عبد ربه يطمئن على نجم الإسماعيلى ويوجه الشكر لمدير المجمع الطبى    كشف حقيقة ادعاء محاولة خطف شاب للإتجار بأعضائه بالمنوفية    المشدد 10 سنوات لسائق بتهمة خطف فتاة والتعدي عليها بالإسكندرية    حضور طفل قضية الصاروخ الكهربائي مجمع محاكم الإسماعيلية لنظر استئنافه على الحكم    إصابة 5 أشخاص اثر حادث تصادم سيارتين بالصحراوي الغربي بأسيوط    ضبط سائق ميكروباص طلب أجرة أعلى من القيمة المقررة بسوهاج    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    الثلاثاء.. انطلاق ملتقى "سيناء الثاني لفنون البادية" بالعريش احتفالا بذكرى التحرير    عودة برنامج «براعم الإيمان» على إذاعة القرآن الكريم بعد توقف لأكثر من 30 عامًا    الدكتور أحمد تركى: شيخ الأزهر الأسبق حرم المراهنات الرياضية واعتبرها قمار    200 سفير مياه من 25 دولة، مصر تعزز حضورها في أفريقيا عبر التدريب    التعليم: طورنا أكثر من 80% من مناهج التعليم الفني وفقا لمنهجية الجدارات    التنمية المحلية: تطوير الخدمات بمنطقة «البلو هول» بمحمية «أبو جالوم» بدهب    ارتفاع حصيلة شهداء قطاع غزة إلى 72.587 والإصابات إلى 172.381 منذ بدء العدوان    بالصور: الجلسة العامة لمجلس الشيوخ بحضور وزيري الشباب والرياضة والشئون النيابية    شهادتان لطلاب التعليم الفني.. البكالوريا التكنولوجية وشهادة إيطالية بدءًا من العام المقبل    الداخلية: ضبط 15 شركة غير مرخصة لإلحاق العمالة بالخارج والنصب على المواطنين بالبحيرة    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    الأهلي يلتقي بكبلر الرواندي وبتروجت يواجه ليتو الكاميروني في بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    محافظ أسيوط يسلم 20 جهاز عروسة للفتيات الأكثر احتياجا ضمن احتفالات العيد القومي    رحلة الإنسان المعاصر فى «الجسد»    شيرين عبد الوهاب تكشف عن داعميها في أزمتها: مواقف إنسانية لا تُنسى    غدًا.. انطلاق مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    ريهام عبد الغفور ومايان السيد ونجوم الفن يهنئون هشام ماجد بعيد ميلاده    بسبب سوء الأحوال الجوية.. إغلاق ميناء العريش البحري    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    الغَنِى الحَقِيقِي    في يومها العالمي، كيف تحمي الشريعة حقوق الملكية الفكرية؟    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    فحص 9.5 مليون طفل.. «الصحة» تُبرز جهود مبادرة علاج ضعف وفقدان السمع    الأوقاف تحيي ذكرى القارئ سيد متولي عبدالعال: أحد أعلام دولة التلاوة    إقبال واسع على قافلة جامعة القاهرة التنموية الشاملة «قافلة النصر» بحلايب وشلاتين وأبو رماد    مجلس طب القاهرة: إعادة هيكلة منظومة تقييم الطلاب لتحديث أدوات القياس والتقويم    زلزال يضرب السويس بقوة 4.3 ريختر| البحوث الفلكية تعلن التفاصيل    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 26أبريل 2026 فى محافظه المنيا    سكرتيرة البيت الأبيض: ترامب سيلقي خطابًا كبيرًا الليلة    لقطات من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض    لاعب سعودي يسقط إسرائيليا بضربة رأس في نهائي دوري أبطال آسيا لكرة القدم    مصطفى يونس: أتمنى عدم تتويج الأهلى بالدورى.. والزمالك يمتلك رجالا    عميد معهد الأورام بجامعة القاهرة يحذر من وصفات السوشيال ميديا: قد تقتل المرضى وتؤخر العلاج الحقيقي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خمسة وخمسون عاما من العشق الصافي
نشر في صباح الخير يوم 01 - 03 - 2011


احسان عبدالقدوس
كانت برودة الإسكندرية في شجار مع شمسها، فلم تكن خيوط الشمس قادرة علي الانتصار، ولم تكف البرودة عن الضغط علي أسنانها وهي تطلب المزيد من الانتصار علي الشمس.
وكان العام هو السادس والخمسون من القرن الماضي. وكان شارع بوالينو - الشعبي تماما - يضج بالحلم أن تقوم ثورة يوليو بالقضاء علي مشكلات أي إنسان كائنا من كان. لكن خطوات الثوار علي أرض الواقع لم تكن بنفس سرعة أحلام أهل الإسكندرية.
وفي هذا الزمان جاء مولود يحمل خلاصة أحلام جيل شاب ينتمي إليه كاتب هذه السطور، وكان المولود هو مجرد مطبوعة أسبوعية تحمل شعارا «للقلوب الشابة والعقول المتحررة». جاء هذا المولود ليقول لي عبر سطوره المطبوعة إنه بطاقة شخصيتي وطريق حياتي الذي سوف أسير فيه لأصل إلي أيامنا هذه.
وبين الأيام القديمة الحية في الذاكرة ووصولا إلي أيامنا تلك، كانت معارك الرغبة في تحقيق الأحلام، وانكسارات مازال طعمها مريرا تحت اللسان، وعلي قدر الفخر بتأميم قناة السويس وبناء السد العالي، علي قدر الانكسار حين اندقت أعناق أحلامنا في الخامس من يونيو من عام 1967 لنفيق علي إعادة بناء القدرات ولنبني من جسور الدم والرجال أياما من الفخر في أكتوبر 1973 ولكن الطريق من أكتوبر1973 حتي أيامنا هذه ازدحم أيضا بأحلام انكسرت حتي وصولنا إلي أيامنا هذه، أيامنا التي لا تعرف شمسها حقيقة ما يدور في شتائها، وسخونة أحداثنا اليومية لا توحي للعيون قدرة علي تحديد ملامح الطريق الذي نسير فيه جميعا، فإذا كانت الحرية هي حق الاختيار، فلابد أن نعرف أن «الاستقرار المزعوم» قد صار مجرد معطف لركود قاتل، وتفننت قلة في نهش اللحم الحي للمصريين جميعا، فصارت الأيام غيظا والقهر أنفاسا، وازدحمت القلوب ببراكين كبت له قيظ، يفوق الاحتمال. ولم أكن قارئ كف للمستقبل حين كتبت علي صفحات «صباح الخير» يوم غرق العبارة السلام بأن جثث من غرقوا بها ستزدحم بها صناديق أي انتخابات، وحين تم تجاهل أصوات الغرقي في أقرب انتخابات حدثت من بعد ذلك، صار الزيف يلون أيامنا، نخرج من سحب الزيف إلي الحلم من جديد. ترنو ذاكرتنا إلي أيامنا القديمة لأننا صرنا نخاف من الأيام الجديدة.
في أيامنا القديمة التقينا نحن علي صفحات هذه المطبوعة بنسيج القدرة علي أن نخترق الواقع لنستجلي ما فيه. كان بيننا أحمد بهاء الدين الذي علمنا أن الصحفي ليس أن تكون صوتا لحاكم أو مجرد تشنج وأنت ترفع صرخة المحكوم، بل محاولة استكشاف حقيقة المسافة بين الاثنين لتردمها بحلول تراها جادة.
وعلي صفحات هذه المطبوعة علمنا فتحي غانم أن علي أي منا أن يختار واحدا من طريقين، إما أن يكتب لقارئ واحد هو رئيس البلد أيا كان اسمه، أو يكتب للقراء الذين يمولون هذه المجلة، وكان فتحي غانم يعلم أن جيلي كله مدين لجمال عبدالناصر بالكثير، ولكن ديون عبدالناصر التي حملناه إياها كانت كأغنية صلاح جاهين الذي كثيرا ما شدا بها «قلنا يا زعيمنا قلوبنا أهه» وأشهد أني رأيت المصريين يلعبون بجبال أسوان حين أقاموا السد العالي، كان ذلك في يوم الرابع عشر من أغسطس من عام 1964 وذهبت في عز الصيف لأري كيف يمكن أن يعمل المصري تحت صهد أغسطس الذي تبلغ فيه الحرارة نهارا إلي الخامسة والأربعين. ورأيت هناك الرجل الذي يندر أن يجود الزمان بمثله هو المهندس صدقي سليمان. رأيته بين العمال والمهندسين. وحين أصاب الإغماء واحدا من قادة «التراكتور» حمله بين ذراعيه لتذهب به سيارة جيب إلي المستشفي، وصعد هو إلي التراكتور، محاولا إتمام عمل الذي أصابه الإغماء، ولكن مهندس الموقع أصر علي أن يكمل هو عمل السائق.
أضحك إلي حد البكاء حين أقارن بين صورة صدقي سليمان باني السد العالي، وبين عاطف عبيد الذي رأس مجلس وزراء مصر من أجل تفكيكها وبيعها لمن يسمون المستثمرين. أتذكر أنني كتبت رافضاً ذلك، وأوضحت بصريح الكلمات أن فلسفة يوسف بطرس غالي تهدف إلي تحويل مصر إلي قرية خلفية مثلها مثل بنما أو جواتيمالا. ولم ينتبه أحد.
وإذا كان الواحد منا يتذكر الآن، فالتذكر ليس بحثا عن براءة، بل تأكيد جديد وقديم علي أننا ننفذ تعاليم من علمنا أن أمام أي كاتب طريقان، طريق التعبير عن القراء، أو طريق نقل التمجيد في القيادة للقراء، الطريق الأول هو الأفضل للكرامة، والطريق الثاني هو إهدار كرامة الكاتب.
ومازال صوت صلاح حافظ، وهو يؤكد أن الكلمة قوية بالفعل والكاتب مجرد كائن يمكن أن يهزمه الوجود خلف القضبان أو المعتقل.
ومازلت أتذكر يوم خروج صلاح حافظ من المعتقل بعد عشر سنوات قضاها في الواحات. كانت نظارته قديمة للغاية، مليئة بالشروخ، وملابسه رثة بغير حد. وكان قد حضر إلي «روزاليوسف» ليلتقي بصلاح جاهين. ولم أكن قد تعرفت عليه شخصيا قبل ذلك، فقد تم اعتقاله حين كنت في الشهادة الإعدادية وعمري أربعة عشر عاما. ولكن التعرف علي قيمته ككاتب وصحفي جاءت حين بدأت العمل في روزاليوسف واختارني الشاعر صلاح عبدالصبور كي أنضم إلي الكوكبة التي تعيد صياغة تحقيقات زملائي، وأراد إحسان عبدالقدوس أن يدلني علي طريق التميز في أداء مهمتي الجديدة، فقال لي ما لا أنساه: أرجو إنك تدرس كويس إزاي صلاح حافظ كان بيكتب باب «أسرار» وباب «انتصار الحياة».
وكانت رقة إحسان عبدالقدوس في تعامله مع الشباب أكبر من خيال أي أحد. وكان يعرف كيف يبرز أفضل ما فيهم شرط أن يساعدوه علي ذلك. وعندما سألته عن مميزات صلاح حافظ قال «هو من أندر من أنجبتهم روزاليوسف، ولكن عقيدته الماركسية قادته إلي المعتقل. وهكذا جاء اللقاء مع ما كتبه صلاح حافظ قبل أن يحدث اللقاء الشخصي معه. وعندما أخبرت أستاذنا كامل زهيري بهذا اللقاء طالبا منه أن يصعد من مكتبه بالدور الرابع من روزاليوسف إلي الدور الخامس حيث مكتب صلاح جاهين الموجود به صلاح حافظ، قال لي الجملة التي لا أنساها أبدا «الكاتب هو ما أنجزه فعلا، لا ما ينوي أن يكتبه. ها أنت قد تعرفت علي صلاح حافظ من أسلوبه وكتاباته قبل أن تلتقي به وجها لوجه». وصعد كامل زهيري ليرحب بصلاح حافظ وليتبعه من بعد ذلك إحسان عبدالقدوس الذي قدس بلا نهاية موهبة صلاح حافظ. ولا أدري لماذا فضل صلاح حافظ أن تكون عودته بعد الاعتقال إلي مجلة آخر ساعة بدلا من روزاليوسف. ولكنه عاد إلينا بعد ذلك بسنوات. وتولي بعد مجيء عبدالرحمن الشرقاوي مسئولية تحرير روزاليوسف كرئيس تحرير ومعه فتحي غانم. وكان أي منهما يصر علي أن تكون الكلمة قوية عندما تجد من يسمعها، وهي أيضا تبقي في ضمير من يقرأها وتحفظ ضمير من كتبها.
ولكن حدث الخلاف بين عبدالرحمن الشرقاوي وفتحي غانم وصلاح حافظ كمسئولين عن روزاليوسف وبين الرئيس الراحل أنور السادات فعزل الثلاثة لتبدأ أيام من كرب محسوس في مطبوعات روزاليوسف.
ورغم تعنت السادات معنا في روزاليوسف، فقد حملنا له مودة إصداره لقرار حرب أكتوبر، وهو من أتاح لقواتنا المسلحة أن يديرها أفضل أبنائها، فاستطعنا هزيمة إسرائيل. ولكن القطط السمان بدأوا في الظهور من بعد تلك الحرب المنتصرة ليسرقوا نتائج تلك الحرب لحساب انفتاح أهوج، صدق فيه قول الأستاذ أحمد بهاءالدين «انفتاح سداح مداح» واستطاع بعض من أثرياء الطبقة الجديدة الذين أحاطوا بالسادات، فأوغروا صدره ضد كل الباحثين عن العدل الاجتماعي، وبدأ في عهده بزوغ القطط السمان، وجماعات الإرهاب التي قتلته، لنعيش من بعد ذلك في لحظات ميلاد القطط السمان لأسماك القرش التي التهمت العديد من خيرات هذا البلد، لتأتي من بعد ذلك حيتان مدربة علي امتصاص دم البشر مع حالة تفاخر بأن أكثر من ستين بالمائة من المصريين يعيشون علي بطاقات التموين ويتلقون الدعم.
ثلاثون عاما من امتصاص دم المصريين يا إلهي
ولن أنسي يوم عرفت عام 2000 أن المنهوب من أموال مصر يزيد علي ألف مليار دولار، هكذا كان الرقم الذي سألني زميل عمري رءوف توفيق، وكان يتحمل مسئولية رئاسة تحرير صباح الخير «لقد قرأته في تقرير للأمم المتحدة». ونشر رءوف مقالي، فلم يمنع رءوف نشر المقال، كان يعيش دائما مع زفرة أسي، لأن كل ما كنا نحلم به كان يتساقط أمامنا، أقول ذلك عن رءوف وهو ذلك الهادئ الذي تغلي أعماقه كالبراكين وهو من لم يمنع مقالا لأحد أو من أحد.
وهكذا جاءت لنا خطوات عبدالشكور شعلان من صندوق النقد لتتآمر مع خبرة عاطف عبيد في تجريد المصريين من كل ما حققوه عبر سنوات ثورة يوليو من مكاسب. وكانت خطوات عاطف عبيد تذكرني دائما بما كتبه فرانز فانون فيلسوف الثورة الجزائرية، من أن الثورات يتم سرقة إنجازاتها عبر هؤلاء المتعاونين مع قوي الاستعمار القديم أو الجديد. ولا أحد باستطاعته إنكار أن فيلسوف تدمير القطاع العام هو عاطف عبيد هذا الذي سهل مضغ إنجازات زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، ووضع تلك الإنجازات تحت ضروس طبقة شرسة، وتآكل جهد عزيز صدقي الذي رسم من خلال عهد جمال عبد الناصر خطة تصنيع مصر.
أتأمل وأقارن بين جهد زكريا محيي الدين وابن شقيقه محمود محيي الدين. فزكريا أتاح عشرات الملايين من فرص العمل عبر التصنيع، ومحمود محيي الدين استمر في تنفيذ سياسة عاطف عبيد في بيع عظام الكرامة المصرية حين عرض علي سبيل المثال لا الحصر بيع عمر أفندي، تلك المأساة التي مازالت تراوح مكانها كحكاية تنازل عن شركة كانت تكسب؛ فصار من عملوا في بنائها جوعي ومشردين. وهو من حاول بيع شركة الحديد والصلب لمن كان يتلمظ علي كل موقع يمكن مصمصة عظام من بنوه، وهو أحمد عز.
هل ما أكتبه الآن هو ممارسة لرياضة تسجيل المواقف، بدعوي أني كتبت وقلت وفعلت؟ طبعا لا.
لأن هناك غيري كتب وهناك غيري قد قام بالتنبيه، ولكن آذان القادة كانت بعيدة وتصر علي أن تسمع فقط هتاف من يمجدونها، حتي جاءتهم الطامة الكاشفة؛ تلك الطامة التي انفجرت بغرور أمين التنظيم السياسي السابق أحمد عز، الذي شاء أن يهزم إرادة المصريين بتلك الانتخابات الهزلية، وكأنه قد توهم أن باستطاعته أن يجعل عظام المصريين مثل كرسي الحمام الذي كان يضعه ليصعد عليه أثناء قراءته لبيانات الكمبيوتر المخاتل، ووقع الرجل فريسة غرور صاعق عندما سمح لنفسه علي مستواه الشخصي أن يقوم بتعيين رجال مهمتهم مساعدته في ارتداء حذائه حين يخرج من صلاة العيد. وكان عمي البصيرة السياسي هو من جعل الجميع لا يرقبون أيدي غرقي عبارة السلام في البحر الأحمر، تلك الأيدي التي خرجت من البحر الأحمر لتدخل أي صندوق انتخابات حقيقي، ولم يستمع أحد إلي همسات أصوات الغرقي وهي أيادي من تجمعوا عند خروج أحمد عز من المحكمة في بوكس الشرطة كي تهز السيارة وكأنها العبارة التي ستغرق به، ولكن الشرطة أنقذته من الغرق في دمائه قبل أن تتم المحاكمة لنري فيها تفاصيل ماجري منذ أن دخل هو وعصابته إلي المواقع الحساسة التي تفننت في نهب ثروات هذا البلد المنهك. ولا أدري هل ستتم محاكمته بأنه كان واحدا من الذين وقفوا وراء دفع عشرات الشباب إلي التحرش بالبنات أثناء أيام الأعياد، حين استولي هو علي صناعة الحديد في مصر المحروسة، وصار العثور علي شقة من غرفة واحدة هو أمر يشبه انشقاق السماء عن ليلة القدر. ولذلك لم يكن للعيد معني عند المراهق إلا لمس جسد أي فتاة يراها في الشارع، فمادام العثور علي عمل شبه مستحيل، ومادام حلم بناء أسرة تم تحويله إلي أرقام مليونية في حسابات فريق أحمد عز وشركائه من عصابة النهابين للمال، فلماذا لا ينفجر الجنون الذي لا أخلاق له في شكل تحرش، أو في شكل زني المحارم الذي رصدته جمعيات أهلية في المناطق العشوائية، حيث يعتدي الأخ علي شقيقته أو الأب علي ابنته. ومازلت أذكر حكاية عم إبراهيم الذي مات وهو يتبول علي نفسه بعد أن شاهدته ابنته المراهقة وهو في حالة ممارسة لعلاقته الحميمة مع أمها وعندما حاول أن يتظاهر بالنوم طالبته أن يستكمل ما كان يفعله، فهي تعلم احتياجات كل رجل، كما علمها صاحب المحل الذي يمنحها عشرة جنيهات كلما سمحت له باحتضانها، وأنها اشترطت عليه أن يحافظ علي عذريتها. وهنا راح الأب يصرخ ويبكي ويضرب البنت إلي أن صحبته أسرته مستشفي الحسين الجامعي، ومنه إلي مصحة عقلية ليموت هناك.
أري وجوه من قادوا «صباح الخير» التي علمتنا خلال الخمسة والخمسين عاما أن نكون أنفسنا وأن نرصد الواقع، لا بغرض تسجيل المواقف ولكن بغرض امتلاك القدرة علي رصد أي جزء من الحقيقة.
ها هي ملامح محمود السعدني تعود إلي ذاكرتي ضاحكة من فرط توقعه لما حدث. وها هي ملامح العم حسن فؤاد تضيء سماء الذاكرة لتعلمنا أن الإنسان لا يعيش بالهتاف ولكن بالقدرة علي الإبداع.
ها هي طاقة لويس جريس - أطال الله عمره وحفظه - تذكرنا بما استطاع أن يوصينا به كل أسبوع بأن يكون الواحد منا قابلا للتعلم.
ها هي قدرة رءوف توفيق ترنو إلي ما شاهدته من أفلام سينمائية، وما كتبه من مقالات عن ضرورة انتصار الصحيح علي الخطأ تؤكد أننا لم نضل الطريق.
وها هي خطوات الأبناء ترحب عبر جيل جديد لم يرفض سطرا عبر السنوات لكاتب أو محرر، وإن كانوا يرصدون حقيقة كشف الحقائق دون صدام قد يطيح بالمجلة، كما حاول الرئيس السادات من قبل.
حرص رشاد كامل أن يرصد التاريخ ويغرق في تفاصيله ليعود لنا حاملا أسرارا وأسراراً.
أما محمد عبدالنور الذي يقود سفينة صباح الخير التي تحمل أجيالاً متعددة، فأشهد له أنه من طبق ما أوصانا به كامل زهيري بأن ينشر كل ما يتم إعداده من مقالات أو أخبار أو وقائع، فليست مهمتنا الصدام ولكن مهمتنا الكشف.
أما أنت ياجمال كامل، فها هو حلمك يعود إليك بأن تظل صباح الخير نبضا شابا، وها أنت يا عبدالغني أبوالعينين الذي وضعت بعضا من ملامح كل من روزاليوسف وصباح الخير، ها هي ضحكتك تجلجل في خيالي، وأنا أحدثك في أيام مرضك الأخير بأن مصر قد تقوم بتسميم من يحاول مضغ مستقبلها.
ليست السطور السابقة إبراءً لذمة أو إنكاراً لجهد أو محاولة للحصول علي براءة ما، فليس منا من يقدر علي عمل سياسي، فقط نحن نعيش كما قال الطيب صالح السوداني الجليل مثل «سالم» حادي القوافل وقائدها والذي يحاول استكشاف طريق للقافلة أثناء ليل الصحاري المترامية الأطراف.
عشنا هذا الدور عبر أجيال بدأت من عام1956 وحتي الآن، عشنا دوامة حب وعشق صاف لا نتلمس براءة منه أو شفاء لأنه يجري في شرايين حياتنا كما تجري دماء الحفاظ علي حياة أي منا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.