كان عام 1908 عاما تاريخيا وحضاريا يتوازى فيه الإبداع مع الفكر المصرى الحديث.. ففى هذا العام .. تم افتتاح أول مدرسة مصرية للفنون الجميلة.. أنشأها الأمير يوسف كمال من ماله الخاص وهو أحد أهم رعاة الفن فى بداية القرن العشرين. بدأت الفكرة حينما قام الفنان الفرنسى غاليوم لبلان بعمل تمثال للأمير وأقنعه بإنشائها فاستجاب على الفور وأوقف عليها مساحة الأراضى الزراعية الواقعة بزمام مديرية المنيا من أملاكه وقدرها 127 فدانا وعدة عقارات بمدينة الإسكندرية.. وقد نص فى حجة وقفه: أن يصرف ريعها فيما يلزم لتدريس وتعليم مئة وخمسين طالبا بدون التفات إلى الجنسية والدين ولا يتجاوز الثلث منه من الأجانب.. على أن يقوم بالتدريس مدرسون من فرنسا وإيطاليا وأن تمنح ميدالية برونزية لكل من الطالب الأول والثانى من الناجحين بالفرقة النهائية مكتوب على أحد وجهيها «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» وعلى الوجه الآخر «تذكار من الأمير يوسف كمال». وفى 12 من مايو من عام 1908 افتتحت بحى درب الجماميز بالدار رقم 100 وهى إحدى دور الأمير كمال. كان مثال مصر محمود مختار الطالب رقم «1» بالمدرسة، وانضم إليها تباعا يوسف كامل ومحمد حسن وراغب عياد وأحمد صبرى من الرعيل الأول.. ومن هنا بدأت نهضة مصر الفنية. هذه الصفحة المضيئة من كتاب تاريخ الإبداع المصرى امتدت فى صفحات عديدة ونحن فى الألفية الثالثة بعد 111 عاما وأصبح لدينا مع الكلية الأم بالقاهرة العديد من كليات الفنون: بالإسكندرية والمنصورة والمنيا وأسيوط والأقصر. وكان التحاق البنات فى الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1950 بعد نجاحهن فى اختبار القدرات والذى كان ممتدا لثلاثة أيام وكان من بينهن الفنانة فاطمة العرارجى التى تخرجت دفعتها عام 1955 واستمر تدفق التحاق البنات للفنون الجميلة حتى حققن النسبة العددية الأكبرعلى البنين إلى أن وصلت إلى 80 % وأكثر فى بعض الأقسام. وفى السنة النهائية يقدم الطالب مشروع التخرج بعد الانتهاء من الامتحان والذى يؤكد شخصيته الفنية ويصبح قاسما مشتركا فى مجموع الدرجات.. ولا شك أن المستوى عاما بعد عام يشهد لتفوق البنات فى العدد والمستوى فى كل كليات الفنون.. وقد جاء تناولنا لمشاريع قسم الجرافيك بفنون القاهرة للعام الدراسى 2018 - 2019 لأنه يمثل حالة فريدة تجاوزت كل الحدود.. هذا مع مساحة الوفاء التى شهدتها هذه الدفعة. ويعد الفنان الحسين فوزى رائد فن الجرافيك أو ما يسمى بالطبعة الفنية..وهو الرائد الأول للرسم الصحفى.. تألقت رسومه بمجلة الشباب عام 1924 كما أنه صاحب رسوم رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» التى نشرت بصحيفة الأهرام بطول عام 1959 فى أكثر من مائة رسم.. وهو أول رئيس مصرى لقسم الجرافيك بمدرسة الفنون الجميلة العليا بعد أن تسلمه من مستر رايس الإنجليزى عام 1934 بعد عودته من البعثة وكان يدرس الفن فى فرنسا. «111 - محمد هانى» تقول دينا شريف « بكالوريوس جرافيك تصميم» عدد الدفعة 100 بقسم. الجرافيك والقسم ينقسم إلى شعبتين «التصميم المطبوع» و«الرسوم المتحركة وفنون الكتاب» فيها 4 ولاد فقط وكنا 58 بنتا وولدا واحدا فى التصميمات غير محمد هانى الذى رحل عن عالمنا «رحمه الله» يوم 9 ديسمبر 2018.. واخترنا اسمه للدفعة تخليدا لذكراه لأنه كان من الناس المؤثرة مع كل واحد فينا.. وله مواقف جميلة كثيرة معنا وباقى الدفعات متوقعتش ده مننا لأن كلنا بنات.خاصة وقد طبعنا تى شيرت عليه اسمه مع أسمائنا. وعن مشروع التخرج تضيف دينا: فهو يبدأ بعد إتمام الدفعات كلها للامتحانات يوم 1/6 بداية المشروع ونهايته 11/7 لوجود أعياد فى فترة المشروع.. مناقشة المشروع اختيارى وليس إجباريا على الطلبة لكن يفضل المناقشة للحصول على أكبر عدد من المساعدة من الدكاترة والمعيدين وتعديل الفكرة والمضمون وطريقة التنفيذ إذا فيها مشكلة وطبعا الخامة فيها حرية تامة طالما لم تتعارض مع الخامات المخصصة بالقسم فمثلا الزيت والباستيل من خامات قسم تصوير. «ليدى ماكبث» المشروع يمتزج فيه الفكر مع الإبداع من حيث اختيار الطالب للموضوع، ومن هنا تنوعت الأفكار عموما بما يمثل انعكاسا لصور الحياة اليومية ودور المرأة فى الحياة وتعزيز مكانتها ككيان مشارك جنبا إلى جنب مع الرجل بالإضافة إلى حكايات من دراما المسرح والأساطير والبحث عن الحرية بلا قيود، بالإضافة إلى جماليات الحركة وإيقاع الجسد عند المرأة فى الرقص الشرقى وغيرها من موضوعات.. وهو يمتد من الرسم إلى الحفر على الزنك والخشب..وللطالب اختيار أداة التشكيل والتعبير. اختارت إنستاسيا هانى «ليدى ماكبث» رائعة شكسبير.. وهى زوجة بطل المسرحية الأسكتلندى «ماكبث».. شخصية محورية..درامية مؤثرة واصبحت ملكة أسكتلندا بعدما دفعت زوجها لقتل الملك وقد عانت بعدها من الشعور بالذنب لإحساسها بأنها جزء من الجريمة..صارعت الموت فى الفصل الأخير والذى بدا كأنه حالة انتحار. ومن هنا صورت انستاسيا الشخصية بأبعادها النفسية ومايعتمل بداخلها من انفعالات وهواجس وأحزان وشعور بالأثم.. صورتها متوجة بنظرة مترددة مثلما صورتها متوحشة والتاج ينزاح إلى أعلى وهى تمسك بخنجرين كما صورتها متوحدة مع طائر الغراب رمزا للتشاؤم والتطير وهو أيضا الذى شهد أول جريمة فى التاريخ..اختارت الفنانة «إنستاسيا» الأبيض والأسود على ورق أصفر تأكيدا على عمق المأساة الدرامية ونوازع الغيرة والضياع. «الانتظار» هو اسم مشروع تخرج الفنانة سارة سنباطى تقول عنه: أصعب الأشياء التى تمر بحياتنا هو الانتظار.. هو ترقب للحظات حقيقية وقطيعة..كلنا ننتظر والحياة ما هى إلا تجسيد للانتظار». وبلمسة من الشفافية والنقاء صورت فتاة فى إيماءات: جالسة ونائمة محفوفة بالزهور والورود فى حالة انتظار! شادى سيد عتاب الطالب الوحيد فى دفعة التصميمات وهو مختلف فى موضوعه فمشروعه يتحدث بلغة الأضواء والظلال عن الأساطير الخرافية فى الأدب الشعبى الشفاهى والمكتوب مثل «النداهة» و«السلعوة» و«أمنا الغولة». وجسد كل هذا بالقلم الجاف وأقلام الحبر والمائيات. وهو صاحب «العمارة».. كوميك رعب مصرى شارك به فى كثير من المعارض والمسابقات والمهرجانات.. وله صفحة على «اليوتيوب» فيها افلام متحركة «رعب» قصيرة اسمها «قرين». «إشراقة الصباح» والنظر للأمام وفى مشروع «إشراقة الصباح» للفنانة دينا شريف تشير إلى أن: «فكرة المشروع جاءتنى عندما كنت أرى بعض البنات فى حالة من الضعف تجاه أشخاص أو حتى مع نفسها.. وترى الحياة بنظرة سلبية كلها إحباط وتشاؤم وفشل.. فكان المشروع بالنسبة لى رسالة لكل البنات لتكون قوية وعندها كبرياء وعزة نفس وألا تنظر للخلف وتقابل اليوم الجديد بنظرة مختلفة وان العصفور فى لوحاتى يدل على حريتها وأملها وأنها بدون قيود». وكتبت رسالة مصاحبة لمشروعها تقول: «مرحبا.. أوجه لك هذه الرسالة لتبدين سعيدة لأنك تستحقين ذلك.. لا تكترثى لأمر قد مضى وحاربى من أجل لحظة اليوم.. كونى على يقين بأنك تستحقين دوما أن تكونى سعيدة وقلبك يكون أكثر إشراقا ابتسمى ولتكن ابتسامتك بداية صباحك ولا تدعى أحدا يهزم ابتسامتك الجميلة». واختارت دينا زميلتها «إنستاسيا» موديلا لها وجسدت فيها مع شخصيتها الحالمة بنعومة شديدة روح إشراقة الصباح.. ساهم فى ذلك رهافة الأداء من نعومة الملامس التى بدت فى الإشراقة المتفائلة مع الملابس الهامسة بالدانتيلا.. بألوان الخشب التى تألقت بلمستها. وجاء مشروع سمر محمود.. حول «قابيل وهابيل» وأول جريمة فى التاريخ وكأنها تدق ناقوس الخطر على ما نحن فيه الآن من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان واتساع بؤر الصراع فى العالم. بينما جاءت لوحات مرام أشرف «حفر زنك» تجسيدا لجماليات الحركة عند الراقصة سامية جمال وإشراقا لإيقاع الجسد وكيف يسمو ويرق بالأسود ودرجاته اللونية العديدة. أما الفنانة شيرين العقاد فجاء مشروعها «قيود» فى ثلاثية لونية من الأحمر والأبيض والرمادى ورمزية تؤكد معاناة المرأة داخل المجتمع والقيود المفروضة عليها وقد تألقت أعمالها وفاضت بالتعبير بين الصمت والبوح وبين القيود التى جعلتها بنفس قماش الرداء تحيط بالساق أو الذراع.. فهى مجرد أحاديث ونظرات تتناقل بعيدا عن القيود الحديدية. وكانت الغلبة فى المشاريع لفن الرسم والحفر على الزنك مع مشروع الفنانة سلمى علاء الدين «حنين» الوحيدة بالدفعة حفر على الخشب..وهناك مشاريع اخرى بالدفعة عن فقدان الأب. ووراء كل هذا الفكر والفن متابعة وإشراف من أساتذة القسم الدكاترة: أحمد نوار وياسر منجى ومحمد رشدى ومى منيع وسهى الموصلى ومى صبرى وايهاب كشكوشة. تحية إلى بنات الفنون الجميلة فنانات قادمات يعلن عن معنى الفن بلمسة الإصالة والحداثة. صرخة فاطمة رسلان التشكيلية من أجل المرأة فى 13 لوحة، جاء مشروع التخرج للطالبة فاطمة رسلان بكلية الفنون الجميلة «القاهرة» قسم التصوير الجدارى.. بمثابة صرخة تشكيلية احتشدت من خلالها بدنيا الأضواء والظلال والخطوط والمساحات، من أجل إدانة العنف ضد المرأة عموما مع تناول موضوع الختان الذى يمثل اعتداء صارخا على حواء ماديا ومعنويا.. وقد اشتملت الأعمال على تعبيرات درامية مؤثرة من خلال الكولاج من صور الفوتوغرافيا مع الحروفية التى امتدت فى عبارات تؤكد وجهة نظرها وتدين سلبيات تلك العادة الموسومة بالجهل.. مع توليفات من الزجاج وكسر الرخام والألوان ومختلف العناصر من الشفرات الحادة وقبضة اليد وصور الطفولة البريئة.. كل هذا جاء بعنوان «استوصوا بالنساء خيرا».