مارى أسعد واحدة من رائدات العمل الاجتماعى الأهلى فى مصر، اهتمت بمساعدة الفقراء والمهمشين منذ أن كانت شابة صغيرة فى أربعينيات القرن الماضى، تعمل مع الجمعيات الأهلية لمحو أمية البنات الفقيرات ومساعدة مرضى السل وأسرهم. كرست مارى أسعد جزءًا كبيرًا من حياتها لقضية ختان الإناث، بعد أن اقتنعت منذ وقت مبكر بأن ممارسة ختان الإناث تمثل تجسيدًا حقيقيًا للثقافة الذكورية التى تسعى للسيطرة على أجساد النساء وانتهاك حقوقهن، ليس فقط فى السلامة الجسدية بل فى الكرامة الإنسانية أيضًا. فكانت أول باحثة مصرية فى العلوم الاجتماعية تجرى دراسة عن الدوافع الاجتماعية والثقافية الدافعة لاستمرار ختان الإناث فى مصر فى عام 1979. ورأست قوة العمل المدنية لمناهضة ختان الإناث منذ عام 1994 والتى ضمت مجموعة كبيرة من الجمعيات الأهلية والباحثين والنشطاء فى مجال حقوق المرأة. وكانت جهود هذه المجموعة والسعى الدءوب لمارى أسعد هي حجر الأساس لكل المكتسبات التى تمت نحو القضاء على ختان البنات فى مصر فى الفترة الماضية، وعلى رأسها وضع برنامج وطنى لمناهضة ختان الإناث ضمن برامج الحكومة منذ عام 2003. وصولًا لإصدار قانون لتجريم هذه الممارسة في 2008 وتغليظ العقوبة فى 2016، ليصبح ختان الإناث جناية عقوبتها السجن من 5 إلى 7 سنوات بعد أن كان عرفًا وتقاليد منذ آلاف السنين ، ووضعت القضية على قائمة اهتمام المجتمع والإعلام وأجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية والقانونية. بداية القصة قصة مارى أسعد الشخصية مع ختان الإناث تعكس دلالات اجتماعية وثقافية مهمة جدًا. فقد كانت عائلتها التى تنتمى إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى القاهرية ولديها ثلاث بنات تتمنى أن يكون المولود الرابع ذكرًا، فجاءت مارى أسعد فى 16 أكتوبر 1922 لتكون البنت الرابعة ذات البشرة السمراء، ومات جدها وقت ميلادها. فصارت الطفلة المنبوذة فى العائلة. وكانت إحدى علامات النبذ أن أمها قررت عدم ختانها مثل أخواتها البنات. أشعرها عدم ختانها بأنها أقل من قريناتها وأخواتها وأنها قد لا تتزوج. إلى أن سافرت عام 1952 للمشاركة فى مؤتمر حول قضايا المرأة فى جنيف بسويسرا، وكانت مفاجأتها الكبرى عندما ناقشوا موضوع ختان البنات فى المؤتمر، واكتشفت أنها ممارسة عنيفة وتؤثر سلبًا على الصحة النفسية والجسدية للمرأة. رجعت مارى من هذا المؤتمر وهى تشعر أن أمها قد حمتها بدلاً من عقابها، ولتكون داعية ضد ختان الإناث. القصة تعكس مدى تجذر ختان الإناث فى ثقافة جميع الطبقات الاجتماعية فى هذا الوقت، وأن تغيير العادات والتقاليد يلزمه توفير المعرفة والعلم للمجتمع ليستطيع تكوين ثقافة بديلة ووعى حقيقى..عملت مارى أسعد لسنوات طويلة مع العاملين فى جمع القمامة وأسرهم بحى المقطم منذ ثمانينيات القرن العشرين من خلال جمعية حماية البيئة، فقدمت نموذجًا متكاملًا للتنمية البشرية من مشروعات لتدوير القمامة والتوعية الصحية والتعليم ومشرعات للتنمية الاقتصادية للمرأة والأسرة. وأثبتت من خلال هذا النموذج أن الاهتمام بتنمية المرأة الصحية والتعليمية والاقتصادية يصب دائمًا فى الارتقاء بالمستوى المعيشى والاجتماعى للأسرة، ومن ثم المجتمع بشكل عام..عرفت مارى أسعد وصادقتها سنوات طويلة، رغم اختلاف الأجيال والخبرات بيننا «فهى تنتمى إلى جيل جدتي»، وامتد حوارنا فى جميع الموضوعات والقضايا المتعلقة بالتنمية والسياسة والدين والعلاقات الإنسانية. تعلمت من هذه العلاقة أن الصداقة وتلاقى الأرواح والأفكار تتجاوز عامل السن والخلفيات الاجتماعية، بل إنها تكون أمتع وأعمق إذا تجاوزت المعايير التقليدية. وأن الصداقة ونقل الخبرات بين الأجيال المختلفة هى علامة صحة وحيوية فى المجتمع. تعلمت أيضًا أن ثورية الأفكار والمواقف ليست حكرًا على الشباب. فانحياز هذه السيدة للعدالة الاجتماعية بجميع أبعادها وتحرير المرأة والرجل من قهر المجتمع الذكورى وللأفكار الدينية المنفتحة والمتسامحة، تعكس ثورية وشبابية قد لا تجدها عند بعض الشباب. المختلف فى مارى أسعد أنها حاولت دائمًا تطبيق مبادئها الفكرية فى حياتها الشخصية والعملية ليحدث التقارب بين القول والفعل. وستظل أهم المبادئ التى عملت بها وبشرت بها أصدقاءها : أن المعرفة قوة ، وأن بناء الرأس المال الاجتماعى للإنسان من العلاقات الاجتماعية والصداقات الحقيقية القائمة على الثقة والمحبة هى أعظم ما يملك فى الحياة.•