تتميز ثقافات المجتمعات الشرقية بالنزعة إلى عدم إنكار أو جحد بل الاعتراف بالغيبيات بصفة عامة على اختلافها، وهو ما قد يرجع إلى التأثير الروحانى النابع من الأديان السماوية والمعتقدات الاجتماعية والموروثات الراسخة التى تعتبر على سبيل المثال أن الإيمان بالقدر أو وجود مخلوقات غير مرئية كالملائكة أو الشياطين أمر ديني أو مسلم به. على النقيض من ذلك، تتوقف غالبية تلك الثقافات عند بعض الحقائق فى محاولة لإغفال وجودها أو تجاهلها أو إنكارها بالكلية رغم أنها أمر واقع، لكنها تتعارض مع ما نراه صحيحاً أو يتفق مع تقاليدنا ونظرتنا إلى طبائع الأشياء أو ما ينبغى أن تكون. أشعل حفل فرقة (مشروع ليلي) الغنائية اللبنانية الذى أُقيم بأحد المجمعات التجارية الشهيرة مواقع التواصل الاجتماعى التى أصبحت ساحة لآراء رافضة وأخرى غير ممانعة لواقعة رفع علم ال(رينبو) ال Rain bow الذى يرمز إلى المثليين أو الشواذ جنسياً Homosexuals خلال الحفل. أعلنت وسائل الإعلام المصرية القومية والخاصة على السواء الحرب على المحاولة الغاشمة من جانب المثليين لإعلانهم عن تواجدهم فى مجتمعنا (فجأة) مطالبة بضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة لحماية المجتمع من انتشار تلك الظاهرة؟ بينما انصب اهتمام الصحف الأمريكية والأوروبية على إبراز الاضطهاد الذى يعانيه الشواذ والمتحولون جنسياً كأقلية من جانب (السلطات) المصرية دون الإشارة إلى النظرة المجتمعية السائدة لمن ينطبق عليهم ذلك الوصف! المثليون بالميلاد! غاب عن الكثيرين خلال تلك الجلبة إيضاح بعض المفاهيم حول ما يسمى بالمثلية الجنسية Homosexuality فهى علمياً الميل لنفس الجنس أو الرغبة فى الارتباط عاطفياً وجنسياً به دون الجنس الآخر وفق القاعدة السائدة، لذا كان نقيض المثلية هو التنوع الجنسى Heterosexuality أى تباين الميل الجنسى أو الرغبة فى الجنس الآخر. يسود الاعتقاد فى مجتمعنا بأن الشذوذ الجنسى (المعيب) يختص به الرجال دون النساء، إلا أنه بالرغم من عدم دقة ذلك علمياً فقد تركزت الأبحاث العلمية بالفعل على المثلية لدى الرجال لمحاولة تفسير ظاهرة بعينها وهى (المثليون بالميلاد!). حاول بعض العلماء إثبات وجود موروثات جينية من خلال دراسة الحامض النووى لعدد من المثليين وآبائهم، إلا أنها لم تسفر عن نتائج ملموسة فى ظل وجود بعض الحقائق التى لم يستطيعوا تفسيرها وهى أنه فى حالات التوائم المتطابقة يكون أحدهما فقط مثلياً والآخر طبيعيا؟ ليس من المعتاد أن يكون الشذوذ الجنسى محلاً لحوار علمى جاد، بل يغلب على الجدال فى العادة إسباغ أوصاف الازدراء الاجتماعى أو التهكم اللاذع عليهم. بطابع الحال، يحدث ذلك لأن كافة أطراف النقاش ليسوا مثليين؛ أو أنهم فى حقيقة الأمر ليس فى إمكانهم الإعلان عن ميولهم الشاذة فى مجتمعنا. ما الذى قد تتوقعه إذن إذا ما ناقشت بكل صراحة تلك التساؤلات مع أحد المثليين؟! الفكرة تبدو مشوقة، أليس كذلك؟ أتيحت لى الفرصة للعمل لمدة عام ونيف فى إحدى المنظمات الدولية التى تضم ما لا يقل عن 120 جنسية لتنفيذ مشروع يهدف لتوثيق سنوات من الأبحاث والدراسات إحصائياً. أثرت تلك الفترة قدرتى على فهم وإدراك كيف تفكر العديد من الشعوب خاصةً الأوروبية وتبنى آرائها ومواقفها تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية. أسندت لى فى تلك الأثناء مهمة المشاركة فى أحد فرق العمل ترأسه أحد المتخصصين الأوروبيين الذين يتسمون بالجدية والانضباط والتميز فى عملهم بلا مبالغة، إلا أن مشكلته أو مشكلتنا كفريق عمل- كلنا بلا استثناء- تمثلت فى كيفية إطلاق لقب (سيد أم سيدة Mr./Mrs) لأنه/ لأنها يبدو من الناحية البنيوية رجلاً إلا أن بياناته الشخصية فى العمل تشير إلى أنه أنثي! قد تندهش عندما تعلم بأننى لم يكن لدى أى مشكلة شخصية فى التعامل مع زميلي/ زميلتى بخلاف آخرين كانوا يبدون امتعاضهم وضيقهم ضمنياً بسبب ميوله الجنسية التى لا تمت بأى صلة بقدراته العلمية والعملية، كما زادت وطأة تلك الحالة عندما أحضر/ أحضرت رفيقها (Boyfriend) إلى الدولة التى كنا نعمل بها مثلما أحضر الباقون عائلاتهم. الأكثر غرابة أن الممتعضين كانوا من الأمريكان! إلا أن مواقفهم لم تتجاوز الإيماءات والتلميحات لسبب واضح تماماً، فالمنظمات الدولية لا تسمح مطلقاً بتطرق الحديث للإقلال من شأن (الأقليات) بأى صورة وإلا كانت العواقب وخيمة. فى أحد الحوارات الجانبية التى جمعتنا بالسيد/ السيدة؛ إلى وضعه الاستثنائى بصورة دفعتنى إلى التساؤل عن أسباب ذلك، إلا انه فيما يبدو أراد شرح حالته لبعض أعضاء الفريق لسبب ما! أسهب خلال حديثه عن الفرضية العلمية بوجود احتمالية أن تكون الأم أثناء فترة الحمل مسئولة عن ولادة ابن لديه ميول شاذة بسبب مهاجمة الأجسام المضادة لدى الأم للبروتين المكون لكروموسوم Y الذى يحدد ذكورة المولود ويكون مسئولاً أيضاً عن ميوله الجنسية! كما استعرض الحالات المسجلة علمياً عن التشوه فى هرمونات الذكورة والأعضاء الجنسية لدى بعض المواليد الذكور والإناث على السواء والتى تؤدى إلى مشكلاتهم المزمنة وتدفعهم إلى التحول جنسياً. أستطيع بعد مرور سنوات طويلة تفسير سبب تصريحه لنا بتلك المعلومات، وذلك بعدما أنارت واقعة رفع علم الرينبو الأخيرة بصيرتى. باختصار شديد، يريد المثليون والمتحولون جنسياً - بغض النظر عن الأسباب العضوية والنفسية التى أدت إلى ذلك- الإعلان عن أنفسهم وممارسة حياة اجتماعية طبيعية دون التعرض للفظ المجتمعات الذين يعيشون فيها. تمكن المثليون من الحصول على اعتراف غالبية المجتمعات الغربية (وليس جميعها كروسيا على سبيل المثال) بإمكانية إعلان ميولهم بأماكن عملهم وبأوساط جيرانهم، بل تمكنوا من الالتحاق بأجهزة الشرطة المدنية وبالجيوش النظامية فى بعض البلدان أيضاَ، إلا أن العقائد الدينية والعادات الاجتماعية تقف بصرامة أمام تطبيع العلاقات والقبول الاجتماعى بالشواذ فى المجتمعات الشرقية بصورة عامة. هنا تقف إشكالية نختص بها فى مجتمعنا؟! هناك اعتقاد جازم بأن بعض المشاهير فى عالم الفن والإعلام والسياسة لديهم ميول شاذة، بل إن هناك شكوكًا دائمة فى أولئك الرجال ممن تمكنوا من تحقيق النجاح فى حياتهم العملية وقادرون مالياً، إلا أنهم لم يتزوجوا حتى بلوغهم مشارف العقد الخامس من العمر، إلا إذا ما عرفوا بأنهم متعدد العلاقات النسائية! على غرار بعض نجوم السينما العالمية من المعروفين بالرجولة (المفرطة) والذين أثار الإعلان عن ميولهم الجنسية الشاذة سواء فى حياتهم أو بعد وفاتهم حالة من الدهشة والاستنكار. التعاطف مع الشواذ فى ذات السياق، تغلب علينا حالة من التعاطف مع الشذوذ الجنسى فى بعض الأحيان باعتباره عرضاً لحادث اعتداء جنسى منذ الصغر! لا توجد حالات مسجلة أو معروفة لاعتداءات على شواذ جنسياً إذا ما تم اكتشافهم بطريق الصدفة، إذن ما الذى أغضبنا فى واقعة علم الرينبو؟ الحقيقة تؤلم فى كثير من الأحيان، فوجود الشواذ معروف ومتيقن إلا أنه لا يثير أية مشكلة إذا لم يعلنوا عن أنفسهم، يمكنك أن تكون فناناً، مطرباً، مخرجاً، وزيراً بدون أن تعلن عن شذوذك، فنحن لا ولم ولن نقبل بذلك. فى مقدورك أن تفعل ما تريد دون أن تخبرنا أو تصدمنا، هل وصلت الرسالة؟