نزلت إلى الشارع فى معايشة لحال المواطن بعد ارتفاع الأسعار، لأفاجأ بعالم بديل لا يعرفه جميعنا وهو عالم «الرخيص».. تكتلات بشرية لا تعرف ولا تنتظر كلمة sale ليبدأ موسمهم الشرائى ولكن تجدهم هناك، حيث أسواق البالة لشراء الملابس، وفى أسواق بواقى اللحوم حول كومة من هياكل الفراخ أو ما يعرف بفواكه اللحوم، للحصول على بعض العظام ليصنعوا بها وجبة ساخنة. إنهم لا يعرفون السوبر ماركت، ولكن تجدهم فى أسواق الجملة وهناك تجدهم يسألون عن السلعة بسعرها لا بخامتها وجودتها. بعد أن تشابهت وجباتهم فلم يختلف الإفطار عن الغداء أو العشاء، هذا إن اكتملت الوجبات إلى الثلاث أصلا.. ملايين الأسر المصرية التى اختفت فيها الطبقة الوسطى وأصبح أكثر من نصف الشعب ينتمى إلى الطبقة الأقرب إلى الفقيرة، حيث أصبحت تواجه كارثة حتى فى الطعام الرخيص، بعد أن ارتفعت أسعاره هو الآخر، فذهبنا إلى باعة الأجنحة وعظام الدجاج والكرشة ولحمة الرأس وفوجئنا بأن حركة الشراء لم تعد كالسابق، فقد هجرها كثير من الزبائن لارتفاع أسعار الهياكل أيضا وظهرت طبقة جديدة ممن يطلبون حجز كمية من الهياكل لشرائها مجمعة. أما عن الزبائن الذين كانوا قد اعتادوا فى السابق شراء هذه الهياكل فلم تعد أسعارها تناسب حالتهم المادية وبدأوا يبتكرون وجبات ساخنة من أرجل الماعز والغنم! كان إقبالهم على أرجل الحيوانات وأحشائها ليس لأن معدة المصريين تهضم الزلط، ولكن لأن جيوبهم تنفض الأتربة، وأصبح اختيار الطعام ليس وفق ما تشتهيه الأنفس، ولكن وفق ما تحمله الجيوب. • للعرض فقط وفى أسواق اللحوم ابتعدت تماما عن اللحوم زاهية الحمرة المعلقة على عتبة محلات الجزارة التى كان يبدو عليها أنها للعرض فقط، وسألت الجزار عن الممبار «باعتباره المعروف لى»، وفوجئت به يقول الممبار ده بالحجز وبيتباع قبل ما ندبح أساسا، وبسؤالى له كصحفية عن حال سوق اللحوم ومدى الإقبال عليها، خاصة أننى شاهدت لافتة معلقة على باب المحل وفيها تسعيرة كل أجزاء الحيوان ما عدا سعر اللحمة فقال لى: «اللحمة مبقتش للبيع ولكن للفرجة فقط، والبيع للكرشة والفشة والممبار والكوارع، وحتى هذه الأجزاء مش بقت للغلابة زى ما الناس فاكرة. دى بالحجز والواسطة كمان، وكل زباينها من الموظفين وعليها خناقة». • ربنا مايحكم عليكى وبعيدا عن خناقة الجزار كان هناك على بعد خطوات منه سيدة عجوز تجلس وأمامها طشت كبير به بعض العظام التى لم أعرف هويتها، وعندما سألت إحدى زبائنها من السيدات قالت إنها كوارع ماعز، شعرت بحالة من الصدمة لشكلها ومدى إقبال الناس عليها لانخفاض سعرها الذى يصل إلى 10 جنيهات، ولكن كما اعتاد المصريون أن يصنعوا من الفسيخ شربات، وهذا ما قالته لى الزبونة التى أنهت كلامها لى قائلة: «ربنا ما يحكم عليكى»! أما عن بائعى الطيور فهناك أكوام من هياكل الطيور والكبد والقوانص والأرجل والأجنحة التى كانت تعرض فى السابق على استحياء والسؤال عنها كذلك يكون بشىء من الخجل، ولكنها الآن تعرض على قائم معدنى بكميات كبيرة، وبسؤالى للبائع عن حركة البيع يقول أشترى 5 أقفاص فراخ بيفضلوا أسبوع مايخلصوش ويتباع منهم 10 فرخات بالكتير، والناس ربطت على بطنها لقلة الفلوس وبطلت تشترى الفراخ لأنها كل يوم بتغلى، أما عن زبائن الهياكل فقال: زمان كنت ببيع هياكل الطيور للناس اللى بتربى قطط وكلاب، دلوقتى ناس كتير بتيجى تسأل عليها، والكيلو وصل 11 جنيه، وساعات والله بنبيع بالخسارة لما تكون فى ست غلبانة نفسها تشرب شوية شوربة ولا تعمل عليها محشى بنبيعها ب5 جنيه لأن الناس حالتها بقت تصعب على الكافر والرزق بقى على الله! • الرغيف الكسر تجولت فى السوق ومن أمام أحد مخابز العيش المدعم كان الجميع يقف فى طابور انتظارا لرغيف الخبز، ولكن وجدت من تخرج من بين الصفوف فى صعوبة وهى تسحب كيسا كبيرا مملوءا بأجزاء من العيش انتظرتها حتى تبتعد قليلا عن هذا الزحام وتحدثت معها فى رفق عما تحمله فى هذا الكيس، فقالت إنها ليس لديها بطاقة تموين لشراء العيش المدعم ولكن اتفقت مع العامل فى المخبز أن يبيع لها العيش الكسر زى الرغيف المعووج والملخبط وتاخده ب 3 قروش للرغيف لأن الرغيف بره وصل ل 75 وجنيه. أما عند البقال فهناك تحويشة لكل ما يفسد ليشتريه آخرون.. قد تبدو الجملة غريبة، ولكن هذا هو الواقع فعند البقالين وبائعى الجملة فوجئت بأنهم يقومون بتخزين بعض السلع التى فسدت أو أوشكت على الانتهاء لبيعها بسعر أرخص، فهناك البيض المكسور وكسر الأرز والمكرونة وبواقى زيت التموين «السايب»، وكل حاجة بتمن ولكن أقل بالطبع كثيرا من سعرها العادى، وعن زبائن هذه البواقى قال عم حسين بقال: «طبعا دى من الحاجات اللى لها ناسها وزباينها كتير، لأن سعرها بيكون أقل، وزمان كانت الناس بتشتريها للفراخ لكن الزمن اتغير وبقوا ياكلوها ويعملوا منها أكل يسد جوعهم، ودلوقتى كل حاجة بقت بتتباع بالفلوس مش بالوزن، يعنى فيه 5 جنيه سمنة و3 جنيه زيت لأن مش كل الناس عندها فلوس تجيب إزازة زيت كاملة أو علبة سمنة. الوجوه فى السوق جميعها يعلوها السخط والحيرة وهناك لمحتها، امرأة عاملة تتجول بين بائعى الخضار، لكن لا تشترى شيئا، حتى وجدتها تتحدث مع أحد البائعين وتسأله عن «شروة طماطم» والمقصود منها كما شرح لى البائع «أنها الطماطم غير السليمة التى فيها بعض العطب وتتباع شروة بسعر أقل من الطماطم الصحيحة. ووجدتها تفعل كذلك مع بائع البصل فتشترى الأصغر حجما والأقل سعرا، وعندما سألتها عن تدبير أمور بيتها فى ظل ارتفاع الأسعار قالت: «أنا موظفة بالشهر العقارى ومرتبى لا يتناسب مع هذه الأسعار تماما، بشترى الحاجات اللى تناسب الفلوس اللى معايا وبنقضيها باللى ربنا يرزقنا بيه، وفى يوم الجمعة عشان الأولاد بيكونوا فى البيت وكلنا متجمعين بعمل طبيخ زى كرشة بالصلصة والبصل وبتكون طعمها زى كباب الحلة اللى بيقولوا عليه». • أسواق البالة ومن أسواق الطعام إلى الملابس، حيث أسواق البالة وعلى رأسها «الوكالة».. مول الفقراء سابقا، والجميع حاليا.. نعم الجميع يذهب هناك بحثا عن قطعة ملابس تناسبه وفقا لذوقه وماله أيضا. فهناك بقايا الاستيراد أو تلك المستعملة التى يتم تهريبها إلى مصر على اعتبار أنها مخلفات، ثم يدخلونها المغسلة، ثم يتم كيها وتعلق للبيع. والقطعة تتراوح بين 10 و50 جنيهًا. ولكن أكثر ما أحزننى فى نهاية جولتى بأسواق أحيائنا الشعبية كانت تلك الحفاضات مجهولة المصدر التى يبيعها بائعو المناديل بالقطعة، وفوجئت أن عليها إقبالا كبيرًا وتكون بالفعل أقل سعرا من تلك التى بالصيدليات، ولكن كنت أتعجب من الأمهات اللاتى أقبلن على شرائها وهن لا يعرفن أنهن يشترين المرض لأبنائهن لأن هذه الحفاضات كما عرفت من الصيدلى المجاور لهذا البائع الذى سألته عن سبب إقبال كثير من السيدات لشراء هذه الحفاضات والتى لا تحمل بعضها اسما تجاريا فقال: «إن كثيرات من الأمهات يلجأن لشراء هذه الحفاضات لأنها الأرخص سعرا ولكنهن لا يعلمن أنها نوع من أنواع إعادة تدوير القمامة ويتم تصنيعها بمصانع بير السلم، لذلك فهى غير مطابقة للمعايير والمقاييس الصحية ولا تحمل اسمًا تجاريًا معروفًا أو تصريحًا من وزارة الصحة، ولكنها تحمل العديد من البكتريا والجراثيم، فالألياف التى يتم صنع هذه الحفاضات بها ألياف صناعية وليست قطنية كما فى المعايير الصحية، وبالتالى تأتينا الأمهات وهن يشكون من كثير من الالتهابات التى يعانى منها أطفالهن التى تصل فى بعضها إلى حالات خطيرة نوصيها بالذهاب فورا إلى الطبيب.•