جراب حاوى الانتخابات الرئاسية الأمريكية لا تنتهى عجائبه.. زمان، كان حاوى تلك المظاهرة يخرج لنا تصريحا لاذعا هنا وهناك أو يعرض علينا وثيقة مسربة تدين هذا المرشح بأنه فعل كذا وكذا، ثم يهدأ.. وحتى الأمس القريب نزع الحاوى من قبعته فضيحة تهرب ترامب (المرشح الجمهورى) من الضرائب بما يوازى مليار دولار.. ومن قبلها أزاح الستار عن إغماءة لهيلارى (المرشحة الديمقراطية) لم يحدد سببها، وقلنا هو ده آخره.. ولكنه أتحفنا بتعرية الجمهورى (الشرير) لرأى ميشيل أوباما (السيدة الأولى حرم الرئيس الديمقراطى) فى هيلارى كلينتون عندما كانت تنافس زوجها عام 2007 على المنصب الرئاسى حين قالت لها «أنت يا أختى ما عرفتيش تدورى بيتك، ح تعرفى تدورى البيت الأبيض؟؟». وياليت الأمر وقف عند هذا الحد!! بل دخلت فى العميق بعد أن فتحت أبوابها لخناقة معلوماتية تقنية دخل فيها أطراف ليسوا من اللاعبين الأصليين ولا من بتوع دكة الاحتياطى.. ممكن تقول وأنت مستريح، «محترفين على مستوى عالمى من خارج الحدود».. نزلوا الملعب دون تعاقد وحتى لم يؤدوا تمارين التسخين اللازمة، وفجأة سجلوا هدفاً، لم يره الحارس. ما علينا.. الحكاية بدأت فى أوائل شهر يوليه الماضى عندما نشرت بعض وسائل الإعلام الروسية محاضر اجتماعات Top Secret غاية فى السرية «تخص تكتيكات الحزب الديمقراطى الأمريكى لتفعيل حملة الانتخابات الرئاسية الحالية». بكل المقاييس هى المرة الأولى التى يحدث فيها سطو على مثل هذه التقارير، وتتهم روسيا بشكل مباشر بأنها تقف وراءه.. أنكر الرئيس بوتين ورجالاته الواقعة بشدة ووصفوها بأنها «كلام سخيف وانفعالى ولا يستند إلى أى حقيقة»، وقالوا «ما لنا احنا والانتخابات بتاعتكم، هو أنتم مش لاقيين دعاية للحزب الحاكم إلا تلفيق التهم للآخرين بهدف جذب المزيد من الأصوات».. واستنكروا فى نفس الوقت ما قامت به هيلارى كلينتون من ربط «مفتعل» بين القرصنة التى تعرض لها حزبها والمديح الذى كالته موسكو لمنافسها ترامب، ونفوا أى مصلحة لهم فى العمل «لصالح» الحزب الآخر».. وأكدوا أن فوز أى من المرشحين لا يعنيهم إلا من زاوية احترامه للعلاقات بين البلدين على جميع المستويات!! وذكروها بمستويات التطابق فى الرؤية بين الطرفين أيام كانت تتولى وزارة الخارجية الأمريكية. استطاعت هذه الحكاية خلال أقل من أربع وعشرين ساعة أن تجذب ملايين التعليقات فوق صفحات وسائل التواصل الاجتماعى، تنبأ بعضها أن تؤثر نتائجها على العلاقات بين العاصمتين العالميتين.. وصنع البعض الآخر منها نكات لا حصر لها.. وشكل منها فريق ثالث سيناريوهات يتمتع عدد منها بحبكة درامية لافتة. يا نهار مش فايت.. هكذا وصفت وسائل الإعلام الأمريكية الحالة.. وفى التو واللحظة تصاعدت الاتهامات المتبادلة بين واشنطنوموسكو.. أنتم سرقتم.. لأ ما سرقناش.. أنتم ورا كل مصيبة تحصل للشعب الأمريكى.. دوروا على غيرنا، إحنا ما لناش فى لعب الصغار ده.. طيب إحنا ح نوريكم.. وإحنا فى الانتظار. لم تهدأ الزوبعة، بل زاد صخبها.. امتدت يد القراصنة العابثة مرة أخرى إلى قاعدة بيانات الناخبين - وليس الأحزاب - بولايتى أريزونا وإلينوى ونشرت كل ما يتعلق بهم على الملأ.. وتأكد لكل ذى عينين أن امتلاكهم لمثل هذه المهارات يعنى قدرتهم على تبديد آلاف الأسماء وتزوير المعلومات الأساسية عن بعضها الآخر أو إخفائها كلية!!، وقرروا أن يكون لواشنطن موقف «فورى» من شأنه أن يضع موسكو عند حدها. • صيحة الحرب هى إذن صيحة الحرب الباردة فى طورها التقنى المتطور. .أولى الخطوات مهنية ، قام بها جى جونسون وزير الأمن الداخلى.. بعقد عدة اجتماعات فورية مع مسئولى الانتخابات فى الولاياتالأمريكية وركز على ضرورة المتابعة اليومية على مدار الساعة لأى محاولة اختراق والعمل فوراً على تقوية أساليب الحماية الإلكترونية بمزيد من الأسوار الأكثر حداثة والأشد تعقيداً. وكانت ثانيهما إعلامية، تضافرت من خلالها جهود الخبراء والإخصائيين لفضح القراصنة الروس فى جميع الوسائل، خاصة الأوروبية، للتأكيد على ثلاث حقائق يرونها جوهرية. .الأولى.. استحالة التأثير على رأى الناخب الأمريكى، لأنه يرفض أى وصاية داخلية كانت أو خارجية ويعرف من سيختار لتولى منصب الرئيس دون توجيه من أحد. الثانية.. قدرات الأجهزة الأمريكية فى هذا الميدان لا مثيل لها، وستتعرف عليها الأجهزة الأمنية الروسية فى الوقت المناسب. الثالثة.. أن تَستر روسيا على الفاعل الحقيقى سواء كان مسئولاً تنفيذيا أو حزبياً أو حتى عميلاً يتقرصن لحسابها، لن يطول وقته وستكشف لعبته القذرة فى وقت قريب. كل ده كلام زين.. لكن ما العمل وروسيا لا تعترف بأنها هى التى قامت بالاختراق.. أو حتى بأنها تقف وراءه؟.. الرئيس الروسى بأعصاب باردة يقول «فين الدليل».. ولما ما يردش عليه أوباما، يكمل تهكمه «بدل ما ترموا بلاويكم علينا، اجتهدوا فى الكشف عن الفاعل». ومؤخرا نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية 16 أكتوبر أن إدارة الرئيس أوباما طلبت من ال C.I.A. أن تستعد للقيام بهجوم انتقامى ضد قواعد معلومات مؤسسات دولة روسيا ورءوسها الكبيرة.. وردت صحيفة «إزفستيا» الروسية فى اليوم التالى بهدوء يشى بما بين السطور، أن الجيش الروسى انتهى من تأسيس شبكة أطلق عليها «القطاع المُغلق لنقل المعلومات وللتواصل بين قطاعاته ومؤسسة الرئاسة». واشنطن عندها خطط الهجوم الجاهزة للانطلاق فوراً للعبث بأسرار روسيا فى جميع المجالات خاصة العسكرية.. وموسكو أصبح عندها «شبكة عسكرية» لا صلة لها بشبكة العنكبوت العالمية ولا يمكن -حسب ما قالته إزفستيا - اختراقها إلا عن طريق أجهزة كمبيوتر لها مفاتيح مشفرة ومسجلة لدى هيئة حماية أسرار الدولة!! ومؤمنة بسلاسل حماية تملك قدرات التعرف على من يحاول السطو عليها والقيام بنسفه فى مكانه. • أهداف محددة لا نبالغ عندما نقول إن دوائر التقنيات وقواعد المعلومات وكل ما تحتويه ومعها نقاط التماس بين المعسكرين الروسى والأمريكى، أصبحت بالفعل أهدافا محددة لصواريخ الاختراق ومخططات القرصنة وعمليات السطو المعلوماتى المتبادلة بين واشنطنوموسكو.. الجميع يعرفون أن كلا الطرفين أصبح جاهزاً ومستعدا، لكن لا أحد يعرف متى تشن أولى معارك الحرب المعلوماتية الباردة؟ فى انتظار أن يقع هذا الهجوم البارد، نذكر فقط أن السطو المعلوماتى ليس بجديد ولم يعد يحتاج إلى احتضان الدولة ولا لرعايتها، لقد تحول إلى أدوات ترفيهية ثم إلى نظم ألعاب بريئة وغير بريئة، ثم إلى معارك حربية تحولت إلى مباريات يتنافس فيها الشباب حول من يدخل إلى المكان «سين» قبل أقرانه ويحصل منه على مستندات غاية فى السرية أو على حساب بنكى لواحد من المشاهير.. إن عمليات القرصنة أصبحت منذ فترة طويلة اليوم فى متناول يد الأفراد كما الحكومات، والجميع يسعى لإختراق أعتى الأسوار وأشد الأماكن تحصيناً.. بلا كلل ولا ملل حتى لو تواصلت المحاولات الفاشلة آلاف المرات.. لأن صاحب المحاولة على يقين أن هدفه سيتحقق فى المرة التالية. إن السوابق فى ميدان السطو والتخريب والقرصنة منتشرة وأخبارها متداولة بشكل يكاد يكون لحظى، كحكايات المشاهير من الفنانين والرياضيين.. يطالعها البعض من باب التسلية والبعض الآخر باعتبارها مقدمة لأول حرب إلكترونية باردة. •