«محتاجة أعرف إزاى أحافظ على نفسى، وعلى جسمى وعلى صحتى، أنا شايفة إنها حاجات مهمة، وتستحق انى أعرف كتير عنها بالنسبة لى وبالنسبة لسنى، لأن فيه حاجات أنا مش مهم أعرفها دلوقت».. هذه العبارة التى قالتها إحدى الطالبات بمدرسة ثانوية بالمعادى، هى التى قادت الدكتورة فاطمة الزهراء جيل، مدير إدارة البحوث بالمجلس القومى للسكان، إلى إجراء دراسة عن دروس الصحة الإنجابية والجنسية فى المناهج الدراسية بالمدارس، ومدى تلبيتها لاحتياجات الطلاب فى هذه المرحلة. أجرت د.فاطمة الدراسة تحت عنوان «رأى طلاب المدارس فى جودة تعليم الصحة الإنجابية»، وقابلت فيها أكثر من 300 طالب وطالبة من طلاب الصف الأول الثانوى، فى 9 مدارس بالقاهرة والجيزة والغربية، فى مدارس مختلطة، وأخرى للبنات فقط، وثالثة للذكور فقط فى الريف والحضر، بالإضافة إلى عدد من المعلمين والموجهين والمشرفين فى هذه المدارس، ووجدت أن الوضع الحالى لتدريس هذه المناهج، لا يخرج عن بعض معلومات موجودة فى مناهج العلوم فى المرحلتين الإعدادية والثانوية، فى حين أن الفرصة جيدة لأن تتضمن المناهج الدراسية، موضوعات للصحة الإنجابية، بما يلائم الفئات العمرية المختلفة، لتلبى احتياجات المراهقين والشباب.
∎ صدمة المراهقين المفزعة
تقول د. فاطمة إن أول ما لفت نظرها عند اجراء الدراسة، هو أن معظم الطلاب الذكور والإناث، عبروا عن أنهم لا يعرفون ما يكفى بالنسبة لسنهم، بالرغم من أنهم لم يستطيعوا أن يقولوا ماهى الأشياء التى لا يعرفونها، عندما سئلوا عن أى نوع من المعلومات يريدون إضافتها للمناهج الخاصة بالصحة الإنجابية.
وفى حين قالت الغالبية من الطالبات، إن لديهن معلومات عن المتغيرات الفسيولوجية التى تحدث للمراهقين قبل ظهورها، بدت معلوماتهم ضئيلة عندما وجهت إليهن أسئلة حول هذه العلامات، وقال معظم الطلاب الذكور إنه لم يكن لديه أى معلومات عن البلوغ قبل أو أثناء أو بعد بدايته، وقال طالب: «مافيش حد خالص قال لى حاجة ... أنا فوجئت».
تكمل د. فاطمة: رغم قدرة عدد قليل من البنين والبنات على الشرح الصحيح لبعض الجوانب الفسيولوجية التى تحدث خلال فترة البلوغ، لكن أظهرت الدراسة أن ما يعرفونه غير كاف. وقالت جميع الفتيات فى المناطق الريفية فى الجيزة، إن أقرانهن والمعلمات والأقارب والكتب، هى المصادر الرئيسية لهذه المعلومات.
وقال طالب بمدرسة مختلطة «ممكن مع الأصدقاء والأصحاب بنتكلم»، وقال آخر فى مدرسة للبنين: «لو فيه مدرسين أثق فيهم هجبها منهم، أو عن طريق الإنترنت، برغم إن مش بثق فيه».
وقال معظم الطلاب الذكور إنهم يشعرون براحة أكثر، مع المدرسين الشباب أثناء حصص الصحة الإنجابية، وقال طالب فى مدرسة مختلطة: «فيه مدرس بثق فيه قوى وهو شاب، ولما بحب أعرف حاجة فى الموضوع ده، باتكلم معاه، وهو بيتكلم معايا بكل صراحة، ويفيدنى جدا، يعنى لو فيه أى حاجة، شاكك فيها هو يقول لى ويوضح لى».
∎ خجل المعلمين
على الجانب الآخر تحكى د. فاطمة عن مقابلاتها مع المعلمين والمشرفين، وكيف أنهم مقتنعون بأهمية تعليم الصحة الإنجابية فى المدارس، منذ وقت مبكر، قبل تعرض الفتيان والفتيات للتغيرات الفسيولوجية والنفسية والمشاكل المحتملة، فى مرحلة البلوغ، بل إن الكثير من المعلمين يرون أن المعلومات التى يتعلمها الطلبة عن قضايا الصحة الإنجابية غير كافية.
وتتوقف د. فاطمة عند شعور أغلب المعلمين بالخجل، أثناء تدريس هذه الحصص، حيث قالت لها معلمة فى مدرسة للفتيات:'' نعم من المهم جدا أن نقدم لهم معلومات الصحة الجنسية والإنجابية فى هذه المرحلة، لأنه إذا لم نوفر لهم معلومات دقيقة، فإنهم سوف يبحثون عن المعلومات من مصادر غير موثوق بها، ومن الأفضل أن نبدأ من الصف الثانى أو الثالث الإعدادى»، وأن تتضمن مناهج الصحة الإنجابية، مراحل التطور الفسيولوجى والصحة الإنجابية للفرد، والأدوار المتبادلة بين الجنسين، والأبعاد البيولوجية والاجتماعية والثقافية والنفسية والعاطفية، التى يمر بها الفرد أثناء حياته.
وقال معلم بمدرسة للبنين إن من الضرورى تعليم الصحة الإنجابية والجنسية فى المدارس، لأنه لا يتاح لكل المراهقين التحدث مع والديهم، فى هذه الأمور كما أن كثيرًا من الآباء، ليس لديهم الوعى والمعرفة الدقيقة حول هذه الموضوعات «لازم المدرس يكون ليه دور تربوى، بالتوعية بهذا الموضوع عشان مايحصلش صدمة».
فى حين أكد أغلب المعلمين والموجهين، أن المدرسة لا ينبغى أن تكون هى المصدر الوحيد لهذه المعلومات وأنه ينبغى دعم دور الأسرة ووسائل الإعلام، فى الوصول للمراهقين بمعلومات دقيقة.
∎ لا حياء فى الدين
هل يمكن تدريس الصحة الإنجابية فى مناهج التربية الدينية؟ كان هذا هو أحد أسئلة دراسة د. فاطمة، وجاءت الإجابات متباينة.
فقالت طالبة فى مدرسة مختلطة: ده علم ومافيش حياء فى العلم، والإنسان لازم يكون مثقف، وإحنا لما بنبص للدول بره، بنشوفهم وهما فى فترة البلوغ دى بيدرسوا أكتر من كده كمان، عموما لازم مايبقاش عندنا الرهبة والخوف، لأن إحنا مابنعملش حاجة غلط، لا ضد عادات ولا ضد دين.
وقال طالب فى مدرسة مختلطة: «لو حطينا المعلومات دى فى مادة التربية الدينية، ففيه ناس كتير هتكروت، لكن فى العلوم لازم يدرس.
واتفق رأى المشرفين مع رأى الطلاب، وقالت مشرفة البيولوجى: «إحنا طبيعة تربيتنا كده، إن الحتة دى مش المفروض نخوض فيها، برغم إنه لا حياء فى العلم، لكن التربية والعادات القديمة اللى اتربينا عليها بتغلب علينا».
كما أضاف طالب من مدرسة مختلطة: «أفضل طريقة لتدريس هذا الفصل إن إحنا نطعمه بالدين، مش هايبقى فيه حياء إن المدرس يشرحها».
∎ تأهيل المعلمين
خلال حديث د. فاطمة مع المعلمين، اعترف كثير من المعلمين والمشرفين بأنه لا توجد معايير أو توجيهات، لتعليم الصحة الإنجابية، وبأنهم ليس لديهم المؤهلات لنقل هذه المعلومات،.
وقالت مدرسة فى مدرسة للبنين: «محتاجين كتب وأسطوانات وجهاز عرض وندوات من متخصصين تأتى من الخارج، عندهم معلومات أكتر مننا، حتى ممكن نستفاد منها، ودورات تدريبية»، وقالت مشرفة البيولوجى: أنا كنت شغالة فى مدرسة خاصة، وكانوا بيعملا ندوات توعية للبنات، قيمة جدا وكانت البنات شغوفة على حضورها، وكانت بتتم داخل المدرسة».
وكانت أهم المعوقات التى ذكرها المعلمون والمشرفون للدكتورة فاطمة، وتعوقهم عن نقل هذه المعلومات، هى الشعور بالحرج، وأكدوا أن أغلب المعلمين يفتقرون إلى مهارات التواصل، وليسوا مستعدين لمناقشة مثل هذا الموضوع مع التلاميذ، كما أن المدارس لم توفر الإمكانيات والأدوات، الملائمة لتدريس هذه الموضوعات.
واتفق جميع المشاركين فى الدراسة على ضرورة تدريس هذه المعلومات للبنات والبنين كل على حدة، وأن تدرس تحت مسمى «صحة الأسرة».
∎ الخبرة السلوكية
وبعيدا عن الدراسة قمنا بسؤال بعض مدرسى مادة الأحياء، لنعرف رأيهم فى تدريس الصحة الإنجابية والجنسية للطلاب وهل طرأ تغيير على طريقة تناول المدرسين والطلبة لها.
تقول «ا ى» مدرسة أحياء فى مدرسة عابدين الثانوية: تدريس منهج الصحة الإنجابية والجنسية مر بثلاث مراحل، الأولى فى الثمانينات وفيها كان المدرسون يشعرون بالخجل عند تدريسها للطالبات سواء فى الإعدادى أو الثانوى ويأتون بمدرسة زميلة لتتولى شرحها.
والمرحلة الثانية فى التسعينات وفيها بدأ حياء الطلبة يقل وبدأ المدرسون الرجال يشرحون المنهج بلا غضاضة أو حرج خاصة مع انتشار الدش، ثم كانت المرحلة الثالثة والتى جاءت مع انتشار النت ومواقع التواصل الاجتماعى وفيها قل خجل المدرسين والطلاب سواء بنات أو بنين، لكن المنهج الجيد ومهارات التواصل مع الطلاب فى الرد على أسئلتهم هى التى تنقص المدرس لتدريس منهج الصحة الجنسية بشكل عام.
«الطالب أو الطالبة لاينتظر من المدرس أن يعلمه بمنهج الصحة الإنجابية والجنسية لأن ذلك موجود على شبكة النت، وإنما هم يريدون شيئًا آخر قد يكون الخبرة السلوكية وهذا ليس دور المدرس بل يتخطى المنهج»، هذا ما توصلت إليه إيمان حسين مدرسة الأحياء فى مدرسة مصطفى كامل الثانوية للبنات فى آخر ندوة كانت تقيمها فى مدرج المدرسة بالتعاون مع إحدى شركات الفوط الصحية الشهيرة منذ أربع سنوات وقررت أن تكون آخر ندوة، بعد أن اكتشفت إلى أى مدى أصبحت أسئلة الطالبات خبيثة ومحرجة وبعيدة عن المنهج.
وبالعودة إلى الدكتورة فاطمة الزهراء وسؤالها هل هناك حد معين يجب فيه التوقف عن إجابة أسئلة الطلاب التى قد يراها البعض محرجة ولا تناسب أعمارهم؟! تقول: بالعكس لابد من الإجابة على أى سؤال يسأله الطالب طالما خطر بباله وبالإمكان الاستعانة بذوى الخبرة من الأطباء والمتخصصين وعمل ندوات فى المدارس حتى لا يضطر أن يبحث عنه فى الوسائل غير الآمنة.