أعتقد أن باب الحقوق والحريات والواجبات العامة فى مشروع الدستور من أفضل أبوابه، بل أفضل مما ورد فى الدساتير المصرية السابقة فى هذا المجال، فقد أكد على حماية الحقوق العامة والخاصة كما توسع فى الحريات الشخصية والمهنية، وأضاف حقوقا جديدة فى رأيى «معنوية» أكثر منها قانونية.. فضلا عن تضمينها فى مواد أخرى بشكل أكثر تفصيلا، ومنها- مثلا- أن الكرامة حق لكل إنسان ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها؟ وهو ما يتضح من نص المادة الثانية لها مباشرة (52)، حيث نص بشكل قاطع وحازم أن التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم ثم عاد فى المادة (53) لتأكيد مبدأ المواطنة بأن المواطنين سواء أمام القانون وزاد الأمر تفسيرا بأنهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس، أو اللون أو العرف، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر!! والغريب أنه فى باب المقومات الأساسية للدولة نص على أن مصر دولة موحدة واللغة العربية لغتها الرسمية.. فما كان هناك داع لكل هذا التفصيل خاصة أنه أورد فى آخر المادة «أو لأى سبب آخر»! والطريف أن المشروع لم يكتف بهذا التأكيد بل ألزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التميز والحض على الكراهية.. واعتبر من يرتكبهما مخالفاً يستجوب توقيع العضوية عليه.. مع إلزام الدولة بإنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض! أما المادة (54) فقد أوردت حكمًا جديدًا وهو الإبلاغ الكتابى لكل من يقبض عليه أو تقيد حريته بأسباب ذلك.. وأن يحاط بكافة حقوقه. فهل سيتفرغ محرر محضر الضبط لتحرير الواقعة أم بكتابة حقوق المتهم وإحاطته بها.. فضلا عن تمكينه بالاتصال بذويه وبمحاميه.. وفى المادة (55) أعاد التأكيد على نفس المعانى بضرورة معاملة كل من يقبض عليه أو تقيد حريته بشكل يضمن كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاءه بدنيا أو معنويا، وأضاف حقًا جديدًا للمتهم فى تلك الحالات وهو حق «الصمت» أى الإقناع عن الإجابة عن أسئلة الحقق! ثم تتوالى المواد الخاصة بإخضاع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائى وحرمة الحياة الخاصة، وسرية المراسلات البريدية والمحادثات التليفزيونية، وكذلك حرمه المنازل باستثناء حالات الخطر أو الاستغاثة، ثم التأكيد على حرمه الجسد، وقطر الاتجار بأعضائه. ولكنه فى المادة (61) أجاز التبرع بالأنسجة والأعضاء أثناء الحياة أو بعد الممات مع إلزام الدولة بإنشاء آليةخاصة لتنظيم عملية التبرع بالأعضاء أو زراعتها. وفى المادة (63) حظر التهجير القسرى التعسفى للمواطنين بجميع صوره وأشكاله.. واعتبار ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم.. وهو ما كانت تقوم به بعض الجماعات.. للأسف الشديد ضد طوائف معينة فى المجتمع. وبالطبع نص أيضا على حرية الاعتقاد وممارسة الشرائع الدينية، ولكن لأصحاب الأديان السماوية فقط! كذلك حرية التعبير بكافة الوسائل وحرية البحث العلمى، والإبداع الفنى والأدبى، بل إنه منع تحريك الدعاوى المضادة فى هذا المجال إلا عن طريق النيابة العامة، وأجاز للمضرور من ذلك الحق فى التعويض. وأيضا حرية الحصول على المعلومات والبيانات والوثائق طبقا لما ينظمه القانون فى ذلك. وبالنسبة لمواد الصحافة الجديد فيها.. فقد استجابت اللجنة لمقترحات المجلس الأعلى للصحافة السابق بمنع العقوبات المقيدة للحريات فى جرائم النشر، باستثناء التحريض على العنف والتميز بين المواطين والطعن فى الأفراد وهو ما أضافته اللجنة.. بل إنها أتاحت للمضرور من تلك الاستثناءات الحصول على تعويض مما تسبب فى ضرره. وفى المادة (73) وما بعدها.. نص المشروع على حق المواطنين فى تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية.. ولكن مع الإخطار المسبق للجهات المعنية. كذلك حق تكوين الأحزاب ولكن مع إخطار مسبق طبقا لما ينظمه القانون، وكذلك الجمعيات الأهلية.. وكذلك إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى، وكفالة استقلالها وترك المشرع للقانون تنظيم عمليات الإنشاء والممارسة ولكنه أخذ بمبدأ «وحده العمل النقابى»، حيث نص على «ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة».. فلا معنى بعد ذلك لما يسمى بالنقابات المستقلة التى فتتت العمل النقابى وأضعفته.. وتسببت فى الكثير من المشاكل. والجدير بالذكر هنا عدم حل مجالس إدارات النقابات والاتحادات إلا بحكم قضائى وأخذ رأيها فى مشروعات القوانين المتعلقة بالمهنة، والأهم من ذلك عدم جواز إنشاء تلك النقابات أو الاتحادات بالهيئات النظامية مثل القضاء والشرطة والقوات المسلحة. فهذه الجهات لا يجوز فيها العمل بالسياسة والتى تمارسه بعض النقابات أو الأندية حاليا! ثم ينتقل المشرع إلى الحاجات الضرورية للمواطنين من مسكن ومأكل وغذاء ورعاية صحية.. إلخ.. فتنص على كفالة الدولة للمواطنين بالحق فى مسكن ملائم وآمن وصحى، مع التزامها بوضع خطة لمواجهة ظاهرة العشوائيات. ثم التزام الدولة بتأمين المواد الغذائية للمواطنين كافة.. كما تكفل السيادة الغذائية بشكل مستدام..وهو ما لم أفهمه! وفى المادة (80) نص على أن سن البلوغ 18 عاما وكل من كان عمره أقل من ذلك يعد طفلا له الحق فى الرعاية والحماية من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال الجنسى والتجارى، فضلا عن المساءلة أمام نظام قضائى خاص (الأحداث). هذا مع ضمان حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة والأقزام، ورعاية الشباب والنشء واكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم المختلفة، وضمان حقوق المسنين ومراعاة احتياجاتهم. كما أن ممارسة الرياضة حق للجميع.. والمهم هنا أن ينظم القانون شئون الرياضة والهيئات الرياضية الأهلية وفقا للمعايير الدولية. وبالطبع لكل فرد الحق فى مخاطبة السلطات العامة كتابة وبتوقيعه، كما أن الحفاظ على الأمن القومى واجب ومسئولية وطنية، فضلا عن أن الدفاع عن الوطن وحماية أرضه شرف وواجب مقدس. ونص المشروع أيضا على مشاركة المواطنين فى الحياة العامة باعتبارها واجبا وطنيا.. وفى عمليات الترشح والانتخابات حظر استخدام المال العام والمصالح الحكومية والمرافق العامة ودور العبادة ومؤسسات قطاع الأعمال والجمعيات والمؤسسات الأهلية فى الأغراض السياسية أو الدعاية الانتخابية. ونص أيضا على التزام الدولة برعاية المصريين المقيمين فى الخارج، على أن ينظم القانون مشاركتهم فى الانتخابات والاستفتاء بما يتفق والأضاع الخاصة بهم.. فقد استثناهم المشرع من أحكام الاقتراع والفرز وإعلان النتائج المقررة بالدستور، مع ضمان النزاهة والحيادية والشفافية فى عملية الانتخابات أو الاستفتاء. كما حظر المشرع كافة أشكال الإتجار فى البشر، ومنح الدولة الحق فى تقدير منح اللجوء السياسى لكل أجنبى، اجتهد فى بلده بسبب الدفاع عن مصالح الشعوب أو حقوق الإنسان أو السلام أو العدالة، ولكنه حظر تسليم اللاجئين السياسيين إلا طبقا لما ينظمه القانون فى ذلك. ولكنه أتى بمادة ملتبسة وغير مفهومة (92) وهى الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلا ولا انقاصا ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصل جوهرها. فما معنى كل الحقوق السابق ذكرها.. أليست ملتصقة بشخص المواطن؟ وهى حق التعبير والإبداع والبحث العلمى وحقه فى مسكن ملائم وغذاء صحى وعلاج ورعاية صحية..إلخ. والغريب أنه جاء فى المادة التالية ليؤكد أن سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة.. بل تخضع الدولة للقانون واستقلال القضاء وحصانته ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات. عموما لا بأس.. مع أن التزيد والسفسطة أمر غير محمود.. المهم أنه ختم هذا الباب (الحقوق والواجبات) بمواد عامة لا خلاف عليها وهى أن العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون.. ولا عقوبة إلا بحكم قضائى وعلى أفعال لاحقة لتاريخ نفاذ القانون.. أى لا توقع عقوبات بأثر رجعى أو لم تكن مجرمة من قبل. ثم إن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة.. وهو مبدأ قضائى دولى، ولكنه أتاح استئناف الأحكام الصادرة فى الجنايات.. بخلاف الحكم عليها بالنقض، فضلا عن كفالة حق التقاضى لجميع المواطنين، وحظر المحاكم الاستثنائية، كذلك حظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء، وماذا عن ما يسمى بالأعمال أو القرارات السيادية؟. ??? وإلى الأسبوع القادم.. إن شاء الله لمناقشة نظام الحكم.