«الداخلية» تنظم أولى الدورات التدريبية مع إيطاليا عن «الهجرة غير الشرعية»    «إسكان النواب» توافق على موازنة الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي    تداول 118 ألف طن و 535 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموائ البحر الأحمر اليوم    استشهاد 34 فلسطينيا في غزة من بينهم 22 برفح (تفاصيل)    السيسي عن دعوته لزيارة البوسنة والهرسك: سألبي الدعوة في أقرب وقت    أنشيلوتي لا يعرف الخسارة أمام بايرن في دوري أبطال أوروبا    «لازم اعتذار يليق».. شوبير يكشف كواليس جلسة استماع الشيبي في أزمة الشحات    تعرف على حقيقة تسمم مياه الشرب في مركز قوص بقنا    بعد رحيله.. تعرف على أبرز المعلومات عن المخرج والسيناريست عصام الشماع (صور)    الجندي المجهول ل عمرو دياب وخطفت قلب مصطفى شعبان.. من هي هدى الناظر ؟    إيرادات قوية لأحدث أفلام هشام ماجد في السينما (بالأرقام)    وزير الصحة: توفير رعاية طبية جيدة وبأسعار معقولة حق أساسي لجميع الأفراد    فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا.. «البحوث الإسلامية» يطلق حملة توعية شاملة بمناسبة عيد العمال    إعلام عبري: عشرات الضباط والجنود يرفضون المشاركة في اجتياح رفح    مصرع 42 شخصًا على الأقل في انهيار سد شمال نيروبي    «العمل» تنظم فعاليات سلامتك تهمنا بمنشآت الجيزة    الأنبا بشارة يشارك في صلاة ليلة الاثنين من البصخة المقدسة بكنيسة أم الرحمة الإلهية بمنهري    محمد شحاتة: التأهل لنهائي الكونفدرالية فرحة كانت تنتظرها جماهير الزمالك    صعود سيدات وادي دجلة لكرة السلة الدرجة الأولى ل"الدوري الممتاز أ"    عرض صيني لاستضافة السوبر السعودي    عواد: كنت أمر بفترة من التشويش لعدم تحديد مستقبلي.. وأولويتي هي الزمالك    كيف احتفلت الجامعة العربية باليوم العالمي للملكية الفكرية؟    إصابة عامل بطلق ناري في قنا.. وتكثيف أمني لكشف ملابسات الواقعة    «أزهر الشرقية»: لا شكاوى من امتحانات «النحو والتوحيد» لطلاب النقل الثانوي    استمرار حبس 4 لسرقتهم 14 لفة سلك نحاس من مدرسة في أطفيح    محافظ أسيوط يشيد بمركز السيطرة للشبكة الوطنية للطوارئ بديوان عام المحافظة    القومي لحقوق الإنسان يناقش التمكين الاقتصادي للمرأة في القطاع المصرفي    1.3 مليار جنيه أرباح اموك بعد الضريبة خلال 9 أشهر    أبو الغيط يهنئ الأديب الفلسطيني الأسير باسم الخندقجي بفوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية    515 دار نشر تشارك في معرض الدوحة الدولى للكتاب 33    محافظ الغربية يتابع أعمال تطوير طريق طنطا محلة منوف    مركز تدريب «الطاقة الذرية» يتسلم شهادة الأيزو لاعتماد جودة البرامج    بالاسماء ..مصرع شخص وإصابة 16 آخرين في حادث تصادم بالمنيا    الوادي الجديد تبدأ تنفيذ برنامج "الجيوماتكس" بمشاركة طلاب آداب جامعة حلوان    عامر حسين: لماذا الناس تعايرنا بسبب الدوري؟.. وانظروا إلى البريميرليج    دراسة تكشف العلاقة بين زيادة الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم    المشاط: تعزيز الاستثمار في رأس المال البشري يدعم النمو الشامل والتنمية المستدامة    ضحايا بأعاصير وسط أمريكا وانقطاع الكهرباء عن آلاف المنازل    كشف ملابسات واقعة مقتل تاجر خردة بالإسماعيلية.. وضبط مرتكب الواقعة    ولع في الشقة .. رجل ينتقم من زوجته لسبب مثير بالمقطم    منهم فنانة عربية .. ننشر أسماء لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائى فى دورته ال77    مؤسسة أبو العينين الخيرية و«خريجي الأزهر» يكرمان الفائزين في المسابقة القرآنية للوافدين.. صور    مصرع شخض مجهول الهوية دهسا أسفل عجلات القطار بالمنيا    التعاون الاقتصادي وحرب غزة يتصدران مباحثات السيسي ورئيس البوسنة والهرسك بالاتحادية    «الرعاية الصحية» تشارك بمؤتمر هيمس 2024 في دبي    خلي بالك.. جمال شعبان يحذر أصحاب الأمراض المزمنة من تناول الفسيخ    رمضان السيد: الأهلي قادر على التتويج بدوري أبطال إفريقيا.. وهؤلاء اللاعبين يستحقوا الإشادة    أول تعليق من ياسمين عبدالعزيز على طلاقها من أحمد العوضي    رئيس الوزراء: 2.5 مليون فلسطيني في قطاع غزة تدهورت حياتهم نتيجة الحرب    فضل الدعاء وأدعية مستحبة بعد صلاة الفجر    سعر الذهب اليوم الاثنين في مصر يتراجع في بداية التعاملات    أمين لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب: هذا أقوى سلاح لتغيير القدر المكتوب    مطار أثينا الدولي يتوقع استقبال 30 مليون مسافر في عام 2024    "استمتع بالطعم الرائع: طريقة تحضير أيس كريم الفانيليا في المنزل"    سامي مغاوري: جيلنا اتظلم ومكنش عندنا الميديا الحالية    بايدن: إسرائيل غير قادرة على إخلاء مليون فلسطيني من رفح بأمان    من أرشيفنا | ذهبت لزيارة أمها دون إذنه.. فعاقبها بالطلاق    الإفتاء توضح حكم تخصيص جزء من الزكاة لمساعدة الغارمين وخدمة المجتمع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعادة اكتشاف الحياة في صندوق (لنا عبد الرحمن) الكرتوني
نشر في نقطة ضوء يوم 17 - 08 - 2019

يبقى الإبداع هو عنوان أعمالها الأدبية.. إنها المبدعة المتميزة د. لنا عبد الرحمن؛ تطالعنا بنتاج قصصي جديد بعد مجموعتيها “أوهام شرقية” و”الموتى لا يكذبون”، ونتشوق لأن يراه النور وتطالعه قرائحنا المتلقية الشغوفة بالأدب الراقي، في مجموعتها القصصية ( صندوق كارتوني بشيه الحياة ) – سلسلة الابداع العربي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – يستوقفنا عنوان المجموعة ، وكذلك القصة المعنونة بها المجموعة ،حيث يستوقفنا العنوان مليا، ذلك المحمل بالرمز، والمتناص مع عناصر شتى تتوافد إلى الذهن تباعا مع استمرار قراءة القصة.
(صندوق كرتوني يشبه الحياة) ولِم كان صندوقا كرتونيا ألا يكفي أن يكون صندوقا وفقط؟ بالطبع وراء زيادة المبنى زيادة في المعنى وتخصيصا له، هو صندوق لمحدوديته وضيقه، كرتوني لضعفه وسهولة فتحه أو تحطيمه.. كرتوني يتأثر بشتى العوامل الخارجية كالماء والنار وغيرها.. هذا الصندوق بكل ما يتصف به وما تحمله دلالته يشبه الحياة في وهنها وغموضها، وما تحمله لنا من مفاجآت تماما كصندوق مغلق نتطلع بفضول لفضه ومعرفة محتواه.. ذلك المحتوى الخادع الذي ليس بالضروري أن يكون سارا.
من خلال القصة ستنفتح دلالات أخرى أمامنا، حيث تقوم الكاتبة بتسليط الضوء على بقعة صغيرة من الحياة وتجليها في هيئة شكل مصور واحد. تدور الأحداث حول ذلك الرجل الموظف الخمسيني، الذي ما زال يحلم بأن يُلهَم كتابة سيناريو يدخله إلى بؤرة الضوء، متزوج، يبحث عن نشوة الحياة في الصُدف التي تقابله كسلمى الفتاة العشرينية التي يلتقيها، قدرا، وهو في طريقه لعمله لينتشلها من وسط شباب يتحرشون بها؛ فيقضي معها يوما واحدا هو محور القصة، وينتهي به الأمر غريبا عنها ليبدأ من جديد في البحث عن صندوق مفاجآت ربما يكون أفضل من سابقه، ذلك الذي انفتح بالروعة والنشوة وانتهى بالصدمة.. صندوق مخادع هي سلمى كالحياة الخادعة التي تبدو للناظر إليها خضرة حلوة حتى إذا اقترب منها وتذوقها وجدها بمرارة الصبار.. صندوق كصندوق بنادورا المرأة اليونانية الوحيدة بمجتمع ذكوري وقد جاءت حاملة لهم صندوق الآلهة بما يحويه من الشرور والهموم والآلام.
تبدأ الكاتبة قصتها تشويقا لأذهاننا فتقول على لسان بطلها:
“اسمع يا خليل.. حكايتي مع سلمى بسيطة، في غاية البساطة، لكنني لم أنسها بسهولة”.
فتجذب الذهن بالمفارقة التي استهلت بها القصة (حكاية بسيطة لكنني لم أنسها بسهولة) لتأخذ القارئ بحثا عن السبب الكامن وراء هذه المفارقة.
وترسم نمط السرد وهو (الرواية) والراوي فيها بطل القصة، والمروي له بخلاف القارئ خليل، والذي لم يكن أبدا طوال القصة غير مستمع. تسير القصة بشكل غير تقليدي، فهي تعتمد على الخطوط المتوازية التي ترسم الحدث في تصاعد ديناميكي للأحداث لتصل عند تلاقي هذه الخطوط للنهاية؛ فبناء الشخصيات لم يأت متواليا وإنما متوازيا حسب ما تقتضيه ضرورة السرد بدون رتابة أو ملل، لدرجة أن سن البطل لم ندركه إلا في آخر سطور القصة عندما أفصح عن ذلك بقوله:
“الحياة مملة بعد الخمسين أليس كذلك؟”.
تتكشف منذ البداية رؤية الكاتبة، جوهر عملها الفني، في رمزية موحية ومتضافرة مع شاعرية اللغة لتحمل إسقاطات عديدة حيث تقول:
“تخيل أنك تمشي في الشارع، ثم فجأة يظهر أمامك صندوق كرتوني كبير، ويُفتح من تلقاء نفسه وتنطلق منه أشياء سحرية وحدك تراها، مظلة تعزف ألحانا ثم تطير في السماء، قزم يرقص وهو يرتدي قبعة حمراء، تنين مجنح يطلق النيران من فمه، جنية لطيفة تحلق علي مستوى بصرك، فتحول غبار المدينة إلى ألوان قوس قزح، تحيل الشوارع المزدحمة والقذرة إلى شوارع يتجمهر فيها الناس ببهجة كما لو أنهم يستعدون لكرنفال. كان عبور سلمى في حياتي يشبه هذه التفاصيل..”.
لتعكس صورة هذا الصندوق الملئ بالأشياء السحرية الخرافية، وكأنها تقول هي الحياة وما فيها من زيف وخرافة وخيال، يخدعنا بريقها وتجذبنا بأوهامها، فما إن يلمع في الأفق حتى يخطف الأبصار ويذهب بالقلوب إلى عالم الوهم، لا يستفيق منه الموهوم حتى يصطدم بالأرض فيجد واقعا مختنقا بالحقائق القاسية. تماما كما حدث مع بطلنا الواهم الذي تشكف له الأمر في نهاية يومه مع سلمى تلك المرأة الجميلة الملكة كما وصفها وعندما وصل إلى بيتها قال: ” بدت لي سلمى في تلك اللحظة مثل وردة ملقاة في القمامة، وبدا لي الصندوق الكرتوني، الذي انفتح في وجهي صباحًا، أشبه بصندوق حديدي يصدر غازات سامة”.
تعرض الكاتبة لفكرتها بلغة موحية تتوارى خلف رموزها الكثير من المعاني، تبني شخوصها كما تستدعي الحاجة بناء نفسيا وخارجيا واجتماعيا بشكل مكثف، تمثل كل شخصية نموذجا في الحياة لا شخصا بعينه وإنما شريحة كاملة؛ فالبطل هو الإنسان.. هو الرجل.. هو المواطن الكادح.. وزوجته هي الحلم الذي لم يكتمل؛ فقد فشلت في تحقيق نجاحها كممثلة، سلمى هي الحياة بمظهرها الخادع وشخصيتها المبهمة المحيرة.. هي رمز متناص مع شخصيات ألمحت لها الكاتبة في حديثها كشهرزاد الحبيبة التي ينتظر مسرور الأمر للإطاحة بها، وقد تردد ذلك مرتين على مدار القصة عندما شبه أخاها بقوله “التقيت في عالمها مع مسرور «سياف» ألف ليلة وليلة”؛ فهي فتاة تبيع الهوى ويعلم أخوها بذلك فإلى متى يصمت ويصبر؟!، وهي بنادورا الفتاة الإغريقية الوحيدة التي أرسلتها الآلهة للانتقام من بروميثيوس سارق النار متبوعة بصندوق حديدي يحمل شرور الأرض جميعا ولا خلاص منها.
تترك للقارئ إمكانية الربط بإشارات دقيقة كوصف ملامح وجه سلمى وقول البطل عنها “سلمي لديها تلك الطلة الملكية”.
ليست البراعة في رسم الشخوص وحسب بل كذلك في تحديد الأماكن التي دارت فيها الأحداث (أحداث اليوم الواحد) وبراعة تصوير الصدمة بوصف بيت سلمى الذي يحمل المفارقة بين جمالها الذي بدا لبطلنا في البداية، ثم وصف المنطقة العشوائية التي تسكنها بتفاصيل دقيقة وخلفية حياتها الاجتماعية (أمها العاهرة وأخوها الذي يشبه مسرور ويتستر على أفعالها) ووسائل المواصلات المؤدية لتلك الأماكن (المكروباص- التوك توك) وكأنها ترسم لوحة كاملة التفاصيل تتحرك خلالها الشخصيات أمام القارئ وكأنها رؤى العين.
عبرت الكاتبة عن كل هذا في قالب لغوي مكثف، لغة خالية من العيوب موحية وشاعرية أحيانا حسب ما يقتضيه المقام، مستخدمة كل مستويات اللغة والغالب فيها الخطاب السردي، لكنها أحيانا تستخدم لغة الحوار كالذي بين سلمى والجرسون، أو سلمى ووالدتها، وتلجأ أحيانا للمونولوج الداخلي كذلك الذي وقف فيه البطل مخاطبا نفسه:
“قلت في سري إن موهبتها في التمثيل جيدة، لكنها مثلي لم يحالفها الحظ، كنت أعرف أنها تقول في سرها إنني السبب في فشلها، منذ أن أدت دور البطولة في الفيلم الأول الذي كتبت قصته، وفشل فشلًا ذريعًا”.
أو في قوله:
“فكرت أين سأذهب معها؟ وأين سأكون على راحتي؟….”.
كذلك جاء الحدث مبررا منذ بداية التقاء البطل بسلمى، عندما تقدم ليحررها من قبضة الشباب بالشارع، كما كان ذهابه لبيتها مبررا لكي يضمن لقاءً جديدا معها.. حتى روايته للقصة بكاملها جاء مبررا ليشكف المفارقة بين بساطة حكايته مع سلمى وعدم قدرته على النسيان.. وليترك لنا مساحة اكتشاف الحياة وهو المبرر الأكبر الذي من أجله كتبت هذه القصة التي بين أيدينا.
في النهاية تظل الحياة صندوقا يُفتَح أمامنا بكل ما نشتهيه وتلذ به الأعين، سحر النشوة، وخداع الزيف… كلما اقتربنا تهاوينا لأننا نرى بشكل أوضح مدى قسوة هذه الحياة وزيف بريقها.
ويظل النص الذي بين أيدينا مليئا بالرؤى المتعددة التي تنفتح مع كل قارئ جديد .. رؤى تحمل دلالات جديدة بتجدد الحياة واختلاف خبراتنا حيالها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.