"نجيب محفوظ : المحطة الأخيرة" تجربة فريدة في الكتابة تستدعي الخمسة وأربعين يوما الأخيرة في حياة أديبنا الراحل نجيب محفوظ، من محطة دخوله المستشفي يوم الأحد 16 يوليه 2006، إلي ان ووري التراب يوم الخميس 31 أغسطس 2006، بكل ما تضمنته تلك التجربة من وخزات ألم، وما شهدته أيضاً من لحظات بهجة أشاعها نزيل الغرفة 612 في مستشفي الشرطة بالعجوزة بين زائريه. وبقدر ما أمتعني الكتاب ، بقدر ما شعرت بالعذاب الذي عاناه مؤلفه، محمد سلماوي، أثناء إمساكه بالقلم وكتابة كل كلمة، بل كل حرف، من هذه المرثية الحزينة المجدولة بذكريات الأيام واللحظات الأخيرة من حياة الأديب الكبير، والتي تستدعي بدورها ذكريات وتأملات وتبصرات شتي. وقد عبر الأستاذ محمد سلماوي عن هذه المعاناة الفظيعة في تقديمه للكتاب بقوله:" أن يعيد الإنسان بعث تجربة أليمة، قد يكون اشد ألما من التجربة ذاتها، لأنه في المرة الأولي يفاجأ بها، أما في الثانية فهو الذي يستدعيها لحظة بلحظة، وحدثاً بحدث، فيتضاعف إحساسه بها". ومن خلال هذا الألم، وتلك المعاناة، نجح محمد سلماوي في أن يقدم لنا كتابا ممتعاً، وان يستخرج من ظلال كآبة النهايات مواقف وقضايا وآراء مفعمة بالحيوية وعاشقة للحياة. وقد تحقق ذلك بإصرار المؤلف علي الا يكون كتابه مجرد " يوميات" تسجيلية للحظات الأخيرة في حياة محفوظ، وإنما ان تكون هذه اليوميات مجرد باب مسحور للعودة من أعتاب الموت الي عمق الحياة العريضة التي عاشها هذا الأديب الرائع. وقد أجاب محمد سلماوي في هذا الكتاب الجميل علي أسئلة متعددة تدور في أذهان الكثيرين. أول هذه الأسئلة عن علاقته هو شخصياً بنجيب محفوظ، ومتي نشأت.. وكيف تطورت.. حتي اصبح بمثابة "المتحدث الرسمي" باسمه.. دون غيره من المقربين إلي الأديب العظيم. وإجابة محمد سلماوي هي ان علاقته بالأستاذ قد امتدت لاكثر من ثلاثين عاماً لكنها توطدت خلال السنوات الاثنتي عشرت الأخيرة. وخلال هذه السنوات الاثنتي عشرة ظل يقوم بزيارة محفوظ في المنزل رقم 172 بشارع النيل بالعجوزة كل سبت، منذ وقعت له محاولة الاغتيال الآثمة يوم 14 أكتوبر عام 1994. فقد تسبب الحادث في إصابة يده اليمني _ يد الكتابة- بعجز جزئي أوقفه عن الكتابة. فتحول عموده الأسبوعي في " الأهرام" _ بناء علي طلبه- الي حوار يجريه معه محمد سلماوي أسبوعيا في نفس مكان عموده القديم. ولا يترك سلماوي القارئ حائراً إزاء ما تطرحه السطور السابقة بدورها من أسئلة فيبادر الي القول : " سألت نجيب محفوظ عن سبب اختياره لي، فقال : " لأنك مختلف عني، فأنا ابن ثورة 1919 ، وأنت تنتمي لجيل ثورة 1952. وأنا كاتب روائي، وأنت كاتب مسرحي، وأنا اشتهرت بالأسلوب الواقعي في الأدب، وأنت تميل الي مسرح العبث.. لذلك فالحوار بيننا سيكون ثريا، فأنا لا أريد شخصاً يتفق معي في كل شئ، وكل ما أقوله له يرد عليه بآمين !" وبعد ان نتعرف علي سبب العلاقة الخاصة بين محفوظ وسلماوي، من وجهة نظر الأخير، يفتح محمد سلماوي أمامنا أبواباً واسعة للتعرف الأفضل علي " الأستاذ" من خلال تفاصيل صغيرة لكنها تلقي أضواء ساطعة علي شخصيته. فهو مثلاً لم يكن يصله خطاب الا ويصر علي الرد عليه، وفي السنوات الأخيرة كان يعهد بمهمة الرد علي خطابات القراء الي محمد سلماوي الذي يقول " لم اكن آتي الي نجيب محفوظ في الأسبوع التالي الا ويسألني : هل أرسلت الخطاب إلي القارئ الذي كان يطلب نسخة من رواية بداية ونهاية؟ " أو يسألني : هل أرسلت الخطاب الي الشاب الذي بعث لنا بقصته؟". ونكتشف ان الأستاذ نجيب محفوظ كان لسنوات طويلة يقوم بالرد بنفسه علي هذه الخطابات. كان يكتب الرد بخط يده. الي هذا الحد كان الأديب الكبير مهتما بالتواصل مع قرائه.. فكم من الأدباء والكتاب يهتم بالرد علي رسالة قارئ؟! نكتشف أيضاً ان نجيب محفوظ لم يكن يحتفل بعيد ميلاده، وكانت أول مرة في حياته يقام له احتفال بعيد ميلاده هي تلك التي أقامها له الأستاذ محمد حسنين هيكل عام 1961 بمناسبة بلوغه سن الخمسين، والتي دعا إليها ام كلثوم بعد ان عرف ان نجيب محفوظ يعشقها وانه لم يقابلها قط، وحضر الاحتفال عدد كبير من الأدباء علي رأسهم توفيق الحكيم وصلاح جاهين وغيرهما. ما هذه الروح الجميلة.. وهذا المناخ البديع، الذي يجعل رئيس تحرير اكبر جريدة يهتم بعيد الميلاد الخمسين لأديب مهما كانت أهميته، والذي يجعل هذا الصحفي الكبير _ بل الأكبر- يعرف تفاصيل مدهشة مثل عشق نجيب محفوظ لام كلثوم، وعدم لقاء القمتين حتي ذلك الحين، وحرصه علي عقد هذا اللقاء بهذه الصورة الحميمة دون طلب، ودعوته الأدباء والفنانين للاحتفال والاحتفاء بالأستاذ.. انه عالم الكبار... وليس عالم الأقزام. نكتشف كذلك ان الأديب العظيم جابرييل جارسيا ماركيز يتصل في وسط الليل بمحمد سلماوي ليطمئن علي صحة نجيب محفوظ. ولا يفرح نجيب محفوظ فقط باتصال ماركيز بل يسأل : من أين اتصل ؟ لأن للرجل ثلاثة أماكن للإقامة واحد في لوس انجليس وثان في كولومبيا وثالث بالمكسيك. ورغم ان الرجلين لم يلتقيا وجها لوجه.. فانهما يتبادلان السؤال عن الأحوال، وكل منهما يتابع أخبار الآخر عن كثب ويكن له احتراما كبيراً. وفي تلك المرة التي استفسر فيها ماركيز عن صحة محفوظ سأل محفوظ: يقولون انه لم يعد يكتب الآن. أجابه سلماوي : انه يمر بفترة توقف، ربما كتلك التي مررت بها أنت في بداية الخمسينيات. رد محفوظ : كان ذلك في بداية حياتي، لكن في حالة ماركيز يبدو انها لعنة نوبل! هل رأيتم هذه " الرفاقية " الأدبية والإنسانية البديعة بين رجلين عبر البحار والمحيطات أحدهما في النصف الشرقي من الكرة الأرضية والثاني في آخر الدنيا.. ومع ذلك يوجد بينهما خط ساخن واتصال روحي مباشر فائق السرعة، وأسرع من الإنترنت وثورة المحمول. نكتشف أيضاً ان نجيب محفوظ قد وقع من السرير بغرفته في المستشفي في الأيام الأخيرة من حياته. والعجيب أن هذه مسألة متكررة.. فقد حدثت _ مثلاً _ للأستاذ احمد نبيل الهلالي محامي الشعب المصري والقديس الثائر الذي قيل انه سقط أيضا من فوق السرير بغرفته بالمستشفي بعد خروجه من غرفة الرعاية المركزة. فإذا كان هذا يحدث مع مثل هذه الشخصيات الاستثنائية، فماذا نتوقع ان يحدث في المستشفيات للناس العاديين مثلي ومثلك. هذه مجرد إشارات سريعة جداً.. من كتاب لا يمكن تلخيصه.. استطاع محمد سلماوي من خلاله ان يجعلنا نعرف أديبنا الكبير اكثر.. وان يزداد حبنا له ولعالمه الساحر الجميل.