من يتحدّث عن حرب أهلية في العراق هذه الأيام، انّما يتحدّث عن تطوّر قديم جاء الاعتراف بحصوله متأخّراً. الحقيقة، أن الحرب الأهلية في العراق بدأت قبل ما يزيد علي ثلاث سنوات عندما سقط نظام صدّام حسين العائلي البعثي يوم 9 ابريل 2003 نتيجة العملية العسكرية الأمريكية ومباشرة الاحتلال اتخاذ قرارات تتسم بالعشوائية صبّت كلّها، نعم كلّها من دون استثناء، في طاحونة إثارة الغرائز والنعرات المذهبية. وفّرت القرارات التي اتخذتها سلطات الاحتلال كلّ ما يلزم من أجل اندلاع الحرب الأهلية وتغذية المنظمات الاسلامية المتطرفة سواء أكانت سنّية أو شيعية. والمؤسف في ما يخص الموضوع العراقي، أن لا مفرّ من تسمية الأشياء بأسمائها. هناك منظمّات ارهابية سنّية، أو علي الأصح منظّمات تتلطي بالدين والدين منها براء، وهناك أحزاب شيعية لديها ميليشيات خاصة بها تنتقم مما تعتبره اجحافاً تاريخياً لحق بشيعة العراق وكأن الانتقام يعيد لشيعة العراق حقوقهم ويكرّسها. ليس لدي هذه المنظمات الارهابية والميليشيات المذهبية سوي منطق واحد هو القتل. انّه القتل بهدف الغاء الآخر. وهذا يعني بكلّ بساطة أن الاقتتال المذهبي في العراق يمكن أن يستمرّ سنوات طويلة ما لم يكن في استطاعة السنّة الغاء الشيعة وازالتهم من الوجود وليس في استطاعة الشيعة القضاء علي كلّ ما هوسنّي عربي، تنفيذاً للهدف المعلن للميليشيات ذات الامتداد الايراني التي تُستخدم لتحويل العراق منطقة نفوذ ايرانية ليس إلاّ. مرة أخري، لا بدّ من التساؤل لماذا كان هذا الاصرار الأمريكي علي اثارة النعرات المذهبية في العراق؟ هل اثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية جزءٌ من الاستراتيجية الأمريكية في العراق؟ الجواب ان لا تفسير منطقياً للتصرفات الأمريكية في العراق منذ ما قبل الاحتلال باستثناء أنّ هناك رغبة واضحة في شرذمة المنطقة وتحويلها دويلات طائفية. لو لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن تفسير الاصرار الأمريكي الايراني في مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في لندن في أواخر العام 2002، أي قبل أربعة اشهر فقط من بدء العملية العسكرية الأمريكية، علي تضمين البيان الختامي عبارة "الاكثرية الشيعية". أن كلّ من يعرف القليل عن العراق يدرك أن هذه العبارة مقدّمة لحرب أهلية في بلد قضي فيه نظام صدّام حسين علي نسيج المجتمع. لو كانت هناك بالفعل نيات طيبة لدي الأمريكيين في تلك المرحلة، كان من الأسهل الحديث عن الأكثرية العربية في العراق وهي أكثرية حقيقية شيعية وسنّية مع التشديد في الوقت ذاته علي حقوق كل القوميات الأخري بما يضمن المساواة بين جميع العراقيين بغض النظر عن مذهبهم أو طائفتهم أو قوميتهم. ولكن ما العمل مع ادارة أمريكية كانت تدرك منذ تلك الأيام ان عليها استرضاء النظام الايراني لتأمين تمثيل شيعي في مؤتمر لندن، حتي لو كان هذا التمثيل عن طريق أحزاب وشخصيات يقوم تفكيرها علي المذهبية؟ هل يمكن الخلط بين المذهبية والديموقراطية في أي شكل من الاشكال؟ لم توفّر الادارة الأمريكية، التي صارت تشكو الآن من التدخل الايراني في الشئون العراقية، أي وسيلة أو قرار من أجل ضمان انفلات الغرائز، فكان قرار اجتثاث البعث من جذوره وكأنّ حزب البعث حزب السنّة في العراق. نعم ان البعث ذو فكر متخلّف، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّه حزب سنّي وان لا بدّ من الانتقام منه بصفة كونه الحزب الذي نكّل بالشيعة والأكراد. لقد نكّل صدّام حسين بجميع العراقيين بدءاً بالبعثيين... وانتهاء بالسنّة والشيعة والأكراد وكلّ من شك في عدم ولائه له. لم يفرّق بين عراقي وآخر في سعيه الي الدفاع عن نظامه بالحديد والدم والنار!