قد يكون أقرب وجه لفهم العلمانية ربطها بالثقافة. فالثقافة في بدء تكوينها كانت ذات طابع ديني، بمعني أن الدين، بقيمه وبما هو أنظومة، كان جوهر الثقافة واطار الحياة الجماعية. فكان يلبي حاجة البشر إلي الطمأنينة في مجالات المعرفة والسلوك والتجمع. في مجال المعرفة، كان الدين يزود الناس بمعتقدات ما ورائية يطمئنون بها إلي مصيرهم. وفي مجال السلوك، كان يزودهم بطقوس وقواعد أخلاقية يطمئنون بها إلي خلاصهم. وفي مجال التجمع، كان يزودهم بنُظم تُشعر كل مؤمن بأن له مكاناً في المجتمع الديني الذي يملك سبل الخلاص. ويمكن البحث عن منشأ التعارض بين الدين والعلمانية في التعارض بين التوجه نحو عالم ثان أعلي والتوجه نحو الواقع الوضعي التاريخي علي أنه العالم الوحيد، وبين عقلية عقدية تؤكد وجود المطلق وعقلية نقدية تقول بنسبية كل شيء، وبين تقدير القول وتقدير الفعل. ويسمح هذا النوع من التحليل باكتشاف النواة اللاهوتية للدين، حيث الله هو المركز المطلق، والنواة الأنتروبولوجية للعلمانية، حيث الانسان هو المركز وإن غير مطلق. ليس هذا التعارض متعذر التذليل. فمن المؤكد ان نستمد العبرة المزدوجة التي يقدمها الدين ومعارضته، وأساسها هو الاختلاف والعلاقة بين الواقع والمعني. اذا لم يكن فصل الواقع عن معناه، فإن العلم والتقنية، اللذين يتيحان معرفة الواقع والسيطرة عليه، هما في ذاتهما طلب للقيم الثقافية المحفوظة في الدين بقصد ايجاد توضيح للمعني المحقّق أو الظاهر في الواقع. انطلاقاً من ذلك، يصبح في الامكان فهم نزع الصفة الاسطورية كجهد لادراك المعني الخفي والمشار اليه باللغة الاسطورية لتعذر اللجوء الي اللغة المنطقية. كذلك يمكن أن تقوم ازالة الخداع علي ربط المثال الاخلاقي بضرورات الواقع، وذلك بفعل الرحمة أو المحبة الخلاقة. وبالمعني نفسه يمكن أن يدل إبطال صفة القداسة علي نقل الطابع المقدّس من المؤسسات إلي البشر أكان البشري رجل الدين أم رجل الدنيا، كما يمكن أن تعني العلمانية الاعتراف بأن الانسان راشد والثقافة مستقلة، وأن رجل الدين والعلماني كلاهما انسان. إلي أي مدي يمكن أن تتوافق الأفكار الدينية المسيحية والاسلامية مع العلمانية؟ يمكننا الحكم علي ذلك انطلاقاً من مفهومي التجسّد والمخلوق. اما فكرة المخلوق الاسلامية، فتبدو، للوهلة الأولي، مضادة أكثر ما يمكن للعلمانية. والحقيقة أن الفكر الاسلامي لا يعترف بطبيعة مستقلة للأشياء. فالأشياء تكون كما هي بقرار إلهي. ولكن انطلاقاً من هذا القرار، ليس فحوي المشيئة الالهية المتعلقة بالانسان سوي تحديد الحياة الانسانية حقاً، اي الحياة الموافقة لطبيعة الانسان المكوّنة بقضاء الهي. اذاك يظهر ان استقلال المخلوق هو أشد تأكيداً في الاسلام منه في المسيحية، خصوصاً بسبب رفض كل فكرة للتجسد او لاتحاد الانسان بالله. فلا تداخل ممكناً بين هذين النسقين من الواقع. ومع ذلك، اذا كان الله هو الواقع الحقيقي الوحيد، فلا يكون المخلوق سوي الاشارة اليه. حينئذ لا بد من الاقرار بوجود معين للمعني في الاشارة أو للمشار اليه في الاشارة. وذلك كشرط مكوّن للاشارة. ثم أن الاسلام، اذا كان، بحسب قول كثير من المسلمين، في آن دين ودنيا، وفي قول غيرهم، دين الدنيا ودين الآخرة، نتج من القولين أن العلمانية وجه من الوجوه المكوّنة للاسلام. ما قلناه ليس سوي اشارة الي قابلية الفكر الديني لاستيعاب عبر العلمانية، وهو استيعاب يتم بتطعيم المبادئ الدينية بهذه العبر. ومما لا شك فيه أن التحقيق المفصّل من شأنه اظهار امكانات أخري. وقد يكون هذا التطعيم بمحاولة الربط بين فكرة التعالي الدينية، باعتبارها القيمة الغائية وأساس معني الحياة، والعقلانية العلمية والتقنية باعتبارها الوسائل الفعالة لواقع الحياة