فتح معبر رفح أمام حركة مرور المسافرين بين مصر وغزة    "لا يوجد مبرر لإقحام الأعلى للإعلام في قائمة الفتوى"    بدء أعمال المؤتمر الدولي الأول للإعلام السياحي بالغردقة    إثيوبيا استدرجت مصر حتى حصلت على ما تريد    "التعليم العالى" : منح مقدمة من هيئة الفولبرايت لدعم التعليم المهنى لعام 2018/2019    سعر الأسماك اليوم في سوق العبور    محافظ كفر الشيخ عن زيارة السيسي لافتتاح مزرعة الأسماك: "النهاردة عيد"    تعرف على مشروع الإستزراع السمكى ببركة غليون بكفر الشيخ |فيديو    مزارعو الفيوم يروون أراضيهم بمياه الصرف الصحى    البرلمان يناقش قانون البناء الموحد الأسبوع المقبل.. ومد تراخيص البناء 3 سنوات    وزير الصناعات الهندي: مصر أهم الدول المحورية في أفريقيا    ميناء نويبع يستقبل السفينة سينا وعلى متنها 511 راكبا    عاجل.. «الحريري» يبلغ الرئيس اللبناني بموعد عودته    زلزال بقوة 9.6 ريختر يضرب هضبة التبت جنوب غربي الصين    جيش زيمبابوي يوافق على تنظيم مسيرة مؤيدة له ومناهضة لموجابي    موسكو تسقط مشروعا يابانيا حول سوريا في مجلس الأمن    مستشار لخامنئي: على فرنسا عدم التدخل في برنامج الصواريخ الإيراني    الجيش الأمريكى يكشف: 14900 من أفراد الخدمة تعرضوا لاعتداء جنسى    روسيا: اتصالات مجهولة من الخارج تهدد باستهداف «بوتين»    الليلة.. ميلان ضيفاً علي نابولي في قمة نارية بالكاتشيو الإيطالي    اليوم.. 91 هيئة رياضية تنتخب مجلس إدارة جديد لاتحاد اليد    نور الشربيني تتأهل لنهائي بطولة هونج كونج للإسكواش    اليوم.. الخطيب يبدأ أولى ندواته الرسمية فى زايد    اليوم .. المصري يصطدم بالمقاولون في ختام الجولة التاسعة للدوري    "خريبين الهلال" ضمن قائمة ال 5 لأفضل لاعب في آسيا    خالد قمر يثير غضب الزمالكاوية بعد مباراة النصر    تجديد حبس نائب محافظ الإسكندرية و6 آخرين لاتهامهم بالرشوة    القبض على عضو بتنظيم الإخوان الإرهابي في البحيرة لتنفيذ حكم بالسجن المؤبد    المرور: شبورة مائية على الطرق السريعة.. وننصح بخفض السرعات إلى 60 كم/ساعة    صور.. هبوط أرضى يتسبب فى انهيار منزل "كوم أبو شيل" بأسيوط    مطار القاهرة: لا إلغاء أو تأخير في إقلاع الرحلات بسبب الضباب    ضبط 8 تذاكر "هيروين" بحيازة عاطل في موقف أتوبيسات بالإسكندرية    ضبط 62 أسطوانة غاز مدعمة لبيعها بالسوق السوداء بالبحيرة    الأرصاد: طقس اليوم معتدل.. والعظمى بالقاهرة 24 درجة    سمية الخشاب محدش أتحرش بيا قبل كده    شاهد أول صورة لأمير كرارة في (حرب كرموز)    سمية الخشاب: غيابي عن السينما بسبب قصر دورى على الرقص    الطالب الحاصل على الميدالية الذهبية بجنيف: مصر تستفيد اقتصاديا وعلميا من إنتاج علاج السرطان    طريقة عمل سلطة الأفوكادو بالخيار    توقيع الكشف الطبي على 1160 مريضًا بقرية بهيج في برج العرب مجانًا    6 ملايين فرنسي يعانون من ضعف في السمع بإجمالي 10% من الفرنسيين    البحرية الأمريكية تشارك في عمليات البحث عن غواصة جنوب الأطلسي    بالصور.. أنغام تواصل تألقها في حفلات كاملة العدد بالقاهرة الجديدة    هاني عازر: العاصمة الإدارية الجديدة يتوافر بها رفاهية المعمار    إطلاق اسم سمير فريد على الدورة السابعة ل«الأقصر السينمائى»    حلبية رئيسًا "بالتزكية" والخولى وسالم نائبين والطرابيلى أمينًا للصندوق    محافظ البحر الأحمر يلتقي بوفد أجنبي لبحث فرص الاستثمار بالمحافظة    «مستقبل وطن» بالغربية يواصل جمع التوقيعات على استمارات «علشان تبنيها»    أميان يُسدي خدمة لسان جرمان بتعادله مع موناكو في الدوري الفرنسي    يحدث اليوم.. عمرو موسى في "الوفد".. و"إسكان النواب" تزور العلمين الجديدة    حظك اليوم مع خبيرة الأبراج عبير فؤاد    أحمد الخالصي يكتب قصيدة :محمدٌ بين خيارين    "أمسك.. قلب لساه صاحى!!"    بالصور.. ملكة جمال العالم " ميس ايكو" هدفها ترويج السياحة في مصر للعالم    مَنْ يُدَحْرِجُ ..عَنْ قَلْبِي .. الضَّجَرَ    بالفيديو ..وزير الاوقاف : قوائم الافتاء مفتوحة ويمكن ضم أخرين    هل تنتهى ظاهرة فوضى الفتاوى فى وسائل الإعلام ؟    كلام والسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في نقد الدستور المصري ... !
نشر في نهضة مصر يوم 27 - 03 - 2006

لن نستطيع أبدا في عملية الانتقال من النظام السياسي الحالي إلي نظام ديموقراطي متكامل الأركان ما لم يكون لدينا القدرة والشجاعة أيضا علي تقييم حياتنا السياسية ليس باعتبارها سجالا بين الحكم والمعارضة، أو حتي شجارا بين
" الديمقراطيين"
و المستبدين
" وإنما باعتبارها نقدا ذاتيا لمجمل المسار التاريخي خلال القرنين الماضيين أي منذ إنشاء الدولة المصرية الحديثة علي يد محمد علي الكبير والثقافة السياسية التي صبغت الأشكال القانونية المختلفة للحكم بصبغتها المعادية للمشاركة الشعبية الحقة. وبناء عليه فإن ما يثار حاليا حول ضرورة أن تكون المراجعة للدستور المصري تعديلا أو تغييرا - متوائمة مع الظروف المصرية والثقافة السياسية السائدة فإنه لا يعني أكثر من استمرار الأوضاع القائمة علي ما هي عليه أو ابتداع أشكال جديدة منها. فما نريده حقا هو تجاوز اللحظة التاريخية، والتغلب علي الثقافة السياسية، لأن كلاهما فرض ما استوجب فكرة المراجعة في المقام الأول بعد أن بات واضحا أن الإطار السياسي للحياة المصرية لم يعد ملائما لما نحتاجه من شرعية للإصلاح الإقتصادي والاجتماعي العميق، ولا ما نحتاجه من مشاركة شعبية واسعة تقوم بواجب التعبئة لتحقيق التقدم العام ، أو علي أقل تقدير للتعامل مع كوارث لا يستطيع طرف سياسي واحد التعامل معها.
والحقيقة أن الطبيعة المركزية الفائقة للنظام السياسي المصري منذ محمد علي حتي الآن لم يكن راجعا فقط للتراث التاريخي لتحكم رأس الدولة منذ العهود الفرعونية وحتي الولاة العثمانيين، ولا كان ناجما عن الثقافة السياسية " الفرعونية" و " المملوكية " بقدر ما كان ناجما عن جهد منظم من قبل الوالي والخديوي والسلطان والملك والرئيس من أجل جعل الحكم عملية مركزية محضة تتم من قبل الذين أعطاهم الله الحكمة علي القيادة والتقدير السليم. وكان ذلك راجعا إلي نظرية سياسية محافظة تتشكك في الجماهير وقدرتها علي التقدير واتخاذ القرار، وتعتقد في حاجة الشعب المستمرة إلي التعقيم من الجراثيم الفكرية المختلفة التي يأتي بعضها من الخارج أما البعض الآخر فهو متوطن في الطبيعة المصرية، والتعليم والنضج الذي يجعل الشعب " جاهزا " للديمقراطية والتقدم؛ وحتي يحدث ذلك في يوم من أيام قادمة غير معلومة فإن حاضره سوف يظل أمانة تاريخية في اليد الحاكمة القوية والحكيمة. ولا يمنع هكذا حال من الحديث المستمر عن " الشعب المعلم " الذي يلقن " طلائعه الثورية " " أسرار آماله الكبري "- كما جاء في الميثاق الوطني خلال الستينيات - فطالما أن الحكم يقوم علي " التلقين " لأمور غير معلومة ولا يتم الجهر بها، فإن الحاكم وحده هو القادر علي فك طلاسمها وحل شفراتها.
وكان جزءا من هذا الجهد المنظم ابتداع أشكال قانونية تميزت دوما بالبراعة في تطبيق هذه النظرية المحافظة؛ وبينما كان محمد علي ومن خلفه من حكام خلال القرن التاسع عشر صريحا في الأمر حيث كان الشعب " عبيد " إحسانات الوالي، فإن دستور عام 1923 كان بارعا في إعطاء الملك ما يلزم من السلطات التنفيذية والتشريعية التي تجعله متدخلا في الحياة السياسية طوال الوقت المعروف بالحقبة " الليبرالية" المصرية. ولم يختلف الأمر كثيرا خلال الفترة " الوطنية " أو " الاشتراكية" أو " الناصرية " من حيث الطبيعة المركزية للحكم، ولكن الاختلاف والتميز جاء هذه المرة من خلال المدرسة القانونية الفرنسية التي قدمت " النظام المختلط " الرئاسي البرلماني البرلماسي كما قيل باعتباره النظام الذي يتواءم مع الظروف المصرية، والمعبر عن " الثقافة السياسية " المصرية؛ دون القول مرة واحدة لماذا كان ذلك كذلك وكيف أن نظاما مغرقا في المركزية يدفع الظروف المصرية إلي الأمام، ولا كيف يعبر عن ثقافة سياسية مطلوب تجاوزها وتطويرها لكي تدفع في اتجاه دولة جديدة تختلف عن تلك التي اعتدناها علي مدي سبعة آلاف عام.
وكان دستور عام 1971 هو آخر تجليات هذه المدرسة وأكثرها تشوها، فقد قام من جانب علي تراث طويل من الاستبداد، ولكنه لأسباب داخلية وخارجية حاول أن يصبغ علي الوثيقة بعضا من السمات الديمقراطية التي كان الحاكم يعلم أنه لن يلتزم بها. وكما نقل عن الرئيس السادات رحمه الله قوله أنه ولا عبد الناصر كانا يحتاجان " النصوص " لأنهما كما قيل ونقل هما "آخر الفراعنة" ولكن الوثيقة الدستورية جاءت لمن بعدهما. وهكذا أتينا إلي ما بعدهما في عهد الرئيس حسني مبارك لكي يكون معنا دستور وضعه آخر الفراعنة بروح وتقاليد الفترة الوحيدة التاريخية الممتدة التي عرفوها. وجاءت المدرسة الفرنسية البرلماسية لكي تضع الرتوش علي وثيقة مستبدة فلا تجملها بل تجعلها ممتلئة بالاضطرابات والتناقضات، ولكنها في جوهرها كانت تضع رئيس الجمهورية فوق السلطات لأنه في المادة 73" يرعي الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها الوطني " ثم يتجاوز رعاية الحدود إلي الإلغاء الكلي في المادة 74 التي تعطيه سلطات مطلقة في الظروف الاستثنائية. وببساطة كاملة فإن الدستور يكاد يتوقف عن طبيعته المختلطة المدعاة لكي يكون نظاما مركزيا بشكل مطلق في يد رئيس الجمهورية وهو ما لا يضيف جديدا للتراث المصري المعروف.
ولعل ذلك تحديدا هو ما نحتاج التعامل معه ليس بالقطعة أو بالمادة الواردة في الدستور وإنما من خلال مفهوم شامل يقوم علي تجاوز التاريخ والثقافة السياسية السائدة التي تتوقع قائدا حازما وقادرا ولكنه لا تتطلبه مستبدا بالضرورة إلي ثقافة سياسية ديمقراطية. ومثل ذلك ليس سهلا، ولكن ذلك هو دور النخبة التاريخي الذي يجعلها تعيد صياغة مصير أوطانها في الحاضر والمستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.