في العام 1914، دخل مئات آلاف الفرنسيين والانجليز والألمان ومئات ألوف الجنود الذين التحقوا بهم من جنسيات أخري، في حرب كارثية. وقد جاء دخول الحرب وسط تظاهرات حماس وطني وقومي في باريس كما في برلين. وتنافس السياسيون والدعائيون في تحريك الجماهير من خلال تمجيد الطغمة العسكرية وتزيين الحرب بالمزايا الرومانسية والبطولية والذكورية. تحولت اوروبا الي حقل من الدمار بعد سنوات اربع. لكن تطلب الامر، كما هو معروف، مذابح أكبر لوضع حد للكوابيس القومية والنزعة العسكرية في البلدان الاوروبية. لم تطفئ الحرب العالمية الثانية الروح الحربية لدي المنتصرين. وخير دليل علي ذلك الحروب وحملات القمع الاستعماري التي اتخذت طابعا من القسوة المفرطة في الجزائر والهند الصينية وكينيا وغيرها. لكن تراجع الامبراطوريات الاوروبية بات محتما ولم تعد اوروبا "مركز العالم". اذا كان الاحتفاء بآلة الحرب عند الرومان قد توقف في القارة العجوز، فانه ما زال يلهم المخيلة الأمريكية حتي اليوم. في كتابه حول الروح العسكرية الجديدة في الولاياتالمتحدة Le Nouveau militarisme am?ricain، يصف اندرو بازفيتش (استاذ في جامعة بوسطن وكولونيل سابق في الجيش وخريج كلية "وست بوينت" العسكرية) عوارض هذه النزعة: البحث النخبوي عن التفوق الاستراتيجي الدائم، تعويد الشعب علي الحرب، "جمالية" جديدة للحرب التكنولوجية عن بعد واخيرا تحويل الرؤساء الي أمراء حرب. لماذا هذا الاستثناء بين البلدان الديمقراطية "المتقدمة"؟ بالرغم من ان النزعة العسكرية الأمريكيةالجديدة بلغت تعبيراتها الاكمل في نظرية الحرب الوقائية مع ادارة الرئيس بوش، الا أنها "متجذرة في عمق الماضي الأمريكي" وتطورت "علانية وبدعم شعبي واسع" خلال الحرب الباردة. وقد تغير المجتمع بفعل انشاء آلة أمنية ضخمة تهدف من حيث اتساعها وكلفتها ومظهرها الي استمرار هذا المجتمع وانتشار نفوذه. اضافة الي المجمّع الصناعي العسكري الذي لم يتطرق اليه المؤلف كفاية، يتم ابراز عاملين حديثي العهد: ردة الفعل النخبوية علي التحولات الاجتماعية والديمقراطية في الستينيات والسبعينيات خصوصا ابان حرب فيتنام، والدخول المفاجئ للاصولية المسيحية الي المعترك السياسي. فمنذ ولاية نيكسون، ادت التعبئة السياسية في المنطقة الي "زواج بين الطموح الماورائي والماورائية العسكرية". في تحليله للشعور القومي الأمريكي، يشير بدوره اناتول لييفن الي دور ولايات الجنوب في بروز كتلة قومية عسكرية النزعة وامبريالية الطموح. يعتبر المؤلف هذه الولايات نظيرا وظيفيا لأتنية قومية داخل الاتحاد، تتمتع بهويتها وثقافتها الخاصة، كانت وما تزال منبعا حيا للنزعة التوسعية. قبل حرب الانفصال الاهلية (1861-1865) كان التوسع الجنوبي يقوم علي نظرية التفوق العرقي والدور الملهم قبل ان تتحول الي نزعة قومية وامبريالية ازدادت عدائيتها مع الهزيمة الكاملة التي منيت بها. "بعد تخليه عن حلم الاستقلال" تحوّل الجنوب الي "اشرس المدافعين عن التوسع الامبريالي" و"القومية الحربية". وما لا يزال غامضا هو تبني البلاد باكملها سياسة العظمة والنفوذ التي لم تخبو مرة. يقدم الكتابان اضاءة سوسيولوجية وتاريخية هامة ولو مجتزئة حول النزعة التوسعية الراهنة في الولاياتالمتحدة. وفي غياب تفسير واحد علينا الاكتفاء بفرضيات جزئية لظاهرة يقول عنها بازفيتش انها بمثابة "دعوة الي حرب لا تنتهي" تفتح الباب امام تمركز متزايد للسلطة ويمكن ان تفضي في نهاية المطاف الي "افلاس اخلاقي واقتصادي" للولايات المتحدة.