بدأت د. سهير المصادفة الندوة التى عقدت أمس ضمن أنشطة المائدة المستديرة بعنوان "الترجمة وتجاربها الرائدة" قائلة: منذ أكثر من نصف قرن كتب حسن الزيات في مجلة الرسالة مقولة أشتهر بها وهي "ما زلنا نريد بيتا للترجمة" ونحن اليوم بعد كل هذا الوقت نكرر ما قاله الزيات ولا نعرف إلى متى سنستمر على هذا الوضع. وأضافت: نحن نعرف جيدا أن الترجمة هي العمود الرئيسي في بناء أي حضارة في العالم، فعندما انتقلت الخلافة الإسلامية من عصر الخلافاء الراشدين إلى الحكم الأموى كانت الترجمة هي أول موجة في موجات النهوض في العالم الإسلامى، فساعدت في تأسيس الحضارة الإسلامية، وكان إحساسنا بالفخر كبير عندما بدأت الدول الأوربية تترجم أعمالنا الإسلامية وقت أن كانت تمر بعصور الظلام فأصبحت مشعل لنهضة الحضارة الاوربية. وانتقلت المصادفة إلى العشرينات من القرن الماضى عندما زادت موجة الترجمة على يد الشيخ رفاعة الطهطاوى التى أثرت المكتبة في العصر الحديث وكان هذا بتكليف من محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة، وقالت: للأسف نشهد الآن معدلات متردية من الترجمة سواء في الكم أو الكيف، فنحن لا أنتجنا أعداد كثيرة من الترجمات متوسطة الكفاءة ولا أنتجنا ترجمات جيدة بأعداد قليلة. وأكدت المصادفة أننا مازلنا نعانى من عدم وجود تجارب ترجمات رائدة في المجتمع العربي، وإذا كان لدينا المركز القومى للترجمة ومشروعات الهيئة المصرية العامة للكتاب، وغيرها من المكتبات الخاصة المهتمة بمجال الترجمة، فإن كل هذه المشروعات تبقى بذور لتجارب رائدة لم تظهر إلى الآن وتنتظر دعم الدولة والذي يجب أن يكون غير مشروط خاصة فيما يتعلق بالدعم المادى، وضربت مثالا بالخليفة هارون الرشيد الذي كان يزن الكتاب المترجم بالذهب، فالعالم العربي الذي يتسم بالثراء يجب عليه ضخ الأموال الطائلة للنهوض بالترجمة. طالبت المصادفة بالقضاء على العشوائية والأداء الوظيفى غير الخلاق، وأن يضع أى كيان يريد أن يخوض مجال الترجمة في بداية إنشائه خطة واضحة المعالم، وقالت: "عندما بدأت في تدشين سلسلة الجوائز كان ذلك بطريقة علمية، فقد حددت ما يريد الشارع الثقافي، وأن نعرف متى نترجم، وماذا نترجم، وما هي النتيجة المرجوة من هذه الترجمة، وكيف يمكن تنفيذ هذا، وتم اختيار الكتب الحاصلة على الجوائز أيا كان نوع هذه الجائزة وقيمتها. وتمنت المصادفة أن تستقر كل المراكز والمعاهد والبؤر التى تريد النهضة في العالم العربي، بأن تنطلق بخطة محددة، وأن تحاول مؤسسات الترجمة أن تتكفل بردع كارثة التعليم في مصر وضعف المترجمين ويكون ذلك بأن بتبنى خريجي كلية الألسن واللغات والترجمة وتدربهم وتربأ بهم الخلل الناتج عن ضعف التعليم وتعمل على صناعة المترجم، كما نفعل نحن في سلسلة الجوائز. وأوضح د. خيرى دومة مساعد مدير المركز القومى للترجمة أن مشروعات الترجمة جزء من مشروع الوطن ككل، ولا يمكن أن ننجز مشروعا إلا إذا كان مطلوب بصورة ملحة من الدولة، وتساهم في انجازه، وفي العصر الحديث هناك الكثير من المشروعات التى تمت دون رؤية قومية، ويمكن اعتبارها مجهودات فردية كما كان الحال في ترجمات رفاعة الطهطاوى وطه حسين، وأحيانا تساندهم الحركة العامة في المجتمع وأحيانا لا يحدث ذلك. واتهم دومة انهيار المؤسسة التعليمية وقال: إنها السبب الرئيسي في غياب الرؤية العامة للترجمة، فالتعليم يعانى من تدنى رهيب منذ ما يقرب من أربعين عامة، ولذلك فإنه لم يعد لدينا مترجمون كبار إلا عدد قليل جدا منهم الذين يمكن أن نعتمد عليهم بشكل كبير، وبالتالى كان هذا سبب اساسي في تراجع درجة جودة ما نقدمه من ترجمات. وأشار دومة إلى أنه عندما بدأ المشروع القومى للترجمة كان لديهم تصور يتمحور حول إنتاج أكبر قدر من الكتب المترجمة، وهذا كان جيد في الكم فقد أصبح لدينا عدد كبير من الترجمات، ولكن أدى ذلك إلى نشوء مشكلتين ومازلتا قائمتين حتى الآن وهما قبول مؤلفات دون المستوى، والاعتماد على مترجمين أيضا دون المستوى، الأمر الذي خلق نوع من العشوائية النسبية للعمل المترجم، وكان المركز يهتم بصورة كبيرة بالأدب والسياسة ووضع العلوم العلمية والهندسية في درجة أقل وهذا ربما يرجع لقلة عدد المترجمين للثقافة العلمية. ولخص حمدى عبيد مسئول التوزيع بإحدى دور النشر الخاصة التى تعمل في مجال الترجمة مميزات منظومة الترجمة في القطاع الخاص والتى من أهمها التنظيم الذي يكون على أعلى المستويات، وقد يرجع السبب في ذلك إلى الحفاظ على سمعة المؤسسة لأن الهدف بالأساس تجارى، وفي المقابل هناك العديد من المشكلات التى يمكن أن نعتبرها مساوئ متعلقة بالترجمة في القطاع الخاص، ومنها أن اختيار الأعمال يكون البسيطة منها التى لا تحتاج جهد في الترجمة ويستطيع أي مترجم مهما كانت درجة تميزة أن ينجزها، ونبعد دائما عن الترجمات الكبيرة التى لا يقدر عليها سوى المتمكنين. وأضاف: لا توجد رؤية محددة يتفق عليها المركز الواحد في الترجمة ولايوجد مشروع ثقافى هي رؤية تجارية بحته، لذلك فنحن نفتقر إلى الترجمات العلمية الضخمة، وإن كان هناك بعض الترجمات الطبية أو الهندسية التى يمكن أن يأتى من ورائها ربح تجارى. وقال عبيد أن أي تجربة رائدة حدها الأدنى رؤية تنطلق من واقع أزمة تدفعها المسئولية تجاه الثقافة، ومثال على ذلك تجربة الدكتور محمد عنانى الذي برع في ترجمة أشعار شيكسبير، فقد أهتم بالنص المترجم وأحدث نوعا من التجاوب بين المؤلف والمترجم الذي بدونه يستحيل أن يخرج نص إبداعى ذت معنى، فتجربة عنانى انطلقت من واقع الأزمة العربية الثقافية ومن جانبها أوضحت المترجمة نجوى السودة أن الترجمة في مصر بدأت مع الرحلات التى كان يخرج فيها الرحالة إلى الشام والحجاز، وفي هذا الوقت عرفنا المترجمين وتدرج الأمر بين فترات الرواج والإضمحلال حتى وصلنا الى العصر الحديث، وفي الوقت الحالى نعانى من نقص المترجمين، ذلك لأن التعليم مستهدف حتى أن كليات اللغات والترجمة لا تستطيع تخريج المترجم القادر على تحمل هذه المسئولية الجسيمة الذي يجب أن يكون على دراية بكل تطورات الوضع من حوله خاصة في الدولة التى يترجم منها. وأكدت السودة أن المترجم في هذه الأيام يعانى نقصا ماديا، وهذا يجعله يقبل بترجمة أي مؤلف مهما كانت قيمته حتى يحصل على الأموال لانها هذه وظيفته التى يتقوت منها، ويضطر أن يتعامل مع أي مكان للترجمة، فرغم أنها مهنة راقية إلا أنها في مصر لا يوجد أي إهتمام بها