مع تقارب عقارب الساعة على التاسعة مساء ، و"هدى" تعصف بالأجواء وتطيح عواصفها الباردة بكل من لا مأوى له ، فيفر الناس إلى غطاء ثقيل خلف أبواب منازلهم بحثا عن الدفئ وهروبا من تلك اللسعات القارصة وبأيديهم كوب الشاى الساخن . عنوان الأمان فى ليالى الشتاء . يبحث كل عن طريق الى الدفئ وشغل أوقات الفراغ فهناك من ينكب فوق "لاب توبه" أملا أن تبعث عليه بعض كلمات الشات الدفئ فى أوصاله ، وهناك آخر يدمن الجلوس امام تلفزيونه العريض " ال سي دي " مع فيلم عربي قديم تحت البطانية الثقيلة ، ممسكا بالريموت ، وبجواره المدفئة مندمجا مع احداث الفيلم ، متخذا من البطانية صديقا لايستطيع ان يفارقه . هناك آخرين لا يجدون البطانية ويتشوقون لاحتضانها بكل حب ليس من اجل البحث عن الراحة و " الانتخة " ولكن تجبرهم ظروف عملهم على التلفح بها فى العراء " ان وجدت" لكى يستمر فى اداء مهمته التى هى اكل العيش وطلب الرزق فى اى حال . الغفير .. مررت به وأنا عائدة من عملي جالسا امام مصنع متلحفا بالطو قديم ثقيل عفا عليه الزمان ، عينان تغفلان وهلة وتستيقظان أخري .. من اجل لقمة العيش ، ملثما بشال من الصوف يرتدي جوانتي إلي جانب حذائه الغليظ ، وهالنى ما رأيت عند النظر إلى أقدامه . كان يرتدي فوق الحذاء الغليظ كيسا بلاستيكا خشية دخول صواريخ الهواء لقدميه المتجمدتين ، وهممت فورها بالفرار الي منزلي منزلقة تحت البطانية شاكرة ربي علي تلك النعمة . السائق .. مشهور بين أوساط السائقين ان السائق الذي يعمل ليلا في فصل الشتاء أمه داعية عليه ، فتري " الأسطى" يرتدي الجاكت الجلد الثقيل والقبعة منكبا علي "الطارة" علي نغمات اغنية "أنا مش عارفني" متخذا من الطريق ملعبا وعلى مبدأ اغنية الراحل محمد رشدي " الدنيا دوارة مكسب على خسارة " وعلي الركاب الافاضل "المتكتكين" ان يتحملوا الطاقة الكامنة داخل السائق. ضابط وفرد الشرطة .. تاركا بيته وأولاده ليؤدي واجبه الذي اقسم علي تأديته بأكمل وجه ، وبينما نحن منغمسين في أحلامنا في أمان بفضل هؤلاء يسهر هؤلاء على راحتنا فى هذا الليل القارس . وهناك نماذج أخرى تسعى لأكل لقمة العيش ولكن من منظور مختلف تماما برغم شدة البرد الا انها تأبي التلحف بغطاء يقيها ضراوة تلك الليالى وتتمتع بال"تعرى" من اجل لقمة العيش وهى الراقصة ، ففي الوقت الذي نرتدي فيه كل مانملك من ملابس فهي لاترتدي سوي بدلة الرقص المفتوحة من جميع الاتجاهات ، ومع حركاتها اللولبية تسطيع ان تحصل علي الدفئ باحثة عن الكسب .......... ، ونتمني لها الصحة وان يحفظ الله عظام جسدها من الروماتيزم والخشونة وامراض " التعرى" . هل نحن فى حاجة لرفع مطلب للحكومة "بطانية لكل مواطن" نعمة الدفئ فى الشتاء القارس لا توصف ، وجحيم البرد على الفقير والمحتاج والمسكين أشد وطأة .. فهلا تراحمنا فيما بيننا كى يرحمنا الله من يوم الموقف العظيم .. دعوة للتكافل .. دعوة لحب الفقراء .. دعوة للخير ..