جامعتا القاهرة وبوتسدام الألمانية تبحثان تعزيز الشراكة الأكاديمية وتوسيع التعاون البحثي الدولي    استقرار سعر الدولار أمام الجنيه في بداية تعاملات اليوم 7 أبريل 2026    محافظ الأقصر: لا تهاون مع مخالفات الحنطور    الجيش الإسرائيلي يحذر الإيرانيين من استخدام القطارات    إعلام عبري: الموجة الصاروخية الأخيرة تجاه إسرائيل أُطلقت من إيران ولبنان واليمن    وزير الخارجية يشدد على تغليب الحكمة لنزع فتيل التوتر وتجنب سيناريو كارثي    «الأرصاد»: طقس اليوم دافئ مائل للحرارة.. والعظمى بالقاهرة 24    لخلافات على منع معاكسة الفتيات.. المؤبد للمتهمين بقتل شاب في قنا    وفاة الفنانة التشكيلية الدكتورة زينب السجينى    دراسة: الذكاء الاصطناعي ربما يساعد في التشخيص المبكر لسرطان الحنجرة من نبرة الصوت    مجلس الشيوخ يناقش قضايا القطاع الصحي بشمال سيناء    يوم الصحة العالمي 2026.. دعوة لدعم العلم وتعزيز صحة الإنسان    ريال مدريد يستضيف بايرن ميونخ في نهائي مبكر في دوري أبطال أوروبا    إعلام إسرائيلي: إطلاق صفارات الإنذار في الجليل الأعلى على الحدود مع لبنان بسبب تهديدات صاروخية    مسؤول إيراني يدعو الشباب لتشكيل سلاسل بشرية حول محطات الكهرباء    بث مباشر دوري نايل.. شاهد مجانًا دون تقطيع الأهلي يواجه سيراميكا كليوباترا في افتتاح منافسات الجولة الأولى من المرحلة النهائية للدوري المصري الممتاز    منظمة الصحة العالمية تعلق الإخلاءات الطبية من غزة بعد مقتل متعاقد    انطلاقة قوية ل«معّوز (GOAT)».. مغامرة كرتونية بطابع مصري تقتحم دور العرض قريبًا    رهان الحنين والنجاح.. مصطفى شعبان يعيد إحياء "الزوجة الرابعة" في جزء ثانٍ يقتحم سباق رمضان 2027    ارتفاع الأسهم الأمريكية وأسعار النفط قبل انتهاء مهلة ترامب لضرب محطات الطاقة في إيران    درة: أرفض تكرار أدواري وأعتز بإشادة نادية الجندي بدوري في «علي كلاي»    هل أصيب عبدالرحمن أبو زهرة بورم على الرئة؟.. نجل الفنان يرد    يوسف الشريف: هناك أجيال كبرت على أعمالي ويتابعونني منذ كان عمرهم 14 عاما    تموين الإسكندرية تضبط 1،5 طن دقيق البلدي معاد تدويره داخل مخبز سياحي في العامرية    CNN: تل أبيب وضعت سيناريوهات بديلة حال فشل الدبلوماسية مع طهران    لجنة المخابرات بالشيوخ الأمريكى: لواء المدفعية 142 اتجه إلى الشرق الأوسط    إصابة شخصين إثر اصطدام سيارة واشتعال النيران بها برشيد في البحيرة    منير مكرم: الرئيس السيسي أب لكل المصريين.. وزيارته للكنيسة نقطة تحول تاريخية    لا داعي للقلق، بيان مهم من محافظة الإسكندرية بشأن انبعاث رائحة غاز اليوم غربي المدينة    مختار جمعة: المساواة أمام القانون في عهد السيسي واقع ملموس لا مجرد شعارات    رئيس لجنة الطاقة بالشيوخ: إضافة 120 مليون قدم غاز يوميا للشبكة القومية من اكتشافات جديدة    أوقاف الجيزة: توجيهات حاسمة لترشيد الكهرباء والانضباط بالمساجد    التعليم: وضع المدارس الدولية المخالفة لضوابط ختم الدبلومة الأمريكية تحت الإشراف المالي    هل يقود موسيمانى شباب بلوزداد أمام الزمالك فى نصف نهائى الكونفدرالية؟    صفقة القرن، ليفربول يقدم عرضا خياليا للتعاقد مع فينيسيوس جونيور    حسام المندوه: الأقرب هو حصول الزمالك على أرض بديلة    تفاصيل محاضرة علمية لإدارة إسطبلات الخيول بطب بيطري القاهرة    "روستيليكوم" تتعرض لهجوم إلكتروني قوي بحجب الخدمة (DDoS)    داليا عبد الرحيم تعزي الزميل طارق سيد في وفاة والدته    المهندسة صباح مشالي تتصدر قائمة القيادات النسائية المؤثرة في مجال الكهرباء والطاقة بأفريقيا    حماية المستهلك يوضح تفاصيل ضبط منتجات غذائية منتهية الصلاحية بعد بلاغ مواطنة    مدير الطب البيطري ببورسعيد: واقعة اقتحام شيلتر الكلاب اعتداء على منشأة حكومية.. والأعداد بالشوارع مرعبة    بعد تعرضها لتعذيب أسري جماعي، التحاليل تكشف مفاجأة فى مقتل "سما" طفلة المنوفية    النحاس يكشف ما سيفعله إذا واجه الأهلي كمدرب ل المصري    رئيس برلمانية مستقبل وطن يشيد بتشكيل لجنة فرعية لدراسة قانون الإدارة المحلية الجديد    متحدث التعليم: الوزارة بصدد لائحة متكاملة ومنظمة لعمل المدارس الخاصة والدولية وإعلانها قريبا    عصام السقا ينشر فيديو يُظهر قدرته على قيادة الخيل ببراعة    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 7 أبريل 2026 في القاهرة    عميد تجارة عين شمس: اتخذنا خطوات استباقية لتحديث لوائحنا الدراسية وننتظر اعتماد الأعلى للجامعات    عبد الظاهر السقا: صفقات الشتاء أعادت التوازن إلى الاتحاد السكندرى    إبراهيم حسن: زيزو لاعب «مصنوع» وانتقاله إلى الأهلى لم يكن متوقعا    هل تُنفذ وصية الأب بمنع ابنه من حضور جنازته؟.. أمين الفتوى يجيب    أين تقف المرأة خلف الرجل في الصلاة؟.. تجيب    الصحة: مستشفى الهلال يستقبل 200 ألف مريض سنويا ويجري 12 ألف عملية عظام    لجنة النظام بالوفد تتخذ قرارات حاسمة بشأن أحداث اجتماع الهيئة العليا الأخير    حذر منها النبي.. 6 عادات تدمر حياتك وعلاقتك بربك    الإفتاء: الشرع نهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بأحسن الوجوه    دعاء صلاة الفجر| اللهم اغفر لنا الذنوب التي تحبس الدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفضاء المتوسطي: تاريخ مشترك، هل يمكن أن يؤسس لوحدة ؟
نشر في محيط يوم 11 - 10 - 2007

الفضاء المتوسطي: تاريخ مشترك، هل يمكن أن يؤسس لوحدة ؟

* سفيان الشّورابي

لم تكن محاولة تسويق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لمشروع بعث اتحاد للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط نوعا من الابتكار المسجل لفائدته. و لا تتجاوز العملية تلك، في جزء منها، لعب دور رجل لدولة عظمى، يشتغل بالأساس على الدفاع عن مصالحها الممتدة و اللامتناهية. وهو معقول في هذا الجانب. و لكن من المؤكد، أن الروابط التي تجمع تلك البلدان أوسع من زاوية هذه الرؤية.

وهي متجذرة في غياهب التاريخ، و مكثفة نتيجة للتراكمات المتعلقة بالحاضر الراهن. ولو نظرنا ملية، لأعتقدنا في أننا لسنا في حالة ارتهان بتطلعات قليلة الجدوى، باعتبار ترسخ علاقات مرصوصة غير قابلة للاختراق، و لا تحتاج إلا لعملية تعرية و اكتشاف عن طريق تبني منهجا مغايرا و متجددا، ينأى تماما عن ما اكتسبته شعوب المنطقة من براثن سياسات بعينها أو من تحاليل ضاغطة إيديولوجيا أو من نتاج لبراديقم متحجر أو من سياقات مرتبطة بحوادث معزولة، لم تكن في جل الأحيان إلى جانب مصالحها. و على رأس تلك الأفكار التي تحتاج إلى بذرة شجاعة عميقة، ما هو متعلق بالغوص في الجامع ما بين دول اشتركت بقوة التاريخ و الجغرافيا و غيرهما كثير، في قطع كبيرة من الموحد فيما بينها.

وطبيعي في هذا المستوى، أن تتداخل فواعل كثيرة لقصف هذا الانسجام بغرض تفتيته و تجزئته، و إعلاء التباينات و التعارضات على حساب التقاطعات غير المحدودة. فتلك سنة التطور التاريخي. و لكن من المهم، من وجهة نظر تحسب للمستقبل أهمية مطلقة، إيثار ما يمكن أن يؤسس لتقارب متوازن و متعاون و متكافئ تسمو من خلاله مصلحة الجميع على حساب أهداف جزئية التصور.

Mare mediterraneum، ذلك هو الأصل اللاتيني لكلمة البحر المتوسط و الذي يقصد ب" البحر في وسط الأرض ". و لو تعمقنا ايتمولوجيا في المفردة، لعلمنا أن الجغرافي Solin الذي عاش في القرن 3 بعد الميلاد، هو أول من استعملها في نص مكتوب ليقصد هذا البحر، الذي تمتد مساحة مياهه على 2.5 مليون كم2، تبدأ من مضيق جبل طارق إلى حدود مضيق البوسفور، على مسافة 5 أيام من الإبحار على سفينة بسرعة 17 عقدة بحرية.

وأضاف Ludolph de Sudheim في القرن الرابع عشر بعد الميلاد " المتوسط هو البحر الذي عن طريقه نصل إلى الأرض المقدسة. سمي هكذا لكونه يفصل ما بين آسيا من الشرق، و أوروبا من الشمال و الغرب، و إفريقيا من الجنوب ".

ولكن، يدور في الذهن سؤال معقول؛ أين ينتهي المتوسط، أي الرقعة الجغرافية التي يصح تسميتها بالمتوسطية؟ هل يقف عند حدود امتدادات تأثيرات المناخ المتوسطي، أم يغوص في الأراضي الداخلية لدول لها إطلالات عليه؟ بيْد أنه، من الأكيد بأن هذه المنطقة تشترك، في مستوى أول، في البحر و المناخ و المشهد الطبيعي الواحد. وهي مؤثرات لها دلالات هامة تتضح بالخصوص من خلال ما عرفه المحيط الترابي المطل عليه من تواتر لجملة من الحضارات بالمفهوم الشامل للكلمة.

حضارات امتد إشعاعها إلى بقع متباعدة من العالم القديم. و من الحاصل الذي لا لبس فيه، ما للشعوب المتوسطية من دور جوهري في حصيلة التقدم الذي تتمتع بإيجابياته البشرية الآن. و الأهم في هذا الاتجاه، أنه رغم كون البحوث الانتربولوجية ما زالت غير مجمعة حول الموطن الأول لنشأة الإنسان البيولوجي، فان الكائن الحضاري الذي تجاوز عتبة المرحلة البدائية مرتبط ببؤر معروفة و معلومة، لعل أبرزها الأراضي القارية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
فلا يمكن أن ننبش في التاريخ القديم و المعاصر دون أن نعرج بالضرورة على الفينيقيين و القرطاجيين و اليونانيين و الرومان و الجنوفيين و اليهود و البربر و الأتراك و البيزنطيين و الأندلسيين و النورمانديين و غيرهم كثير و لا يحصى. حضارات امتد إشعاع ثقافاتها و سطوة تجارتها و هيمنة عساكرها على مجالات جغرافية متفاوتة البعد.

وليس من اليسير، ولا هو من المطلوب في هذا النص الإبحار في أحقاب تاريخية موغلة في القدم. فالأمر يحتاج إلى مجلدات لذلك. ولكن، من المهم معرفة المغزى الممكن من تتالي أمم تجمع فيما بينها نقاط تماس كثيرة وعديدة يتم إغفالها اليوم بطريقة منهجية.

إن ما يمكن استنتاجه على هذا الصعيد، هو احتواء المنطقة المتوسطية على عدد من العقد المفصلية التاريخية، التي أفرزت تشكل البعض من أسس الوضعيات الحالية لحالة الصراع أو التحاور ما بين شعوب المنطقة.

فعلى ثراء التاريخ المتوسطي و خصبه، يمكن أن نختزل بعض اللحظات التي كان لها عميق الأثر على الفترات التي تلتها، و راكمت بشكل واضح في تنضيد شخصية و ذهنية عموم سكان المنطقة، وفي نحت جزء من المصير المشترك فيما بينها.

ففي عملية استرجاع خاطفة لتاريخ، ساهم في نسْج أطواره قوميات متباينة و عقليات متأثرة بمناخات فكرية مختلفة في الجذور، نكتشف روابط متينة و غليظة.

فمن الفينيقيين نحسب لصالحهم، نشرهم لحروف الكتابة لدى متساكني المتوسط، و رسمهم لخطوط الملاحة البحرية و استيطانهم لأراض جديدة و مجهولة. فمنذ القرن الثالث قبل الميلاد، توجه دور المدن الفينيقية Byblos وOugait و Tyr نحو التجارة البحرية لتصدير خشب شجر الأرز و الصبغ الأرجواني و المنتجات المصنعة من قبل المصريين، و استيراد الفضة من اسبانيا و القصدير من الجزر البريطانية.

ولا يكفي لليونان، من جهتهم، احتضانهم لمراكز نشر الفلسفة و العلوم بشتى أنواعها، بل غرسوا في العقل السياسي مفهوم الدولة- المدينة polis الذي نعيش أشكاله الحديثة اليوم. و شارك القادمون إليها من أمصار أخرى métèques les ( الأجانب القاطنين مدينة أثينا ) في التجارة مع السكان الأصليين. أثينا، أيضا، حافظت على المنطقة من توسع سلطان الفرس، عن طريق تأسيسها لرابطة مدن Délos. للتحول اثر انتصاراتها المتوالية إلى إمبراطورية متوسطية. وقد تميزت تلك الفترة بتطور العمران و الحياة البحرية و بظهور طبقات من الأثرياء الحضريين الذين حكموا شطئان البحر.

وكان للرومان الذين امتد تاريخ سطوتهم على 6 قرون بأكملها، منذ 168 ما قبل الميلاد، دورا نوعيا في نشر الثقافة و الفكر والفن، زيادة لمساهمتهم في تحديث السفن البحرية. فموانئهم حصرت بين أيديهم استيراد الحبوب من صقلية و من مناطق شمال البحر الأسود و من مصر، و الخشب من أنطاكية، و تصدير البضائع المصنعة و الخمور. سفن تجلب الفخار من الغال و المعادن القادمة من الشرق. كما لبست روما رداء الدعوة المسيحية و نشرت قيمه على البقاع التي انضوت تحت جناحها، وعلّمت جيرانها سنّ القوانين و أنماط مأسستها. و سمح الاستقرار في ذلك العهد Pax romana، بحرية تنقل الأفراد و الخيرات و تحقيق الأمن لم تعهده المنطقة من قبل. فالرومان هم أول من أسسوا جهازا للشرطة، و قاموا بمحاربة القراصنة. حيث أصدر، زمنها، مجلس الشيوخ أمرا بالقضاء عليهم، و قتلوا خلال بضع أشهر أكثر من 30 ألف منهم.

بيزنطة، المسيطِرة على أجزاء شاسعة من العالم القديم، لها هي الأخرى من المخلدات محافظتها على أرثوذكسية الدين المسيحي و نقائه، و ترسيخها في البنية الذهنية لمركزية الدين كأسّ للدولة، و ما تعيشه تركيا الكمالية هذه الأيام إلا أحد الأدلة على ذلك.

في حين استطاع الإسلام أن يمركز حوله كل جوانب الدنيا و ما بعدها. فيكفي أن التقت مجتمعات بأكملها حوله لتشعر بروابط قوية تعتقد في مستقبل واحد، رغم الانشقاقات المذهبية الفرعية المتتالية. وما يزال يمثل الإسلام، بشكل غريب، مصدرا لكل أركان الحياة لدى المسلّمين به، انطلاقا من تفاصيل الحياة الشخصية إلى صياغة الايتيقيا الجماعية، و حتى مقتضيات الاستيتيقيا الفردية. ففور انتشار المسلمين Sarrasins حسب ما كان ينعتهم به اللاتينيون في تلك الحقبة، حول المتوسط ( وصلت سيطرتهم إلى قبرص سنة 649، و قرطاج سنة 698، و صقلية سنة 727 ميلادي )، تحولت عصب النشاط الحضاري إلى جنوب الضفة. و كانت المراكز المدينية كتونس، و بجاية، و طرابلس، و الإسكندرية أهم المناطق المحورية في الحياة الإنسانية خلال الطور الأخير من الألفية الأولى. و استطاعت مصر "المسلمة" أن تستغل موقعها لتحقيق رخاء اقتصادي هام.

ثم كانت الإمبراطورية النورماندية الممتدة طيلة الفترة الفاصلة ما بين القرن الحادي عشر و القرن الثالث عشر، ففور اشتداد عود النورماند، نظموا الحروب الصليبية على المسلمين. وتمت إزاحة هؤلاء عن مدينة Campanie سنة 916 و Provence سنتي 972-973 و قضوا على بقية فلول البيزنطيين في ايطاليا الوسطى، و أسسوا دولة عظمى، عاصمتها باليرمو. و بهذا استفادوا من خليط و حصيلة المعارف و العلوم اللاتينية و العربية و البيزنطية، قبل أن تسقط مع انتشار وباء الطاعون سنة 1347 الذي انتقل إليها عن طريق الوفود التجارية القادم من مدينةCrimée و بلاد الغال.

و مثّل اجتياح المغول للمتوسط، نقطة تحول مصيرية بالنسبة للمتوسط. فبحلول شعوب آسيوية كانت تصنف بالبربرية و التخلف عن التطور الذي كانت تمر به المنطقة حينها، عاضدهم في ذلك الزخم الديني الذي دججهم به المماليك و القبائل العثمانية في آسيا الصغرى، بدأ عصر سيطرة الغربيين على المتوسط يتراجع على حساب أهل الشرق مع انهيار القسطنطينية سنة 1261 لفائدة المغول. لتشمل هيمنة هؤلاء، فيما بعد بقية أنحاء المنطقة، انتهت أمام أسوار مدينة فيانا سنة 1529. دولة عسكراتية نظامية وحدت دول و أمم متقابلة دينيا و ثقافيا و عرقيا. و لكنها أبت إلا أن تسقط هي الأخرى، بانهزامها أمام دون خوان النمساوي بمدينة Lépante سنة 1571.

في نفس ذلك الوقت، استطاعت لشبونة البرتغالية سرقة البعض من نفوذ العثمانيين مع تحول خطوط التجارة إلى أمريكا اللاتينية و آسيا عن طريق إفريقيا.

وظلت شبه الجزيرة الإيطالية تحت الاحتلال الاسباني توفر المعونات المالية و الجنود ( من ميلانو و نابولي ) و الحبوب من صقلية إلى الاسبان. فقط البندقية بقيت مستقلة عنها ( إضافة إلى مدينة Piémont ).

وتنهار الإمبراطورية العثمانية بسبب فساد إدارة الباب العالي و طغيان الأليغارشية العسكراتية على سدة الحكم لتتحول من قوة ضاربة إلى هيكل فضفاض، وكان التوقيع على اتفاقية الاستسلام Karlowitz سنة 1699 مع النمساويين الذين هاجموهم بمعية الروس و البولونيين نقطة بداية التراجع التركي الفعلية.

وفي أوائل القرن التاسع عشر، مثلت الفترة الاستعمارية التي صاحبت فترة الأنوار و انطلقت شرارتها الأولى مع احتلال الأنقليز لمالطا سنة 1800 و انطلاق الحملة النابولينية سنة 1801 على ايطاليا ، و احتلال الجزائر سنة 1830، الموعد الفيصل لاختلال التوازن من جديد، بين المسلمين و المسيحيين لفائدة هؤلاء حول السيطرة على مفاتيح المتوسط. ليستتبع ذلك الصدمة المعرفية التي ما يزال يترسخ صداها إلى الآن، رغم بعض محاولات عدد من المصْلحين في مصر و تونس و تركيا.

ولا نغفل على التطرق عن دور ثورة وسائل النقل بجميع أصنافها، وانتشار المواني الشاسعة و الضخمة، و تطور خطوط بحرية قارة ( مرسيليا-الجزائر سنة 1835، لندن-مضيق جبل طارق-الإسكندرية سنة 1838 )، في رصّ العلاقات بين سكان الضفتين، توازيا مع انطلاق السياحة أواخر القرن الثامن عشر.

وبخروج الفرنسيين نهائيا من الجزائر سنة 1962، طويت بشكل محدد الصفحة الاستعمارية، لتنتقل العلاقات المتوسطية إلى أطوار جديدة و مغايرة.

إن ما يمكن التوصل إليه بدرجة أولى، هو أنه لا يمكن اعتبار التفاف معظم هذه الحضارات على مدن مركزية بعينها ( الرومان/ روما، اليونان/ أثينا، الإسلام/ دمشق- القاهرة- اسطنبول... ) دليلا على انحسار موجة الرقي و الازدهار في مناطقها. فجدلية العلاقات المادية و غيرها بين الشعوب المختلفة في مستوى البنى الثقافية و اللغوية و العرقية على مستويات عدّة، لم تقف البتة حاجزا أمام إنماء جميع الأجزاء الفاصلة بين مختلف تلك الإمبراطوريات، وتنقّل الموجات البشرية بين أصقاع المكان. فالحركية البينية ( تجاريا، فكريا بالأساس ) لم تعبئ بصعوبة الروابط الجغرافية و لم تصطدم بحاجز المياه الفاصلة.

ويسلّم عدد من الباحثين بأن التوصيف الأساسي للحضارة المتوسطية بكونها تقوم على المدن و الحواضر بامتياز. حجتهم في ذلك مركزية المدينة و دورها المؤثر في تاريخ بلدان المنطقة. فالمدينة المتوسطية أشعت بقوة على محيطها الريفي و البدوي، و خلقت بشكل لافت معظم التمثلات و التعابير الخلاقة لمجتمعاتها.

وكانت محرار لدرجة تطور الفضاءات الجغرافية المجاورة لها. و نذكر على سبيل المثال، كيف ساهم بركان Vésuveفي تدمير حضارة بأكملها بمجرد قضائه على مدينة Pompéi سنة 43، و كذلك الزلزال الذي هز أركان مدينة Catane سنة 1693 و يطيح بمعالم النهضة التنويرية الوسيطة بالأنحاء المحيطة لها. و ما تزال المدن إلى اليوم، تعبر عن مركزية الفعل الحضاري، على الرغم من تعرضها لعمليات تغيير عميقة، كنتيجة لموجات النزوح الكبيرة التي شملت مدن الجنوب، و الهجرة الوافدة في فترة السبعينات من القرن الفارط للمدن الشمالية للمتوسط.

وتعتبر غالبية المدن المتوسطية قديمة النشأة، على الرغم من العديد من التحويرات الجذرية التي شملتها، و حافظت المدن التي بُنيت، بالخصوص، في عهود القرون الوسطى على سلامتها و صلابتها و عنفوانها و أشكال هندستها المعمارية و أهميتها على غرار قرطبة و غرناطة و البندقية. في مقابل ذلك، لم تستطع المدن الجنوبية، المحافظة على أجزاء من تاريخها، و اقتصر دورها بما هو مرتبط بوظيفتها الإدارية و التقني-سياسية، وانخفضت درجة تجذرها في الذاكرة الجماعية و وقع إضعافها و تقزيمها بسياسات بناء سكانية فوضوية و عشوائية.

ولا يمكن، من هذا المنظور، إغفال موقع الجزر البحرية في نسْج مكونات مخيال الشعوب المتوسطية و تكوين شخصيتهم. فالميثولوجيا الإغريقية تحفظ لنا كيف كان يتصور الإله Eros الجزر كشكل معبّر عن الإثارة و الانسجام، في حين كانت تتصوره Eris تضمينا للكراهية و للبغض.

فهناك ما يناهز 4000 جزيرة مساحتها أقل من 10 كم2، زيادة على 162 جزيرة كبيرة، تمثل جميعها نصيب 4 % من مساحة المتوسط. وما عدى جزر جربة و قرقنة التونسيتين و أرواد السورية، فان بقية الجزر متأثرة بالثقافات الوافدة من جهة الشمال. و ساهمت منذ القدم في تمتين أواصر التواصل بين الجانبين.

أما اليوم، فالمشهد المتوسطي العام يشوهه الكثير الاختلالات و التصدعات التي تضاعف من علو الجدار الوهمي الفاصل ما بين ضفتي المتوسط. تعبيرات ذلك تتجلى بصورة فاضحة، تكشف عن بقية الصور الثانوية. فالفارق بين الدخل الوطني الخام للدول المصنعة الواقعة في أغلبها على ضفاف شمال المتوسط تبلغ 7 أضعاف ذلك الناتج بالجنوب. في حين لا يفصل بين بعض أجزائها إلا بعض كيلومترات ( 15 كم ما بين اسبانيا و المغرب، و 60 كم تفصل بين ايطاليا عن ألبانيا الفقيرة ). و لا تقف هذه الحالة، على هذا الجانب فحسب، بل تمتد نتائجها بالتأكيد على بقية أجزاء الروابط القائمة بين دول الحوض.

إن الروح المتوسطية قائمة غير زائلة. و إذا كانت بعض الأقواس مازالت مفتوحة، واقفة كعائق أمام نحت تصور مغاير لتوحيد منطقة لا تزال تحتفظ بعناصر التقاء كثيرة. فمن أوكد الاولويات هنا، هو ضرورة إغلاقها، و إيجاد حلول نهائية تتيح للجميع فعلا العيش بأمان. " وبالتالي، يبدو من الضروري البحث عن الوسائل التي من شأنها خلق فرص اللقاء التي يمكنها إكساب الآخر القيمة و العمق التي كانت موجودة دائما في الحيز المتوسطي "، مثلما دعا إلى ذلك أدهم ألدم.

** صحفي من تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.