متر واحد للطول وآخر للعرض؛ قوائم خشبية تم ربطها سويا بواسطة بعض ''المسامير''؛ فأصبحت كصندوق خشبي مفرغ من الأربع اتجاهات ثم وُضعت فوقه الأغطية لتصبح هي السقف وبعض الأغطية الأخرى أرضاً لتصبح أرضية الصندوق مكان ملائم لتمديد الجسد عليه بغض النظر إذا ما كان هذا الجسد سينام مطمئناً أم لا. أما هما؛ فقد جلسا سوياً خارج هذا الصندوق الخشبي لا حيلة لهما بشيء، سوى استنشاق بعض الهواء النقي بدلا من الصندوق الذي أصبح أشبه ب''التابوت'' بسبب ظلامه وضيقه ومظهره الذي لا يبعث في نفسيهما سوى الحزن على ما وصلا إليه، حتى أن مفارقة القدر جعلت أحدهم يكتب إعلانا فوق صندوقهما الصغير عن جمعية خيرية تساعد المسنين وتأويهم. هذا الصندوق هو بيتهما؛ سيدتان تعيشان داخله من عشرات السنين بمنطقة مقابر ''العمود'' بمنطقة كرموز بمحافظة الإسكندرية وبرغم قربهما من مبنى حي المنتزة ووجودهما على مرأى ومسمع من موظفيه ورئيسه إلا أن أحدا لم يلتفت إليهما. ''خوف'' و''رهبة'' هما الكلمتان الأقرب لوصف حال السيدتان التي تقارب أعمارهما الخمسة وسبعين عاما عند اقتراب أي غريب للحديث معهما ولو بغرض المساعدة، إلا حديثهما مع القليل من أهالي الحي الذين يقدمون الطعام والملبس لهما والذين يؤكدون أنهما ضحيتان لانهيار منزلهما بمنطقة كرموز وأنهما لم يكن لهما منزلا يأويهما بعد انهيار الأول، وبعد أن فشلت كل محاولاتهم في الحصول على منزل إيواء من المحافظة لم يجدا غير هذا الصندوق ليصبح هو مسكنهم.