تساءل كثيرون في مصر وخارجها حول سر تعلق المصريين بالزعيم جمال عبدالناصر لم يكن التساؤل للرغبة في المعرفة فقط. ولكن لإبداء الاندهاش والاعتراض علي ذلك التعليق. فعبدالناصر هزم سنة 1967 ومات دون أن يحقق نصراً كبيراً يمسح به دلالة الخامس من يونيو ومن ثم مات! وهو مهزوم. فكيف للمصريين أن يتعلقوا بزعيم "مهزوم" ويتذكروه في مواقفهم الصعبة..؟؟ الحقيقة أن التساؤل بدأ خارج مصر وخارج العالم العربي. في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية. عقب مظاهرات يومي التاسع والعاشر من يونيه. والتي رفض الملايين فيها فكرة تنحي الرئيس عبدالناصر عن الحكم. التي أعلنها هو. يومها ردد البعض أن الاتحاد الاشتراكي هو الذي نظم أو "فبرك" تلك المظاهرات. لكن هذا التفسير سقط تماماً حين شاهد العالم جنازة عبدالناصر يوم 1 أكتوبر 1970. ومدي الحزن العارم الذي بدا عليه الملايين في مصر وعدد من الدول العربية. فأعيد طرح السؤال مجدداً. ثم انتقل السؤال إلي بعض الأوساط المصرية. خلال معارك منتصف السبعينيات. حول الناصرية والساداتية.. ومازال السؤال يطرح وبإلحاح إلي اليوم. في أثناء ثورة 25 يناير. كانت صورة عبدالناصر مرفوعة في ميدان التحرير. كان المشهد لافتاً. خاصة أن نسبة غير قليلة من الذين كانوا في الميدان. ولدوا بعد رحيل عبدالناصر بسنوات. وعاشوا في غير عصره وزمنه. بل عاشوا مناخاً مناقضاً لمناخ عبدالناصر إلي حد كبير. وحين تولي الإخوان الحكم في منتصف عام 2012. وتكشف الوجه القبيح لممارساتهم. رفع المصريون في وجههم صور عبدالناصر. ورددوا هتافات "عبدالناصر قالها زمان.. الإخوان ملهوش أمان". تلك الفترة. أظهرت قطاعات واسعة من المصريين حنيناً جارفاً إلي "ناصر" النموذج. وهنا تكرر السؤال القديم الجديد. عن سر تعلق المصريين بهذا الزعيم؟ البعض يرجعها إلي ما يسميه "الكاريزما" الشخصية التي تمتع بها عبدالناصر. والحق أن الشعوب ليست ساذجة وبلهاء إلي هذا الحد. الموضوع أعمق من ذلك بكثير. الزعامة ليست مجرد "كاريزما" تربط المواطنين برباط "سحري" نعم الكاريزما ضرورية ومهمة. لكنها وحدها ليست كافية. فضلاً عن أن "الكاريزما" قد لا تصل إلي الرأي العام بسهولة. وربما تحتاج بعض الوقت حتي تبدو واضحة. هكذا كان الحال بالنسبة لعبدالناصر. حكم منذ 1954. ولم تنكشف الكاريزما الخاصة به مع الجماهير. إلا مع إعلانه قرار تأميم القناة في 26 يوليو .1956 الزعامة كذلك لا يمكن اختزالها في هزيمة عسكرية يتعرض لها زعيم وقائد. فتسقط عنه. الذين طرحوا قضية 1967. فاتهم مراجعة التاريخ المصري. وفلسفته. طومان باي. هزم أمام سليم الأول. وحوكم وشنق علي باب زويلة. قبل خمسمائة عام. ومع ذلك ازددا تعلق المصريين به وتقديرهم له. وأطلقوا علي يوم شنقه. وكان يوم جمعه. اسم "الجمعة الحزينة" وتحدث عنه بتقدير وحميمية د.حسين فوزي في كتابه "سندباد مصري" وأصدر حوله محمد سعيد العريان رواية "علي باب زويلة" رغم أنه مني بهزيمة تفوق 1967 بمراحل. الأمر ينطبق علي أحمد عرابي. الذي حمله فريق من المصريين مسئولية الاحتلال البريطاني لمصر. وهجاه أحمد شوقي في قصيدة جارحة. عقب عودته من المنفي ومع ذلك فإن الضمير العام في مصر حمل له احتراماً وتقديراً كبيرين. وقد لا يحقق الزعيم كل ما نادي به وتمناه. مصطفي كامل نادي بالاستقلال التام. وجلاء الانجليز. ومات دون أن يحقق شيئاً مما أراد. لكنه بعث الروح الوطنية بعد هزيمة 1882. ورفع صوته عالياً مندداً بالاحتلال البريطاني ومتمسكاً بالوطنية المصرية. الزعيم العظيم سعد زغلول. حمل شعار الاستقلال التام أو الموت الزؤام. ومات دون أن يتحقق الاستقلال كاملاً. غاندي الزعيم الهندي الأسطوري. عاش منادياً باستقلال الهند. ومع ذلك انفصلت باكستان عن الهند. وجرت حرب أهلية ضارية. سنة 1947. وإلي اليوم مازال سعد زغلول ينظر إليه المصريون الزعيم العظيم لثورة 1919 ومصطفي كامل رمز الوطنية المصرية ومازال غاندي ملهماً لكثير من القادة حول العالم وليس في الهند فقط. الأمر ليس خاصاً بنا. نحن أبناء الشرق تأمل حالة نابليون في فرنسا هزم عسكرياً. ونفي و.... و..... لكن دوره وقيمته في التاريخ الفرنسي مازالت مذكورة وغير منكرة. الزعيم والزعامة ليست شيكاً علي بياض. يمنحه الشعب لشخص ما. ولا هي صفقة تقدر بحساب المكسب والخسارة المالية الآنية. أيضاً هي ليست علاقة غرام من طرف. هو الشعب. تجاه طرف آخر. هو الزعيم.. المسألة ليست علي هذا النحو. ينال الإنسان الزعامة أو يستحقها بعد إنجاز كبير قدمه. يمثل تحدياً للسائد والمألوف. ويخرج بالشعب والوطن إلي أفق أرحب وأوسع بغض النظر عن النتائج التي تتحقق بهذا المعني نال عبدالناصر الزعامة حين أمم القناة وحقق حلماً مصرياً ظل يراود المواطنين منذ هزيمة. التل الكبير سنة 1882 حين استشعر المصريون أن عدم مصرية إدارة القناة مكنت من طعن مصر وجيشها من الخلف. صحيح أن تأميم القناة أدي إلي العدوان الثلاثي. لكن من قال إن الحرية والكرامة تنتزع بلا ثمن. سعد زغلول صار زعيماً يوم أن قاد الوفد المصري وذهب إلي المعتمد البريطاني. يقول له بلسان المصريين من فضلك.. أخرجوا من بلادنا. كفي احتلالاً. صحيح أن الثورة أدت إلي نفي سعد وسقوط الشهداء في الشوارع المصرية. لكنها الحرية والكرامة الوطنية والكبرياء الإنساني. والزعيم ليس مجرد شخص. بل نموذج ومثال لمجموعة من القيم الوطنية والسياسية والإنسانية التي يعبر عنها. ويحترمها الجميع. لنقل معظم المواطنين وعبدالناصر كان يمثل نموذج السعي نحو العدالة بأوسع وأبسط معانيها. بالتأكيد هناك من لا يرضيه ذلك. لكن العدالة مطلباً لمعظم الناس. العدالة التي تسمح لأكبر قدر من المواطنين بالحصول علي حقهم في المعرفة والعلم وحق العمل والعيش بكرامة وكبرياء إنساني. دون ذل الحاجة وقهر الجهل. هو أيضاً جسد نموذجاً للكرامة الوطنية. وقد أدخله ذلك في صراعات كثيرة. وأي زعيم يتخذ تلك النهج. فسوف يتعرض لمضايقات وصراعات. أمامنا نموذج الملك فاروق. يوم 4 فبراير 1942. الذي كاد أن يعزل وحوصر قصر عابدين بالدبابات الانجليزية. لمجرد أن جلالة الملك تمسك بأبسط حقوقه. أن يختار هو رئيس الحكومة!! لا يعني هذا أن الزعيم. شخص مقدس. بلا أخطاء. وبلا سلبيات. ولا يعني أنه إنسان أسطوري لا تصيبه الهزيمة ولا يحل به الوهن. هو إنسان في النهاية. الأخطاء واردة. ونقاط الضعف قائمة. الأخطاء موجودة في سجل كل زعيم. قديماً وحديثاً. شرقاً وغرباً!! ومن ضروريات الزعامة أن يكون للزعيم خصوم وكارهون وأعداء. وإلا لماذا قتل غاندي؟؟ أيضاً المسلك الشخصي يلعب دوراً في الزعامة. من حيث النزاهة الشخصية ونظافة اليد و..... و...... بهذا المعني فإن الشعب المصري أثبت أنه كان أذكي وأنبل من كثرة المحللين الذين لم يدركوا بعد.. لماذا يصر المصريون علي محبة واحترام عبدالناصر. الذي يكتمل اليوم 47 عاماً علي رحيله.