خطأ ولا شك أن بالجامعة ديمقراطية، وليس هناك أبعد من الصواب من القول إن الجامعة مستقلة، فديمقراطية الجامعة شكلية، إذ لا يزال كثير من العمداء يتصرفون تصرف المرءوسين حيال رئيسهم، وعيونهم مصوبة نحوه فى انتظار إشارة منه للمضى فى الاتجاه الذى يريده. استقلال الجامعة زيف؛ ذلك أن رئيسها هو المستقل، فالجامعة لا تزال تعانى من الاستبداد المقنع، وكثير من رؤسائها ساديون، يهوون إيذاء وإيقاع الألم بالآخرين، ينفردون بابتداع قرارات، وهم لا يسألون عما يفعلون. لقد سمعت أحد رؤساء الجامعات يقول مباهيا: إن الوزير لا شأن له بجامعته، فالجامعة لا سلطان عليها إلا لرئيسها، وليس للوزير من مهمة إلا دعوة المجلس الأعلى للجامعات للانعقاد مرة كل شهر ليحيطهم بما يتيسر من تعليمات، ولرئيس الجامعة مطلق الحرية فى تنفيذها على النحو الذى يراه أو إرجاء تنفيذها أو إهمالها، والواقع يشهد بأن هذا الكلام فيه قدر لا بأس به من الصحة. وإليكم نادرة من النوادر.. يوجد بالجامعة صندوق تكافل اجتماعى يشترك فيه جميع العاملين ويشكلون جمعيته العمومية، حصيلة هذا الصندوق من خصم جزء من مكافأة الامتحان المستحقة لكل عضو. وعندما يصل العضو إلى سن الستين يصرف له من الصندوق مكافأة تحددها لائحته، وحينئذ تنقطع صلة العضو بالصندوق، وبالطبع يتوقف الخصم من مكافأة امتحانات أعضاء هيئة التدريس المتفرغين. توالى على الجامعة الرئيس تلو الرئيس، وأمور الصندوق تسير فى هدوء واستقرار، إلى أن حل الدور على رئيس جديد تفتق ذهنه عن أمر غريب، لقد قرر معاليه استمرار خصم جزء من مكافأة امتحانات الأساتذة المتفرغين، أى -ونكرر- الذين انقطعت صلتهم بالصندوق ولم يعودوا أعضاء بجمعيته العمومية، قلبنا هذا الأمر على كل وجه ولم نصل إلى سبب منطقى لهذا القرار العشوائى، وعبثا حاول المتضررون منه مناقشة رئيس الجامعة وإقناعه بأن الأساتذة المتفرغين لا صلة لهم بالصندوق، وأن الخصم من مستحقاتهم لا يجوز، فما كان رد رئيس الجامعة إلا بأن قرار الخصم سيادى لا رجعة فيه، وأن مجلس الجامعة أسبغ عليه حصانة مجلسية جامعية بالموافقة عليه، عاودنا إفهامه أن أعضاء مجلس الجامعة ليس من بينهم من يمثل المتضررين وأنه لا يحق لهم التصرف فيما لا يملكون، فالجمعية العمومية هى صاحبة الاختصاص، ولا يجوز لها هى الأخرى إبداء الرأى فيما لا رأى لها فيه.. الوزير علم بهذا الأمر، فهل راجع رئيس الجامعة! ونادرة أخرى.. اتفق رئيس الجامعة مع أحد البنوك على تحويل مرتبات جميع العاملين من أعضاء هيئة التدريس والموظفين والعمال (حتى الأميين منهم) دون أخذ موافقتهم، ومن منا لا يعلم أن تحويل المرتب إلى أى بنك يتطلب موافقة صاحب المرتب، ولكن رئيس الجامعة يعتبر نفسه وكيلا بالإكراه عن جميع العاملين، فهو ولى النعم، وهم قصر لا يحسنون التصرف ولا يدرون مصلحتهم، هو صاحب الأمر بلا معقب، وإن احتج معاليه بتعليمات فوقية، فقد ولى زمن التعليمات والقرارات التى لا ترد، راجعه البعض فى هذا الأمر ولا يزالون فى انتظار الوحى، وهرب البعض الآخر إلى بنوك أخرى من اختيارهم كوسيلة للاحتجاج والرفض المقنع. تصرفات على هذا النحو تجعل من رئيس الجامعة واليا شبيها بالولاة العثمانيين أو كمن يؤدى دور "الملتزم" فى ذلك الزمان. تصرفات ربما تدعو إلى الضحك أو إلى الحزن، ليس أمامنا إلا أن نكتب ونكتب ونستمر فى الكتابة ونلح فى طلب العدول عن السير فى الطريق المعوجة إلى أن يهدى الله من بيده الأمر من بعده إلى طريق الاستقامة. ويبقى التنويه إلى أن كلمة "رئيس" هى التى تشعر من تسند إليه إدارة الجامعة بالزهو، وهى التى تزين له الديكتاتورية، الجامعة لا ينبغى أن يكون لها رئيس، وإنما مدير يدير شئونها، وغفر الله لمن استبدل كلمة رئيس بكلمة مدير، فلنعد إلى قديمنا كى لا نتوه، فهو أجمل من غدنا، ومن يرتاب فى هذا القول فليستعرض رجال الأمس من علماء وكتاب وإعلاميين وغيرهم، ولينظر هل جاد الحاضر بمثلهم، وليدع الله أن يجود الغد بمثلهم.