الشعب الذى ثار على الفساد والاستبداد ودفع فى سبيل ثورته دماء وتضحيات بدأت من عشرات السنين قبل الثورة وامتدت حتى الآن، من حقه أن يلح على رئيسه المنتخب الذى خرج من رحم الثورة فى التجاوب مع مطالبه. من حق الشعب الذى ذاق مرارة الفساد ووقف طويلا يترقبه أمل فى توقفه أو تراجعه خلال عقود مضت، أن يطالب رئيسه الذى اختاره بمعايير الطهارة ونظافة اليد بأن يحارب الفساد ويوقف نزيفه. ولا أرى شيئا مستغربا فى أن يستجيب رئيس منتخب -حسم ولاءه لشعبه ولوطنه- لهذه المطالب الشعبية المتزايدة، وأن يكون قريبا منها وحريصا على إنفاذها على أرض الواقع. الشعب يمكن أن يتفهم أن حجم الفساد أكبر من أن نواجهه جملة واحدة أو فى وقت وجيز، ويدرك أن حجم الفساد أكبر مما كنا نتخيله وأوسع مما كنا نظنه وأخطر مما كنا نتوقع. إلا أن هذا الإدراك وذلك الفهم لا يعنى بحال من الأحوال التسليم للفساد دون أن نعزم على وقفة حاسمة معه، ومن غير أن نبذل جهدا بالغا ضده ودون أن نتكاتف معا للقضاء عليه. الجميع يدرك أن الفساد موجود فى مفاصل الدولة ومتغلغل فى ثناياها ومستشر فى مكوناتها، والجميع بات اليوم يعلم أن جهودا منظمة يبذلها الفاسدون ليجدوا لأنفسهم موطئ قدم وليبحثوا لهم عن موضع مستقر فى مصر الجديدة. ما أراه أن الرئيس مرسى لمس احتياجات الشعب، وتعرف بدقة إلى رغباتهم ووقف بوعى على أولوياتهم، فقرر أن يستجيب لها ويتجاوب معها ويتفاعل مع الناس فى مواجهة أخطر التحديات التى تواجههم. وما يحتاج إلى قول واضح غير ملتبس أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة فى تحديد القوى السياسية المنحازة للثورة والمتجاوبة مع مطالب الناس وحاجاتهم، وستكون حاسمة -فى الوقت نفسه- لكشف القوى السياسية التى تلعب على الأحبال، وتبحث عن مصالح حزبية ضيقة بعيدا عن الحاجات الحقيقية للناس. المرحلة المقبلة تحتاج إلى وقفة جادة وعاجلة مع الفساد المستشرى وتحتاج إلى مزيد من البذل والعطاء والتكاتف بقدر ربما يفوق ما بذله الناس فى بدايات الثورة وما قبلها. نحن نتحرق شوقا بانتظار خطوات عملية من مؤسسة الرئاسة فى مواجهة الفساد الذى طال كل شىء ووصل إلى كل مفصل، وفى الوقت نفسه نحن بانتظار استجابة وتعاون من القوى السياسية الجادة فى مواجهة الفساد إذا كنا بالفعل صادقين مع أنفسنا فى مواجهته والوقوف أمامه.