"بكري": موافقة "النواب" على التشكيل الوزاري تتطلب 50% زائد واحد.. ولا يجوز قبول بعض الأسماء ورفض أخرى    النائب عمرو فهمي يطالب بإطار زمني واضح لمناقشة ملفات الجمارك وتعزيز الشفافية لحماية حقوق الدولة والمستثمرين    ترحيب واسع من رواد الأعمال بإطلاق أول ميثاق للشركات الناشئة في مصر    أستاذ علوم سياسية: مصر تسعى لوضع خطوط حمراء في منطقة القرن الإفريقي    البايرن ضد هوفنهايم.. البافاري يضرب بخماسية ويبتعد بصدارة الدوري الألماني    بايرن ميونخ يكتسح هوفنهايم بخماسية في الدوري الألماني    اول تعليق من مدرب بيراميدز بعد رباعية ريفرز يونايتد    إصابة 16 شخصًا في حادث انقلاب سيارة ربع نقل بطريق القصير – مرسى علم    إصابة عجوز في حادث دهس خلال عبورها الطريق    رعب أمام المترو.. كواليس سقوط "فتوة الجيزة" بعد وصلة استعراض بسلاح أبيض    إيقاف دنيا الألفي شهرين وتغريمها 50 ألف جنيه    بمشاركة 49 فنانا.. انطلاق فعاليات الملتقى الثاني للفنون التشكيلية بقصر الإبداع    سوهاج تحصد المركز الثالث جمهوريًا في مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية    مخدرات وسلاح.. ننشر أمر إحالة شاكر محظور ومدير أعماله للجنايات    تعرف على موعد اجتماع أسعار الفائدة.. تفاصيل أعلى شهادات الادخار    ألفة السلامى تكتب من لشبونة: ماذا فعل "ليوناردو وكريستين" في البرتغال؟!    رمضان 2026.. ميديا هب تطلق البوستر الرسمى وبوسترات شخصيات مسلسل بيبو    طارق الطاهر يكتب: «التميز» لجناح قصور الثقافة    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 8فبراير 2026 فى محافظه المنيا    داعية: رمضان "شهر الموائد" وهذا ثواب من يفطر صائمًا(فيديو)    رئيس نادي دمياط يجتمع بمدربي الألعاب الفردية للنهوض بالأنشطة الرياضية    طلب إحاطة بشأن تعطيل انتخابات "المرشدين السياحيين" والامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء    عيار 21 بكام... اسعار الذهب اليوم الأحد 8فبراير 2026 فى المنيا    زد يعلن التعاقد مع طارق علاء قادما من بيراميدز    زيادة ساعات تشغيل قطارات الخط الثالث للمترو خلال شهر رمضان 2026    الانتخابات اليابانية.. المحافظون بزعامة تاكايتشي في طريقهم لفوز كاسح    مصرع 6 أشخاص إثر فيضانات بمدينتي طنجة وتطوان في المغرب    بنك الطعام المصري يرسم استراتيجية الوصول للأسر المستحقة عبر منظومة رقمية    طلب إحاطة بالنواب بشأن الزحام الشهري لأصحاب المعاشات على ماكينات الصراف الآلي    الصحة: متعافو غزة يقدرون ويشيدون بجهود الرئيس السيسى ودعمه المتواصل    غدًا.. انطلاق منافسات كأس العالم للقوة البدنية 2026    البحوث الإسلاميَّة يُطلق قافلة دعويَّة وتوعويَّة لواعظات الأزهر إلى محافظة جنوب سيناء    مسئول فلسطيني يحذر من مساع أمريكية لتهميش الأمم المتحدة عبر مجلس جديد للسلام    جامعة عين شمس توقع بروتوكول تعاون لدعم الابتكار والبحث العلمي    تأجيل محاكمة 111 متهما بطلائع حسم    تفاصيل تعاقد الاتحاد السكندري مع مابولولو ومدة العقد    أسس الإخراج لمسرح الطفل.. عصام السيد يضع رؤيته لعودة المسرح المدرسى    زعيم حزب تركي يتحدى أردوغان ويعلن ترشحه للرئاسة مع تحالف محافظ    رابطة الأندية تكشف نظام قرعة الدوري في الدور الثاني    محافظ أسوان يشارك في ندوة توعوية مع الخبير الإستراتيجي سمير فرج    «نسخة مصغرة من دولة التلاوة».. إطلاق مسابقة قرية التلاوة "بالمهيدات في الأقصر    ترقية 28 أستاذا وأستاذ مساعد بهيئة التدريس بجامعة طنطا    إزالة 37 حالات بالبناء المخالف على الأراضي الزراعية بالشرقية    ارتفاع بالحرارة ونشاط رياح مثير للأتربة.. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس الأيام المقبلة    مصر تسيطر على جوائز الاتحاد الدولي للخماسي الحديث وتحصد 6 جوائز عالمية في 2025    وكيل أوقاف سوهاج يعقد اجتماعا لقيادات الدعوة استعدادا لشهر رمضان المبارك    الاستعلام عن نتيجة التظلمات وترتيب قوائم الانتظار ل 330 مهندسًا بوزارة الري    من التبرع إلى غرفة العمليات.. شروط استيراد جلد المتوفين ونسب نجاح زراعته    وزيرة الرعاية الصحية السويدية تزور مستشفيات قصر العيني لتعزيز التعاون    جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة: تكريم عالمي للإنجازات الاستثنائية في الصحة العامة    محمود فوزي: الحكومة حريصة على التعاون مع النواب لمنع الاصطياد بالمياه العكرة    بدء استقبال أوراق التقدم لامتحانات الثانوية العامة 2025/2026 في المدارس    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    تحذير علمي: الجدري القاتل قد يشعل جائحة جديدة عبر فيروسات مشابهة    البابا كيرلس الكبير عمود الدين وتلميذ جبل نتريا    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    إعلام فلسطيني: الاحتلال يشن سلسلة غارات جوية على مدينة رفح    اتحاد الغرف السياحية: نستثمر زيارة تيفاني ترامب للأقصر والأهرامات للترويج للسياحة المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ألغام فى معسكر الثورة
نشر في الوطن يوم 04 - 04 - 2014

فى تاريخ الثورات صفحات باكية دامية، كثيرها مسطر بدماء الثوار، وقليلها مكتوب بدماء أعدائهم. وأدمى تلك الصفحات وأوجعها تلك التى خُطت فى معارك الاقتتال العبثى بين الثوار أنفسهم، وفى ميادين الاحتراب غير المبرر بين فصائلهم ورموزهم، أحياناً حول أولويات بعضهم يرى تأجيلها والبعض الآخر لا يرى، وأحياناً أخرى لخلاف عابر حول تفسير «نص ثورى» شارد كتبه صاحبه لواقع غير الذى انتفضوا عليه وثاروا ضده.
وللثورة قوانينها الحتمية، سواء كانت الثورة بعيدة عن زماننا أو قريبة منه، وهى مثل قوانين الطبيعة لا تتغير ولا يدركها الفناء، إذا تراكمت ظروفها لا تخلف وعدها، وقد خلفت الثورتان الفرنسية والروسية ضحايا من أبنائهما وأنصارهما يعزون على الحصر، ماتوا على أعواد المشانق التى نصبها الرفاق للرفاق، حتى قيل وهو قول صحيح «إن الثورة كالقطة تأكل أبناءها»، وبين الثورة واستقرارها نقطتان، بينهما طريق طويل، بعضه مفروش بالفوضى وبعضه موحل فى الدماء. وبين النقطتين عادة تُسرق الثورات وتُختطف، بينما الثوار لاهون بالمغانم، سكرى بنشوة النصر على عدو لم يجهزوا عليه قبل أن يجهز عليهم.
وعادة ما تلدغ الثورات من جحر مرتين وربما مرات. فالثوريون فى كل الثورات ليسوا نسيجاً متجانساً بل خليط من الرومانسيين والنرجسيين والفوضويين، ومن ثغرات هذا الخليط يتسرب الانتهازيون والمنافقون وعواجيز الفرح وأعداء الثورة نفسها، وبسبب هذا الخليط تتنحى الثورة جانباً وتبحث بين حرس النظام القديم وعواجيز السياسة عمن يقود مراحلها الانتقالية حتى تضع دستورها وتلملم أشتاتها وتنظم صفوفها المبعثرة. وأحياناً تطول المرحلة الانتقالية فلا تجدى معها حكومة انتقالية واحدة أو حكومتان حتى يُظن -وليس كل الظن إثم- أن رسالتها فقط هى إعادة تجديد النظام القديم، وليس نقل البلاد من مرحلة الشرعية الثورية إلى مرحلة الشرعية الدستورية. وبقدر ما تطول أعمار الحكومات الانتقالية بقدر ما تقصر أعمار الثورات ويتراجع تأثيرها. وغالباً ما لا ينحى الناس باللائمة على الحكومات الفاشلة. وإنما يكفرون بالثورات نفسها، رغم أنها ما زالت «وعداً» يلمع كنجم بعيد فى السماء، يهدى السائرين فى عتمة الليل. وقد تعلمت أمم من تجارب غيرها، فاختصرت طريق الفوضى والدماء، وسلكت إلى أهدافها أقصر الطرق، بينما استنسخت أمم أخرى أخطاء غيرها لتتعثر فيها وتنغرس فى أوحالها. والثورة المصرية، وهى بعد فى عامها الرابع لم يكتمل، ما زالت تتعثر فى خطاها وتتلكأ فى سيرها، «تنتقل خطوة إلى الأمام وترتد خطوتين إلى الخلف»، إما بسبب الثوريين أنفسهم، أو المحسوبين عليهم، أو المندسين بينهم، أو الطابور الخامس الذين يتغدون مع «الحسين» ويتعشون مع «يزيد».
والثورة المصرية -بأحزابها وتياراتها ورموزها- وهى توشك أن تنقل خطوتها الثانية على خارطة الطريق لا يبدو أنها تعلمت كثيراً من تجارب غيرها، أو استفادت من دروس الماضى القريب، عندما لُدغت من جُحر الإخوان، وصدقت أن فصيلاً رجعياً محافظاً يمكن أن يكون شريكاً فى عمل ثورى.
وفى المرحلة الثانية لخارطة الطريق نحو انتخاب رئيس يقود البلاد إلى الاستقرار يبدو أن الثورة توشك على الدخول فى حقل ألغام جديد، لم يزرعه الإخوان هذه المرة وهم سادة الشر والإرهاب، وإنما يزرعه الثوريون بأيديهم، عندما يفجرون فى صفوفهم تناقضات ثانوية ليس الآن أوان تفجيرها، ولا مناسبتها، وأخطر لغم يترصد الثورة فى الانتخابات الرئاسية المقبلة أن يكون لها مرشحان. مرشح فوضه الناس قبل أن ينتخبوه واستجابوا -بدوافع الفطرة ومكبوت الوعى الموروث- لنداء الضرورة، والحاجة إلى الأمن وكسر جحافل الخطر الزاحف من كل صوب، كان الاختيار خلاصة تجربة من تجارب الخلاص القومى التى يتحول فيها المخلصون، المنقذون إلى أبطال قوميين كأبطال الأساطير اليونانية.
والمرشح الثانى، مناضل ثورى، تاريخه مرصع بالمواقف الوطنية والقومية، ومزدان بالتضحيات ونياشين الملاحقة والاعتقال، ينتمى إلى تيار أوسع من أى حزب ولا يختزل فى أى تنظيم، تيار يكاد يفترش المسافة الممتدة من المحيط إلى الخليج، وولاؤه لزعيم أفكاره لا تشيخ ولا تتقادم، تتجدد ذاتياً بتفاعلها مع الناس ومع التاريخ، كان بطلاً قومياً فى انتصاراته وأيضاً فى انكساراته.
مرشحان قويان يتوارى إلى جانبهما أى مرشحين آخرين حتى وإن ظهروا، يجعلان انتخابات الرئاسة المصرية صورة قريبة -مع الفارق طبعاً- من انتخابات الرئاسة الأمريكية. وأهم فارق أن المرشحين الرئاسيين المصريين ينتميان إلى معسكر الثورة، بينما المرشحان الأمريكيان ينتميان إلى حزبين مختلفين. قد يرى البعض أن مرشحاً بتاريخ حمدين فى وجه مرشح بوزن السيسى هو ضمانة مؤكدة لأن تشهد مصر انتخابات تنافسية على غرار الديمقراطيات الكبرى، وليس صورة جديدة من صور الاستفتاء غير المرغوب فيه على الرئيس كما جرى العهد فى الماضى القريب. وهو رأى له وجاهته إذا كان المتنافسان من حزبين مختلفين، أو أن الانتخابات لا تجرى فى سياق تحول ثورى أو يغيب فيها الإجماع على بطل قومى مجرب. أما وأن المرشحين رمزان كبيران للثورة، فإن التنافس بينهما لن يكون إلا صراع ديكة وصورة من صور الاقتتال السياسى ليس فيها خاسر إلا الثورة. ومصدر القلق ليس فى المرشحين ذاتهما، وإنما فى أعوانهما ورجال حملتيهما الانتخابيتين والخطاب الإعلامى الهابط والمسف الذى قد تلجأ إليه حملة أو أخرى. قد يشتط الخطاب الإعلامى فيستعير قُبح الإخوان وسفالتهم التى لطخوا بها الحوائط والجدران. وقد يستخدم شعارهم الجاهز عن «حكم العسكر» فى غزل غير عفيف لأعداء الثورة يستدر به عواطفهم، ويتسول «أصواتهم». وهؤلاء يقعون -بقصد أو غير قصد- فى تناقض صارخ بين مرشح ينتسب برباط مباشر إلى مؤسسة العسكر وآخر يخوض معركته ويتحرك بين جماهيره تحت رايات زعيم من أهل العسكر قاد أعظم حركة للتحرر الوطنى والاجتماعى فى القرن العشرين.
وفى بلادنا كان العسكرى دائماً ضميراً صادق الوعد فى لحظات الضرورة. وفى سياق خطاب دعائى مغرض قد يغالى بعضهم فيفتشون فى الصدور والضمائر، ويشككون فى الانحياز الاجتماعى لرجل غامر بحياته وأنقذ سفينة وطن كانت على وشك الغرق بكل ركابها، فقراءهم -وهم الغالبية- وأغنياءهم وهم الأقلية فعن أى انحياز يُسأل؟!
ووجه التناقض بين الرجلين أن السيسى بطل قومى جاء فى لحظة فارقة لم يتأخر عنها أو يتردد فيها، بينما حمدين مناضل ثورى كان ضحية الحسابات الثورية ضيقة الأفق والتناقضات فى معسكر الثورة التى أخرت وصوله فى 2012 إلى سدة الرئاسة. وألقت به -فى جولة الإعادة- خارج المنافسة التى كان طرفاها غير محسوبين على الثورة، مرشح الإخوان ومرشح النظام المخلوع. قد يكون حمدين -كما قال أرسطو عن أفلاطون- قريباً إلى نفسى بيد أن الوطن، الحقيقة أحب إلىَّ من حمدين. والوطن الآن فى حاجة إلى رجل قوى، تسند ظهره وتشد أزره مؤسسة قوية، غير مشكوك فى ولائها أو انحيازها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.