أخيراً وجدت الإجابة عن سؤال شغل بالى كثيرا، لم أكن أجد له إجابة على مدار سنوات، بداية من وقت تصفيات أفريقيا المؤهلة لكأس العالم بجنوب أفريقيا عام 2010، الذى اندلعت خلاله «الفتنة الكروية» بين مصر والجزائر، والأحداث المؤسفة التى طالت الجميع، دون أن يكون هناك عاقل واحد نستمع إليه ونمشى خلفه، دارت فى ذهنى وقتها أسئلة كثيرة، من نوعية: لماذا تجمع الرياضة العالم أجمع وتفرقنا نحن العرب؟ لماذا تفرقنا الرياضة داخل وطننا مصر؟ ولماذا أصبح التعصب هو النغمة السائدة بين الجماهير حتى كانت النتيجة مذبحة بورسعيد التى راح ضحيتها شباب لا ذنب له إلا حب الرياضة؟ استشهدوا على الأرض الخضراء التى لم تحمل سوى لاعبين وجماهير، ولم يصدق أحد أن تحمل هذه الأرض والمدرجات جثث الألتراس، وصدمنا المشهد جميعاً وبكينا، وتعهدنا أن نفتح صفحة جديدة فى الرياضة، وأن نكون على قدر المسئولية، وأن نكسر حاجز التعصب الأعمى، ولكن مع الأسف سرعان ما نسينا جميعاً ما حدث وكأن شيئاً لم يكن، وسرعان ما شربت الأرض الدماء، وجفت وبدلت ارتواءها من الماء إلى الدم، وتم الرهان على أن ننسى سريعاً، ووقتها ظهر البطل الحقيقى، وهو الكابتن حلمى طولان المدير الفنى لفريق حرس الحدود، الذى ضرب المثل والقدوة، وهذا ليس بجديد عليه، فبعد تفوقه على فريق الأهلى ونجاحه فى هزيمة بطل الدورى بثلاثية، لم يخرج عن النص، واستكثر على نفسه إقامة الأفراح والليالى الملاح، وضرب المثل بتصريحاته التى ما زالت عالقة بأذنى، وأثنى على الأهلى ومدربه حسام البدرى، والتمس الأعذار للقلعة الحمراء، وظهر متواضعاً خلوقاً رافضاً أن يمتطى جواد التعصب، وسار على قدميه للهدف الأسمى، وأنكر ذاته ولم يغتر، على الرغم من حقه الكامل فى الفرح والسعادة بالفوز على الأهلى بالثلاثة. طولان ضرب المثل والقدوة للجميع، وأجاب عن سؤالى الذى حيرنى ولم أجد له إجابة، وأدركت أن مثل هذا المدير الفنى القدير هو من يعرف قيمة الرياضة، وهو الذى ضرب المثل للجميع، ورفض التهليل وقت المكسب ليعطى الدرس للجميع، ويؤكد الروح الرياضية، ويوئد الفتنة، وينهى على التعصب الأعمى، ويرسى مبدأ جديداً للجميع أساسه الاحترام المتبادل والأخلاق الرياضية.. فهكذا تكون الرياضة، ومع أروع هذا المثل! فكفانا ضجيجاً، وكفانا تعصباً، ولنقتدِ بطولان، وليس بغريب أن يخرج علينا عبدالحميد بسيونى المدرب العام لنفس الفريق بنفس التصريحات، دون اتفاق مع مديره الفنى، وليكون الأمل أكبر فى تغيير الفكر. دائما ما تبدأ شرارة التعصب من الملعب، ثم ينقلها الإعلام ويتغزل فيها حتى تصير ناراً حقيقية، فهل نظرت وسائل الإعلام لموقف طولان وجهازه؟ ولماذا لا تلقى الضوء على الإيجابيات؟ فأنا أؤكد أن ما قام به المدير الفنى للحرس يجب أن نستغله جميعاً ونظهره، حتى تصل الرسالة للجميع، وإذا بدأ صناع المتعة بأنفسهم وضربوا المثل، فعلينا كإعلاميين أن ننقل الرسالة بوعى، وأن نقتنص الفرص حتى نلحق بركب الرياضة، وحتى تؤدى الرياضة رسالتها السامية، فإذا كانت مباراة تنس الطاولة هى التى حققت الصلح بين الولاياتالمتحدة والصين، فلا شك أن مباريات كرة القدم التى يعشقها الجميع من الممكن أن تصنع المستحيل بشرط أن نغير من سلوكنا للأفضل، وأن يكون لدينا قدوة ومثل أعلى. وليبقَ طولان هو واضع حجر أساس فى الملاعب الرياضية الفاضلة التى تنبذ التعصب وتحتضن الأخلاق، فإذا كان الوطن بحاجة لثورة سياسية، فهو فى حاجة قبلها إلى ثورة فى الأخلاق.. ولتبدأ هذه الثورة من ملاعب الرياضة.