صنايعى: أهل طليقتى رفعوا قضايا ب15 وصل أمانة مزور ضدى يجلس فتحى، ذو الثلاثين سنة، الحاصل على دبلوم صناعى بملابس رثة صعيدية على كرسى بوجه شاحب وجسد نحيل ينم عن فقر شديد، ويقول بلهجته الجنوبية إنه من سوهاج وجاء إلى القاهرة مع أقاربه وزوجته وطفليه، فسكن غرفة صغيرة وعمل سايس بجراج للسيارات، ولكنه ترك العمل -لأسباب لم يذكرها، وأضحى عاطلًا عن العمل. ويسرد فتحى أن شقيق زوجته عرض عليه ذات يوم أن يذهبا إلى المحامى الذى يعمل عنده أخو الزوجة ليوقع على وصلات أمانة ب1000 جنيه، وأشار فتحى أنه لم يكن يدرى الخطورة القانونية لذلك، أو حتى لماذا سيوقع على هذه الوصلات ولكن حالته المادية المزرية هى ما دفعته إلى قبول الأمر. وفى صباح اليوم التالى ذهب فتحى مع شقيق زوجته إلى المحامى ليقول إنهم بحاجة لشخص يوقع لهم على عشرين إيصال أمانة قيمة كل وصل 100 ألف جنيه، بزعم وجود خصومة بينهم وبين شخص آخر، ويريدون أن ينتقموا منه، وهنا سأل فتحى بنبرة خائفة عن مدى خطورة ذلك عليه، فعرف أنه لو تم عرض إيصالات الأمانة على المحكمة وثبت أنها مزورة فسيحكم عليه بسنتين ولكن المحامى طمأنه بأنهم لن يقدموا هذه الإيصالات إلى المحكمة. وأضاف «المحامى تأكد أن العنوان المكتوب ببطاقة فتحى وهمى ولا يسكن به الآن حيث إن عنوان البطاقة فى سوهاج وهو يقطن فى القاهرة، وطلب المحامى من فتحى أن يقوم باستخراج سند وكالة فى الشهر العقارى له _ حصلت «الصباح» على نسخة منه_ لكى يتمكن من تقديم دعوى فى المحكمة. «الصباح» تكشف فى هذا التحقيق كيف أن إيصالات أمانة تباع ب3 جنيهات للوصل، يتم تزويرها، والتحايل على القانون باستغلال ما به من ثغرات لكتابة إيصالات أمانة تصل إلى آلاف الجنيهات من قبل محامين مدفوعين من أشخاص ذوى نفوذ للانتقام من خصومهم. ومن واقع قضايا المحاكم والطب الشرعى، رصدت «الصباح» تكدس المحاكم بقضايا إيصالات الأمانة، فمجرد شراء دفتر إيصالات أمانة مكون من 20 وصلا بثلاثة أو خمسة جنيهات، تستطيع أن تكتب فيه ما تشاء من أرقام بأموال، وتتهم به أى شخص، دون سند غير هذه الورقة. ويحكي(محمد.ك) 55 سنة، صاحب شركة استثمار، معاناته مع قضايا الإيصالات، قائلا «كان لدى شريك فى العمل وحدثت خلافات بيننا ولم يسدد الشريك ديونه لى، وبدلًا من أن يحاول الشريك التفاوض لسد ديونه، فوجئت بأول قضية وصل أمانة بشيك يبلغ قيمته 100 ألف جنيه، كما أننى لا أعرف صاحب الدعوة ولا صلة لى به». وأضاف «ذهبت إلى الجلسة وطلبت من المحكمة تقديم أصل هذه الإيصالات، فلما لم يتقدم محامى الخصم بالأصل بعد جلستين أخذت براءة»، مشيرًا إلى أن هذه القضية تكررت أكثر من مرة بأكثر من وصل، حتى بلغ عدد الإيصالات والقضايا المرفوعة ضده إلى 30 قضية ب30 وصلًا فى أماكن مختلفة، مثل العجوزة والوراق والإسكندرية وبرج العرب والبدرشين وبنى سويف، وأضاف «الخصم فى إحدى القضايا قدم أصلا لهذه الإيصالات، فطلبت بعدها إيحالها للطب الشرعى لإثبات أنها مزورة وبالفعل ثبت فيما بعد أن الإيصالات مزورة، والمفاجأة الكبرى أن الشخص الوسيط الذى استأجره شريكى فى القضية مجرم وعليه أحكام جنائية، بالإضافة إلى أنه عندما صدرت ضده أحكام بسبب تزوير هذه الإيصالات -وحصلت «الصباح» على نسخة من محضر التحقيق- لم تتوصل إليه الشرطة لأن محل إقامته فى البطاقة غير الذى يقيم به بالفعل، وثبتت براءتى، ولكن بعد معاناة دامت لشهور طويلة، بالإضافة إلى الأموال الطائلة التى دفعتها للمحامى، والأموال التى دفعتها فى أمانة الطب الشرعى، وبلغت حوالى 30 ألف جنيه». حالة أخرى من دفاتر إيصالات الأمانة المزورة هى حالة «حمادة. ح» 30 سنة، صنايعى يسكن ببولاق الدكرور، يقول «حدثت خلافات بينى وبين أهل زوجتى، أدت إلى الطلاق، وعندما حدث الخلاف بيننا على الشقة والعفش ورؤية الأطفال، فوجئت بتهديد أهلها، ووجدت 20 قضية إيصال أمانة فى دائرة العجوزة والوراق وإمبابة ضدى من شخص مجهول لا أعرفه». وأضاف «لا أملك المال الكافى لتوكيل محام فى كل هذه القضايا، وطلبت إحالتها للطب الشرعى، ولكن إذا لم أوكل محاميًا فسيتم الحكم ضدى فى هذه القضايا». أما «أحمد.ع» 43، الموظف بوزارة البيئة، فبعد وفاة جده، حدثت مشاكل بينه وبين أقاربه بسبب الميراث لأنهم لا يريدون أن يعطوه حقه من الميراث، ولم تفلح التفاوض معهم، وخصوصًا مع أبناء عمه، فتعرض للتهديد، وخاصة أنهم ذوو مال ونفوذ وهو مجرد موظف، يقول «بالفعل ضدى 15 وصل أمانة فى أقسام مختلقة فى العجوزة والوراق والدقى من خلال شخصية وهمية لا أعرفها والمبالغ فى الإيصالات تتراوح مابين 10 آلاف و50 ألفًا و100 ألف، وتم إثبات تزوير بعض هذه الإيصالات وبعض القضايا يتم التحقيق فيها، وأتمنى أن يتم التوصل إلى حل». ويقول سيد رمضان المحام بمجلس الدولة، وله ورقة بحثية عن قضايا إيصالات الأمانة، «قضية إيصالات الأمانة تعتبر قضية جنحة وإجراءاتها هى أن تقدم دعوى بالمحكمة وبعدها يطلب محامى الخصم أصل تلك الإيصالات، وإن لم تُقدم من قبل الخصم يتم الحكم فيها بالبراءة بعد جلستين، أما إذا تم تقديم أصل الإيصالات فنطلب إحالتها للطب الشرعى بعد دفع مبلغ مالى فى أمانة الطب الشرعى يقدر من قبل القاضى ويتراوح من 100 جنيه إلى 5 آلاف جنيه، يدفعها المدعى عليه، أى المتهم وليس صاحب الدعوى، ثم المثول أمام مصلحة الطب الشرعى لاستكتاب المتهم، أى التوقيع بخط يده حتى يتمكن خبير الطب الشرعى فى قسم التزوير والتزييف، لمطابقة خط يده مع التوقيع فى إيصال الأمانة، وأيضًا تقديم أوراق رسمية وقع عليها المتهم من قبل، مثل عقد زواجه مثلًا، ومن ثم يكتب الخبير التقرير ويرسله إلى المحكمة».