اعتداءً على الفقراء والمحتاجين.. ما حكم بيع الدقيق المدعّم في السوق السوداء؟    النائب طارق شكري: قانون التصالح على مخالفات البناء عُدل مرتين ولم يؤت ثماره بعد    أسعار الذهب في انخفاض مفاجئ.. المستثمرون يتجهون نحو الأصول الأخرى    شعبة السيارات: هناك شركات أعلنت وصولها إلى نهاية التخفيضات ولن تخفض أسعارها مجددا    الفضة تسجل أكبر تراجع يومي وتكسر مستوى 67 دولارًا للأوقية    وزير الخارجية الإيراني يصل إلى سلطنة عمان لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة    إصابة فلسطيني في قصف جوي للاحتلال استهدف منزلًا بخان يونس    من قصور الرذيلة إلى غياهب السجن، لقطات سرية لشريكة جيفري إبستين داخل الزنزانة (فيديو)    معتمد جمال يعلن قائمة الزمالك لمباراة زيسكو ومدير الكرة يكشف الغيابات وأسبابها    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    لحق بعروسته.. وفاة عريس المنيا في حادث انقلاب سيارة الزفاف ببني مزار    لحق بعروسه، وفاة عريس المنيا في انقلاب سيارة الزفاف ببني مزار    «الأزهر العالمي للفتوى» يختتم دورة تأهيلية للمقبلين على الزواج بالمشيخة    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    رئيس شعبة المواد الغذائية: نعيش العصر الذهبي للسلع الغذائية بوجه عام والسكر بشكل خاص    الفنانة حياة الفهد تفقد الوعي نهائيا ومدير أعمالها يؤكد تدهور حالتها ومنع الزيارة عنها    حالتا وفاة و10 مصابين، أسماء ضحايا حادث نائب بنها وأسرته المروع    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    إصابة 7 أشخاص إثر تصادم تريلا بسيارة ميكروباص على كوبري الثروة السمكية في الإسكندرية    ذا أثلتيك: ليفربول ملزم بسداد 6.8 مليون جنيه إسترليني ل تشيلسي    تعثر انتقال يوسف أوباما للكرمة العراقي بسبب إجراءات القيد    بمشاركة الفنانة غادة رجب.. ليلة طرب استثنائية تضيء دار أوبرا الإسكندرية    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    الزمالك يعلن تعاقده مع كاديدو لتدريب فريق الطائرة    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    ستراسبورج يتأهل لربع نهائي كأس فرنسا على حساب موناكو    كهربا: لدي عروض في 3 دوريات.. والأهلي في حاجة لي    اتحاد بلديات غزة: أزمة الوقود تُعمق معاناة المواطنين والنازحين    أتلتيكو مدريد يكتسح ريال بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف نهائى كأس ملك إسبانيا    سوريا ولبنان يوقعان غدا اتفاقية لنقل المحكومين    الاتحاد الأفريقي يدين هجومًا إرهابيًا داميًا في نيجيريا أسفر عن مقتل 162 مدنيًا    شريف عامر يلعب «روبلوكس» على الهواء بعد حجبها في مصر.. والنائبة مها عبد الناصر: لا حجب كامل    «الرشوة الوهمية» تنتهى فى الزنزانة.. الأمن يكشف كذب ادعاء سائق وعامل ضد ضابط مرور    السجن المشدد 10 سنوات لعاطل حاول التعدى على طفلة بقنا    بقى عجينة، صور مرعبة من انهيار سور بلكونة على "تاكسي" متوقف أسفل منزل بالغربية    النائبة ولاء الصبان تشارك وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الدقهلية افتتاح المجزر الآلي الجديد ومعارض أهلا رمضان    بعد إهداء أردوغان "تووج" التركية الكهربائية في مصر .. مراقبون: أين سيارة "صنع في مصر"؟    جامعة عين شمس تستضيف الجامعة الشتوية لمشروع FEF مصر «REINVENTE»    المنتج جابي خوري: يوسف شاهين حاول الانتحار بسبب حبه لفاتن حمامة    تطورات خطيرة في الحالة الصحية لنهال القاضي بعد تعرضها لحادث سير    بوستر مسلسل مناعة للفنانة هند صبري يثير الجدل.. اعرف التفاصيل    ترك إرثًا علميًا وتربويًا ..أكاديميون ينعون د. أنور لبن الأستاذ بجامعة الزقازيق    أخبار × 24 ساعة.. الخميس 19 فبراير 2026 أول أيام شهر رمضان فلكيًا    الأخدود ضد الهلال.. بنزيما يعادل إنجاز مالكوم التاريخى مع الزعيم    "مش هشوف ابني تاني".. والدة الطفل ضحية حقنة البنج تبكي على الهواء    عضو هيئة العمل الوطنى: 11 ألف مريض سرطان فى غزة بحاجة للخروج لتلقى العلاج    وزير الصحة يتفقد معبر رفح لمتابعة استقبال وعلاج المصابين القادمين من غزة    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    «التنظيم والإدارة» يتيح الاستعلام عن نتيجة وظائف سائق وفني بهيئة البناء والإسكان    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    "مجرد واحد".. تفاصيل رواية رمضان جمعة عن قاع الواقع    تعليم القليوبية يشدد الإجراءات الأمنية قبل انطلاق الفصل الدراسي الثاني    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    صحة المنيا: مستشفى أبو قرقاص استقبلت 20 ألف مواطن وأجرت 193 عملية خلال يناير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلاقة السرية بين الرئيس والحاخام
نشر في الصباح يوم 09 - 12 - 2013

معارك حرب أكتوبر 1973 المجيدة سقط فيها الآلاف من القتلى والشهداء من الجانبين، بعض هذه الجثث نقلت من ساحات المعارك وتم إعطاؤها التكريم اللازم بدفنها فى أماكن مميزة، والبعض الآخر صنفوا كمفقودى حرب وسكنت رفات أجسادهم محل قضائها تحت وطأة شراسة المواجهات وحصار النيران المكثفة.
ونظرا لأن الهجوم المصرى فى 1973 كان متفوقا، هرع أهالى وأقرباء القتلى والمفقودين من جنود وضباط جيش الدفاع الإسرائيلى إلى مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية للسؤال عن مصير ذويهم المفقودين، وللمطالبة بتسلم المتعلقات الشخصية والعسكرية بهدف التأكد من هويات ضحايا الحرب.
مئات الأسر الإسرائيلية اكتشفت لأول مرة فى تاريخ الدولة العبرية ظاهرة فقد وسرقة المتعلقات الثمينة من الجثث، وفشلت عشرات العائلات فى التعرف على هويات عدد كبير من القتلى لتشوهها الكامل وغياب أغراض التثبت من الشخصية العسكرية.
القيادة الإسرائيلية فوجئت بحقائق سرية فجرتها القضية هددت بتقويض ما بقى من سمعة الجيش الإسرائيلى فشكلت وزارة الدفاع العبرية لجنة تحقيق داخلية أسفر بحثها عن فضيحة مدوية كشفت عن وجود سرقات منهجية تعرضت لها جثث ورفات قتلى الجيشين المتحاربين فى ساحة المعارك.
تردد اسم «محمد حسنى السيد مبارك» نائب الرئيس المصرى محمد أنور السادات الثابت شغله للمنصب الرفيع بداية من 16 إبريل 1975 وحتى 14 أكتوبر 1981 عشرات المرات بين صفحات ملف تلك الفضيحة التى حمل ملفها الاسم الكودى «سارقو القتلى».
ومن أجل الحقيقة سأبدأ السرد من البداية حيث المكان ساحة معارك حرب أكتوبر 1973 وتحديدا على مشارف الطريق الصحراوى السويس - القاهرة.
الزمان الساعات الأولى من فجر ليلة 28 أكتوبر 1973 وقد بدأت مفاوضات الكيلو 101 بين الطرفين المتحاربين مصر وإسرائيل عقب اعتمادهما التفاوض على أساس قرارات مجلس الأمن 338 و339 و340 و341.
المعروف أن قرار مجلس الأمن الدولى رقم 340 صدر بتاريخ الخامس والعشرين من أكتوبر 1973 مطالبا بوقف فورى لإطلاق النيران بين مصر وإسرائيل، عقب إخفاق المنظمة الدولية فى تنفيذ قرارى مجلس الأمن رقمى 338 و339 المطالبين بوقف فورى وكامل لإطلاق النار والعودة إلى المواقع التى كانت عليها الجيوش يوم 22 أكتوبر 1973.
قرار مجلس الأمن الدولى رقم 341 صدر فى 27 أكتوبر 1973 لتشكيل قوات مراقبة لحفظ السلام والفصل بين القوتين المتحاربتين فى فترة لا تتجاوز الستة أشهر، وأن يستمر عمل تلك القوة دوريا فى حال موافقة المجلس على ذلك.
بالتزامن شرعت تل أبيب فى التحقيق رسميا فى أسباب هزيمة جيش الدفاع الإسرائيلى أمام الجيش المصرى وبدأت «لجنة أجرانات» أولى جلساتها السرية بتاريخ 21 نوفمبر 1973.
هدفت «لجنة أجرانات» إلى التحقيق فى فشل أجهزة الاستخبارات والقيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية فى صد العبور والتفوق المصرى خلال أول 48 ساعة فقط من حرب أكتوبر 1973 دون النظر لمجمل الأحداث والهزيمة.
أعضاء اللجنة
شكلت «لجنة أجرانات» برئاسة البروفسور «شيمعون أجرانات» ثالث رئيس فى تاريخ المحكمة الإسرائيلية العليا الثابت شغله للمنصب فى الفترة من 18 مارس 1965 وحتى 8 سبتمبر 1976، مع عضوية الدكتور «موشيه لانداو» قاضى المحكمة الإسرائيلية العليا و«إسحاق نفنتسئيل» المراقب العام للدولة الذى شغل مهام منصبه فى الفترة من 11 ديسمبر 1961 وحتى 10 ديسمبر 1981، وبمشاركة الجنرال «يجأل يادين» ثانى رئيس فى تاريخ هيئة الأركان الإسرائيلية الذى شغل مهام منصبه فى الفترة من 9 نوفمبر 1949 وحتى 7 ديسمبر 1952، والجنرال «حاييم لسكوف» خامس رئيس فى تاريخ هيئة الأركان الإسرائيلية الذى شغل مهام منصبه فى الفترة من 29 يناير 1958 حتى 1 يناير 1961.
عملت لجنة أجرانات تحت بند «منتهى السرية» واستغرقت جلسات تحقيقاتها 140 جلسة مطولة سمعت فيها شهادة 58 شخصية رفيعة مع تلقيها عدد 158 شهادة مكتوبة لقادة وعسكريين وسياسيين وشخصيات استخباراتية إسرائيلية متعددة.
قدمت «لجنة أجرانات» أولى توصياتها الرسمية بتاريخ الأول من إبريل 1974 وثانى توصياتها بتاريخ 10 يوليو 1974 ثم تقريرها الأخير بتاريخ 30 يناير 1975، وأدت التوصيات الرسمية للجنة أجرانات إلى إجبار عشرات القادة والضباط والسياسيين الإسرائيليين لتقدم استقالاتهم الواحد تلو الآخر ومن ثم انهيار حكومة السيدة «جولدا مائير» رئيسة الوزراء الإسرائيلية، التى شغلت مهام منصبها بداية من 17 مارس 1969 وحتى تقدمها باستقالتها فى 3 يونيو 1974 وخروج حكومتها نهائيا من المشهد السياسى فى إسرائيل صباح 22 يونيو 1974.
عملية سارقى القتلى
ضمت وثائق تحقيقات «لجنة أجرانات» المصنفة تحت بند «منتهى السرية» من شهر يناير 1974 فضيحة عسكرية - إسرائيلية مدوية أطلقت اللجنة عليها الاسم الكودى «سارقو القتلى» جرت فصولها على الجبهة المصرية خلال معارك حرب أكتوبر 1973.
أبطالها عدد من جنود وضباط وحدات إسرائيلية خاصة كشفتهم تحقيقات «لجنة أجرانات» بالوحدة والاسم قاموا بعمليات منهجية أثناء الحرب، سرقوا فيها متعلقات ذهبية وفضية وأخرى ثمينة من جثث آلاف القتلى فى ساحة المعارك من الجانبين دون تمييز.
عمليات السرقة هذه أفشلت جهود تعرف الطب الشرعى الإسرائيلى على الجثث وتبادلها، وأضر فى النهاية بشكل مباشر بملف البحث عن المفقودين الذين قضوا فى الحرب وإجراءات عملية تبادل رفات من عثر عليه من جثث مقاتلى وشهداء البلدين المتحاربين خاصة الضباط منهم.
حرصت دولة إسرائيل منذ أكتوبر 1973 وحتى كتابة تلك السطور على إخفاء ملف تلك الفضيحة عن العالم بشكل عام، وعن مصر بشكل خاص؛ خشية نبش الأسرار الإسرائيلية القذرة.
حسنى مبارك، نائب الرئيس السادات وقتها، لعب دورا خاصا للمساعدة فى إنجاح عمليات البحث عن رفات مفقودى الحرب الإسرائيليين مستغلا صداقته القديمة مع حاخام إسرائيل الأول لطائفة اليهود الشرقيين عوفاديا يوسف، حيث تثبت مستندات الفضيحة الإسرائيلية أن الرئيس محمد أنور السادات كلف نائبه شخصيا بالملف عقب علمه بحقيقة علاقات مبارك الوطيدة مع الحاخام «عوفاديا يوسف».
المعروف أن عوفاديا يوسف شغل منصب القاضى الشرعى لطائفة اليهود المصريين ورئيس دائرة قضاء اليهود لدى محكمة الأجانب بحى العباسية بالقاهرة فى الفترة من عام 1947 وحتى عام 1950.
فى التفاصيل الحصرية انتخب الحاخام عوفاديا يوسف فى 5 نوفمبر عام 1972 حاخاما أكبر لدولة إسرائيل لطائفة اليهود «السفاراديم»- الشرقيين- وهو المنصب الدينى الرفيع الذى شغله رسميا حتى 1 إبريل عام 1983.
للأهمية.. اليهود «الأشكناز» هم مواليد دول أوروبا الشرقية والغربية عدا إسبانيا والبرتغال، أما طائفة اليهود «السفاراديم» فهم اليهود الذين هاجروا خشية تعرضهم للتمييز العرقى والدينى من إسبانيا والبرتغال والدول العربية المختلفة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر واستقر بهم المقام فى منطقة دول حوض البحر المتوسط والبلقان وبعض المناطق والبلدان الشرق أوسطية الأخرى.
أما اليهود «المزراحيون» أى الشرقيون باللغة العربية فهم اليهود الشرقيون بالمعنى الحرفى للتسمية أو بالأصح يهود الشرق الأوسط وهم مواليد أصليون بدول تلك المنطقة تحديدا.
تُلزمنى حقيقة العلاقة القديمة بين مبارك وعوفاديا يوسف حاخام اليهود الشرقيين الأشهر فى تاريخ دولة إسرائيل، التوقف أمام شخصيته الدينية الرفيعة ومن تفاصيل حياته سنكتشف أصل الموضوع.
ولد الحاخام «عوفاديا يعقوب يوسف» فى العاصمة العراقية بغداد فى 23 سبتمبر 1920 وهو بكر التاجر اليهودى يعقوب يوسف وزوجته «جورجيا» اللذين هاجرا إلى فلسطين تحت الانتداب عام 1924 واستقر بهما الحال فى مدينة القدس.
مع وصولهما إلى القدس ألحقت الأسرة ابنها «عوفاديا» بالمدارس الدينية اليهودية بالقدس فأحب الطفل عوفاديا التفاسير الدينية وعلوم الشريعة وتخصص بعدها فى دراسة الأحكام الشرعية وفتاوى الديانة اليهودية.
فى عام 1940 حصل عوفاديا يوسف -الشاب- على إجازة القضاء الشرعى اليهودى وعين قاضيا شرعيا بمحكمة الطائفة اليهودية الشرقية بمدينة القدس فى الفترة من عام 1945 وحتى عام 1947.
شغل فى تلك الفترة الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين بدولة إسرائيل الحاخام «بن تسيون مائير حاى عوزئيل» الذى شغل المنصب الدينى فى الفترة من عام 1939 وحتى عام 1955 مكانة القدوة الدينية العلمية والمعلم الروحى للقاضى عوفاديا يوسف.
فى هذه الأثناء التحق القاضى اليهودى الشاب عوفاديا يوسف سرا بالمنظمة العسكرية القومية الصهيونية فى إسرائيل الشهيرة باسم «اتسل» المعروف أنها تأسست على أيدى مجموعة انشقت عن منظمة الهاجاناه فى 10 إبريل عام 1931.
وهى منظمة صهيونية عملت منفردة خارج نطاق سيطرة ومسئولية منظمة الهاجاناه -الدفاع بالعربية- نفذت عشرات العمليات الإرهابية السرية ضد السكان العرب والاحتلال البريطانى فى فلسطين وخارجها.
اكتسب عوفاديا يوسف من عضويته السرية بتلك المنظمة نفوذا كبيرا فى الأوساط الدينية اليهودية فى مدينة القدس ورشحته تلك العلاقة الخاصة وقتها مع الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين «بن تسيون مائير حاى عوزئيل» لتولى منصب القاضى الشرعى للطائفة اليهودية فى مصر التى وصلها يوسف بداية عام 1947.
المثير طبقا للتفاصيل الحصرية أن عوفاديا يوسف القاضى الشرعى، رئيس دائرة محكمة الأجانب الشرعية لطائفة يهود مصر بالعباسية، تم تجنيده رسميا بعد أشهر قليلة من استقرار أحواله بالقاهرة لحساب جهاز الاستخبارات الحربية الإسرائيلية الذى تأسس عام 1948.
ومع هذا لم يكلف القاضى عوفاديا يوسف من قبل الجهاز الإسرائيلى بمهام جمع المعلومات من مصر، بل أسندوا إليه هدفا استراتيجيا أعمق لمساعدة الوكالة اليهودية فى إقناع نشطاء شباب الطائفة اليهودية بالقاهرة بقبول فكرة الهجرة إلى فلسطين لإقامة دولة إسرائيل.
اقتصر دور القاضى عوفاديا يوسف، رئيس محكمة الطائفة اليهودية المصرية بالقاهرة، فى تلك الفترة على إصدار الفتاوى الدينية الشرعية التى ألزمت أبناء الطائفة اليهودية فى مصر بالهجرة إلى أرض الميعاد استنادا إلى ما جاء فى كتاب التوراة اليهودية.
عاش الحاخام عوفاديا يوسف فى حى الظاهر بمدينة القاهرة وترأس دائرة محكمة العباسية للأجانب من طائفة اليهود المصريين الشرقيين وفى مصر أقام صداقات متعددة وصف بعضها بالوطيدة مع شريحة عريضة من المصريين.
أبرزها صداقته الوطيدة مع اللواء «محمد نجيب» أول رئيس مصرى فى الفترة من 18 يونيو 1953 وحتى 14 نوفمبر 1954.
بينما كانت علاقة عوفاديا يوسف الأكثر غموضا فى مصر صداقته العابرة مع الضابط المصرى الشاب وقتها فى نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات محمد حسنى السيد مبارك وهى العلاقة التى استغلها يوسف فيما بعد كما سنرى.
الثابت أن مبارك تخرج فى شهر فبراير 1949 عقب حصوله على بكالوريوس العلوم العسكرية برتبة الملازم الثانى فى سلاح المشاة وعندها التحق باللواء الثانى الميكانيكى.
حتى أعلنت القوات الجوية الملكية عن قبول دفعة خاصة من خريجى الكلية الحربية فتقدم مبارك إليها وحصل فيها على بكالوريوس علوم الطيران فى 12 مارس 1950.
نبوءة الحاخام
الغريب أن العلاقة الغامضة بين مبارك وعوفاديا يوسف بدأت عن طريق الصدفة البحتة عندما حضر الحاخام اليهودى ضيفا فى حضرة الملك «فاروق الأول» وقت تكريمه دفعة الطلبة التى ضمت مبارك فى الكلية الجوية الملكية المصرية.
فى الاحتفال بارك عوفاديا يوسف كل طالب وتوقف لثوان أمام الطالب مبارك وابتسم له وأخبره بالقرب من أذنه أنه يرى له مستقبلا باهرا فى مصر وسأعود للتفاصيل كاملة.
صداقة عابرة سيستدعيها الحاخام مستقبلا بعدها مارس عوفاديا مهام عمله الشرعى غير أنه اصطدم بحقيقة سجلها فى تقرير دينى سرى للغاية أرسله إلى «الحاخامانة» الكبرى لليهود الشرقيين بالقدس المعروف أنها هيئة مجلس حكماء التوراة اليهودية.
حذر عوفاديا يوسف فى تقريره الحاخامانة أنه وجد فى القاهرة طائفة يهودية مصرية شذت بعلاقاتها الاجتماعية وأساليب معيشتها عن أحكام وشرائع الديانة اليهودية على حد وصفه.
لافتا النظر إلى وجود كارثة شرعية خطيرة اكتشفها وحققها فى سجلات وثائق عقود الزواج اليهودية المصرية تسببت فيها فتوى يهودية قديمة سمحت بالزواج المختلط بين أبناء طائفتى الربانيين والقرائين اليهوديتين المصريتين.
المعروف أن طائفة اليهود «القرائية» تؤمن فقط بالأسفار اليهودية الخمسة الأولى من كتاب التوراة دون اعترافها بباقى الأسفار الخارجية للكتاب المقدس لليهود، ويعتبرها اليهود طائفة خارجة عن أصول الديانة اليهودية.
بينما تؤمن الطائفة اليهودية «الربانية» الأصيلة بكل أسفار وكتب التوراة الأصلية الخمسة الأولى أصل الديانة والخارجية بما فيها التفاسير والشروح.
زنا اليهود
فى تقريره المثير للجدل، أكد عوفاديا يوسف أن آلافا من عقود الزواج اليهودية المصرية لا تجوز شرعا، وأن تلك الزيجات التى عقدت فى مصر بين أبناء الطائفتين تعتبر شرعا نكاح زنا واضحا وصريحا.
ثارت الطائفتان اليهوديتان المصريتان الربانية والقرائية بقوة على الحاخام عوفاديا يوسف، القاضى الشرعى ورئيس المحكمة الشرعية اليهودية الجديد وقتها، بعدما اعتادت مئات العائلات اليهودية من أبناء الطائفتين فى مصر على مدار قرون التزاوج المختلط بينهما.
بعد أن هددت فتوى عوفاديا يوسف الشرعية الآلاف من أبناء الطائفتين اليهوديتين فى مصر باعتبارهم «أطفال زنا» أو طبقا للمصطلح اليهودى «مامزريم» لا يمكن الاعتراف بهم كيهود طبقا للشرائع اليهودية.
من جانبه، رفض القاضى عوفاديا يوسف الاستمرار فى إصدار التصاريح الدينية التى تبيح تزاوج أبناء الطائفتين من بعض، محدثا شرخا خطيرا فى نسيج الطائفة اليهودية المصرية التى عاشت فى سلام وتزاوجت فيما بينها آلاف السنين فى مصر.
زاد حدة المواجهة وقوف عوفاديا يوسف ضد تفاسير الحاخام «حاييم ناحوم أفندى» الحاخام الأول للطائفة اليهودية بمصر الثابت شغله منصبه بمرسوم ملكى مصرى فى الفترة من 2 مارس 1925 وحتى وفاته فى 13 نوفمبر 1960.
فى الوقت الذى احتشد فيه أثرياء اليهود المصريين خلف رئيس الطائفة اليهودية المصرية ضد عوفاديا يوسف القاضى الشرعى الجديد فى مصر. بينما حمل يوسف الطرفين مسئولية إفساد الحياة الدينية اليهودية وإفراغ أحكام الشريعة اليهودية من محتواها بسبب تقليدهم للأجانب واعتناقهم أساليب الحياة الغربية.
ورفض فى النهاية السماح لليهود المصريين بالذبح خارج الشعائر اليهودية مما كبد الطائفة اليهودية فى مصر خسائر مادية كبيرة بلغت حد نقص الذبائح الشرعية اليهودية فى البلاد المصرية.
لم يكتف القاضى اليهودى الشرعى عوفاديا بذلك بل أصدر بعدها من دائرته الشرعية فى محكمة العباسية بالقاهرة الفتوى اليهودية تلو الأخرى فى شكل سلسلة صدمات شرعية دينية روعت أبناء طائفة يهود مصر، وبلغت أحكامه حد وصف أطفال اليهود المصريين بأبناء الزنى اليهودى النجس.
قرر عوفاديا يوسف القاضى اليهودى فى المحكمة اليهودية الشرعية بالقاهرة حصر عدد الزيجات المختلطة التى أفتى أنها زنا نجاسة وطلب السجلات القديمة لوقائع الزواج المختلط بين طائفتى يهود مصر.
نمى إلى علم أبناء الطائفتين المصريتين القرائية والربانية ترتيب القاضى الشرعى اليهودى عوفاديا يوسف، وأنه على وشك أن يعلن الأبناء نتيجة فتوى الزواج المختلط غير الشرعى التى أصدرها ليهود مصر أبناء زنا.
تدهورت العلاقة بين القاضى عوفاديا يوسف، رئيس المحكمة الشرعية اليهودية بالقاهرة، ووجهاء الطائفة اليهودية المصرية الذين فشلوا فى إقناعه بالكف عن الفتاوى المروعة التى دأب على إصدارها منذ قدومه للقاهرة.
أبدى الحاخام القاضى رفضه العودة فى فتوى الزنا المختلط، فتطورت الأحداث وخرجت الأمور عن سيطرة زعماء الطائفة اليهودية المصرية واستشرى الغضب والاحتقان بين شباب المنظمات الصهيونية السرية المنتمين للطائفتين الربانية والقرائية.
فقررت مجموعة غير معروفة من هؤلاء الشباب مهاجمة عوفاديا يوسف القاضى الشرعى اليهودى بهدف ردعه عن الاستمرار فى إصدار الفتاوى التى عرضت مجتمعهم وعلاقاتهم للخطر.
وباغتته ليلا مجموعة من أعضاء تلك المنظمات الصهيونية السرية أثناء عودته من مقر عمله بمحكمة العباسية إلى منزله بحى الظاهر واعتدت عليه بعنف فى أحد الشوارع الجانبية المظلمة المتفرعة من شارع العباسية.
تعرض الحاخام اليهودى القاضى عوفاديا يوسف فى عملية الاعتداء للضرب المبرح على رأسه، ونقل على الفور إلى مستشفى قصر العينى بالقاهرة -تأسس فى عام 1827- بواسطة عدد من المارة المصريين تصادف مرورهم بعد الحادثة.
سببت الحادثة ضررا بالغا فى شبكية عين الحاخام عوفاديا يوسف نتيجة الضربات المباشرة التى تعرض لها على رأسه وأصيب القاضى اليهودى المثير للجدل فى مصر وقتها بمرض ضعف البصر العام وتدمير أعصاب الشبكية الذى صاحبه حتى وفاته، وهو فى عمر الثالثة والتسعين بمدينة القدس بتاريخ 7 أكتوبر 2013.
عقب تماثل عوفاديا يوسف للشفاء فى مستشفى قصر العينى بالقاهرة نهاية عام 1947 عاد لإصدار الفتاوى المثيرة فبدأ أعضاء الجالية اليهودية المصرية فى جمع التوقيعات المطالبة بإبعاده عن مصر.
وأرسل آخرون من نشطاء زعماء الطائفة اليهودية المصرية الشكاوى الجماعية والفردية ضد عوفاديا يوسف إلى الحاخامانة العليا فى مدينة القدس، حيث اعتبرت وقتها القيادة الدينية الشرعية التى تبعتها طائفة يهود مصر دينيا وجغرافيا.
اتسعت دائرة عداء الطائفتين اليهوديتين المصريتين الربانية والقرائية ضد القاضى الشرعى عوفاديا يوسف، وباتت حياته فى مصر مهددة بشكل مباشر فنصحه الكثيرون بالاعتذار عن منصبه والعودة فورا إلى القدس.
بينما أرسل حاييم ناحوم أفندى، الحاخام الأول للطائفة اليهودية المصرية، إلى «الملك فاروق الأول» سرا شكوى رسمية طالبت بطرد عوفاديا يوسف من البلاد قبلما يتسبب فى ثورة لليهود فى مصر.

فى الحلقة القادمة:
كبير الحاخامات يقرأ «طالع» مبارك قبل ثورة يوليو ويبشره برئاسة مصر
«الرئيس المخلوع» فشل فى الانضمام للاستخبارات الملكية فى عهد فاروق
ما علاقة «إسرائيل» بتحويل مسار «الطريق الدائرى» فى مصر؟
«السادات» كلف مبارك بملف الأسرى والمفقودين الإسرائيليين كى يستغل علاقته الجيدة بوجهاء اليهود
عوفاديا يوسف حاول إنقاذ مبارك من مصير السجن بعد ثورة 25 يناير.. وبنيامين نتنياهو كان ينقل الرسائل بينهما


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.