عانت مصر والمنطقة العربية خلال السنوات الماضية من أفة الجماعات التكفيرية والجهادية التى أذاقت الأوطان والشعوب الويلات والثبور وعظائم الشرور وقد كانت حادثة الهجوم الإرهابى على المصلين بمسجد الروضة بمثابة نقلة إستراتيجية فى أنشطة هذه الجماعات فى مصر.. فما هو سر هذا التحول وما هى خطة هذه الجماعات فى المرحلة القادمة وكيف نواجهها ؟ للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها التقت "الموجز" الدكتور ناجح إبراهيم المفكر والخبير فى الحركات الإسلامية الذى أكد أن التنظيمات التكفيرية تسعى لقتل العزل وتخشى مواجهة الجيوش . وأضاف أن "داعش" على عداء مع مساجد الشيعة والصوفية وطبيعة هذا التنظيم تؤكد أنه سيكرر هذه النوعية من العمليات الإرهابية فى المستقبل بعد التأثير الكبير لضربته الأولى كما فعل مع الكنائس. وقال إن التكفير هو أكبر أفة أصابت العقل الإسلامى ودمرته وهى التى كانت سبب فى إنهاء الخلافة الراشدة , وقتل الإمام على رضى الله عنه. كيف رأيت التحول فى سلوك الجماعات الإرهابية فى الفترة الأخيرة؟ الحركة الإسلامية كلها بإختلاف تنوعاتها لا هم أبناء النص ولا أبناء العصر. ماذا تعنى بذلك؟ أعنى أنهم لا يفهمون النصوص بمعناها الصحيح الحقيقى وأن هناك فرق سرعات بين هذه الحركات وبين عصرها يصل إلى سنوات ضوئية وبالتالى فلا هم أدركوا الواجب حقا فأتبعوه ولا هم فهموا عصرهم وعاشوا مع زمانهم, ودائما تجدهم بعيدين عن الواقع وفى رأيى من يكون بعيد عن الواجب الشرعى وبعيد عن العصر لن ينجح أبدا. كيف رأيت الهجوم على المصلين بمسجد الروضة؟ استهداف المصلين بمسجد الروضة هو أبشع عملية إرهابية فى تاريخ مصر وفى رأيى أن التحول النوعى فى عمليات داعش فى مصر واستهدافه المصلين أثناء صلاة الجمعة بمسجد الروضة فى سيناء جاء بعد أن أصبح عاجزا عن مهاجمة الأكمنة الأمنية وأماكن تمركز القوات المسلحة مثلما كان يفعل قبل ذلك فقرر قتل المصلين الصوفيين خصوصا أن المساجد هى الأماكن الوحيدة فى مصرغير المؤمنة. وعملية تفجير المساجد كانت البداية الحقيقية لها فى العراق حينما بدأت الميليشيات الشيعية العراقية تنتقم من السنة العراقيين وتعاملهم جميعا كأنهم بعثيون حتى وصل الأمر بالقتل بالاسم و بالمذهب. فلما ترأس أبو مصعب الزرقاوى القاعدة فى العراق أخذ يفجر المساجد الشيعية ومراقدها ما أثار حفيظة الميليشيات الشيعية التى ردت عليه بتفجير المساجد السنية بطريقة أقسى حتى أنها فجرت فى مدينة ديالى وحدها قرابة 250 مسجدا ثم امتد ذلك إلى باكستان ثم سوريا ثم لعبت داعش بنفس الطريقة فى السعودية والكويت واليمن وغيرها. وما هى المبررات الشرعية التى تستند إليها التنظيمات لقتل المسلمين أثناء الصلاة؟ لا يوجد أى سند شرعى يبرر قتل المسلمين أو المسيحيين أو أى إنسان أثناء الصلاة فالإسلام يحرم الاعتداء على كل متعبد فى أى دار عبادة حتى لو كان فى وقت الحرب فقد نهى رسول الله عن ذلك وقال: "لا تقتلوا الراهب فى صومعته ولا الطفل ولا المرأة ولا الشيخ الكبير الطاعن فى السن" ولكن داعش يفعل أى شيء دون سند فمعظم عناصره تجار مخدرات وسلاح وبعضهم هارب من قضايا جنائية وهناك جزء منهم انضم إلى التنظيم للثأر من الشرطة أو الجيش ليس أكثر. لكن بعض هذه الجماعات تستند لآراء وأفكار "ابن تيمية" فى تنفيذ جرائمها ؟ هذه تهمة باطلة فابن تيمية لم يصدر منه أى فتاوى تبيح قتل أحد بغير حق ولم يكن أبدا ضد الحكام وكان نصفه متصوفًا وكان يؤكد أن الصوفية جزء من الإسلام فكيف يحلل قتل المصلين داخل المساجد أو الكنائس؟ وما هى أسباب انتشار الفكر التكفيرى فى سيناء؟ التكفير هو أكبر أفة أصابت العقل الإسلامى ودمرته وهى التى كانت سبب فى إنهاء الخلافة الراشدة وكانت سبب فى قتل الإمام على رضى الله عنه وهناك أسباب كثيرة تسببت فى انتشار هذا الفكر خاصة فى سيناء من أهمها غياب الأمن عقب ثورة 25 يناير فقد انعدم الأمن في مصر عامة وفي سيناء بصفة خاصة, وسيناء بعد الثورة انفصلت تماماً عن مصر ومع وجود السلاح والمال والبيئة كل هذه العوامل مهدت لنشوء الفكر وانتشاره, ومع غياب الرشد في الدعوة والتكفير السياسي والتخوين والاستقطاب وانشغال التيارات الإسلامية بالعمل السياسي على حساب الدعوة وتنمية الفكر الصحيح أدي ذلك إلى اعتناق مثل هذه الأفكار وظهورها بقوة. وكيف نواجه هذه الجماعات ؟ الفكر يواجه بالفكر والسلاح يواجه بالسلاح والقانون ومن قاتل يقاتل ومن لم يفعل شيئا يناقش لرده إلى الفكر القويم وأتوقع أنه سوف يقضى عليهم وعلى فكرهم سريعاً خاصة أن فكرهم دخيل على الإسلام. البعض ينتقد الأزهر لرفضه تكفير الجماعات الإرهابية؟ أنا مع موقف الأزهر فى رفضه أن يكفر أحدا لأنه لو فتح باب التكفير فلن يغلق ومالنا والتكفير فإذا أردنا قتال هؤلاء الناس فلنقاتلهم ولنقتص منهم أما التكفير فهذا حق القضاة. ما هو الهدف الرئيسى لهذه الجماعات من هذه العمليات؟ الهدف الرئيسى لتلك الجماعات هو القتل لزعزعة الأمن وإسقاط الدولة وقد تدرجت فى جرائمها فبدأت بتنفيذ جرائمها ضد الشرطة والجيش ثم انتقلت إلى القضاة وبعد تأمينهم , توجهت إلى قتل الأقباط وبعد تأمين الكنائس اتجهت إلى المصلين فى المساجد. وهل هناك علاقة بين داعش والتنظيمات المسلحة للإخوان؟ الحركات المسلحة الإخوانية ليس من أفكارها قتل المصلين والاعتداء على المساجد والكنائس فخطابها سياسيًا وليس تكفيريًا وهدفها ضرب الجيش والشرطة والقضاء فقط وهم طلاب وخريجوا جامعات دخلوا فى صراعات ثأر مع الدولة بعد سقوط حكم الإخوان أما داعش فخطابه تكفيرى ويستهدف الجميع فهم مجموعات عسكرية محترفة ولكنهم يتفقون فى ضرب الدولة والسعى لإرباك النظام وكان هناك تعليمات من قيادات التنظيم فى الخارج للتنسيق بينهما لكن محاصرة الأمن للتيارين أفشلت تلك المحاولات. وماذا ستكون إسترتيجية التنظيم بعد استهداف مسجد الروضة؟ الضجة التى أحدثتها عملية تفجير مسجد الروضة ستجعل التنظيم يسعى إلى تكرار تلك النوعية من العمليات الإرهابية فى المساجد خصوصا تلك التى بها أضرحة صوفية فى مصر ليشعل الفتن المذهبية ويحقق ردود فعل واسعة فى العالم كله وهذا السيناريو حدث مع الكنائس فبعد ضرب أول كنيسة فى "المرقسية" كررت تلك التنظيمات ضربها ل 3 كنائس أخرى بعدها. وكيف يمكن حماية المساجد؟ فى كل الأحوال الحلول الأمنية ليست هى القرار الصحيح لأنك لن تضع حراسة على كل مسجد ولو فعلت فسيجعل هذاعددا كبيرا من المصلين يخشون الذهاب إلى المساجد للصلاة وعلينا أن نواجه هذا الفكر ونتوقف عن الهجوم على الأزهر ومشايخه وأن نساندهم لتأدية دورهم فى مواجهة هذا الفكر لأن الهجوم على العلماء يثير غضب الشباب ويبتعدون عن الدولة ويبررون انضمامهم إلى التنظيمات التكفيرية, وأنا أرى أن هذا الحادث كان فرصة للإخوان للتقارب مع الدولة والشعب المصرى بدلا من تبادل الاتهامات مع الدولة وحدث هذا من قبل أثناء حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وكلنا يعلم حجم الصدام بين الإخوان وعبدالناصر ففى أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 خرج بعضهم وأعلن الوقوف مع الدولة ونسى خلافاته مع عبدالناصر مما كان سبب فى الإفراج عن عدد كبير منهم من داخل السجون بعد ذلك. ما هى رسالتك لشباب هذه الجماعات التكفيرية والجهادية ؟ أقول لهم لن يسألك الله يوم القيامة كم إنسان كفرت وكم فسقت وكم بدعت ولكنه سيسألك كم إنسان هديت وماذا صنعت من الخير و أنت لست قاضى حتى تكفر الخلائق .. وأقول للجميع أن الأمة مستهدفة ولكن المرض الأساسى من داخلنا وليس من خارجنا وكل الذين يفسرون أمراضنا من الخارج يخدعوننا فمرضنا من داخلنا وعلتنا فى باطننا فلقد أصبح لدينا خواء فى الفكر وخواء فى الدين و خواء فى الحياة والأمة تحتاج إلى إيقاظ كبير وإن لم ندرك تصحيح كل الأوضاع الأخلاقية والدينية والثقافية والحياتية فسيظل هناك حالة من الخلل المجتمعى.