في موسم رمضاني مزدحم بالأسماء الكبيرة والبطولات المطلقة، اختارت الفنانة سلوى عثمان طريقًا مختلفًا، طريقًا يعتمد على الحضور الصادق لا الضجيج، وعلى التأثير العميق لا عدد اللقطات، فخرجت من السباق هذا العام بانتصار مزدوج، بعدما تألقت في عملين دراميين متباينين تمامًا في الروح والتفاصيل، هما مسلسل أب ولكن ومسلسل كلهم بيحبوا مودي، لتؤكد من جديد أنها واحدة من أهم ممثلات جيلها وأكثرهن قدرة على التنقل بين المساحات الإنسانية المختلفة دون افتعال أو مبالغة. سلوى عثمان لم تدخل السباق الرمضاني هذا العام بحثًا عن بطولة تقليدية أو تصدر مطلق للتترات، بل راهنت على أدوار تبدو للوهلة الأولى "مساندة"، لكنها في الحقيقة كانت القلب النابض للحكاية، فوجودها في أي مشهد يمنح العمل ثقلاً دراميًا خاصًا، ويمنح الشخصيات الأخرى مساحة حقيقية للتوهج، وكأنها ممثلة تعرف جيدًا أن الفن مشاركة لا استعراض. في «أب ولكن»، قدمت نموذجًا للأم المصرية التي تحمل على كتفيها هموم البيت والعائلة في صمت، امرأة بسيطة في ظاهرها، لكنها قوية من الداخل، حنونة دون ضعف، وحازمة دون قسوة. أداؤها جاء طبيعيًا إلى درجة أنك لا تشاهد ممثلة تؤدي دورًا، بل تشعر وكأنك ترى واحدة من نساء بيتك أو حارتك. لم تعتمد على البكاء المفتعل أو الانفعالات الصاخبة، بل على نظرة عين، وسكتة قصيرة بين جملتين، وتنهد خافت يختصر تاريخًا من المعاناة. تلك التفاصيل الصغيرة كانت سر سحرها الحقيقي. أما في «كلهم بيحبوا مودي»، فقد فاجأت الجمهور بوجه آخر مختلف تمامًا، حيث تحررت من عباءة الدراما الثقيلة، وقدمت شخصية أخف ظلًا، مليئة بالمفارقات اليومية وخفة الدم، دون أن تفقد عمقها الإنساني. انتقلت بسلاسة من لحظة كوميدية بسيطة إلى لحظة عاطفية مؤثرة، وكأنها تلعب على أوتار متعددة في المشهد الواحد، وهو ما يؤكد خبرتها الكبيرة وقدرتها على تطويع أدواتها التمثيلية لخدمة طبيعة العمل. اللافت أن سلوى عثمان في العملين لم تكرر نفسها ولو بنسبة ضئيلة، فلا نبرة الصوت هي نفسها، ولا طريقة الحركة، ولا حتى الإيماءات. في الأول كانت أمًا منهكة لكنها صلبة، وفي الثاني امرأة اجتماعية قريبة من الجميع، خفيفة الروح. هذا التنوع منحها مساحة أوسع لدى الجمهور، وجعل المشاهد يشعر أنه أمام شخصيتين مختلفتين تمامًا، لا ممثلة واحدة. نجاحها هذا الموسم لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لمسيرة طويلة من الاجتهاد والاختيارات الذكية. فهي من نوعية الفنانات اللاتي لا يقبلن الوجود لمجرد الظهور، بل يبحثن دائمًا عن الدور الذي يضيف لهن ويضيف للعمل. لذلك، حتى عندما لا تكون في مركز الحدث، تجد نفسها في مركز التأثير. الجمهور بدوره كان شريكًا في هذا النجاح، حيث تكررت الإشادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأدائها الصادق، واعتبرها كثيرون "روح المسلسل" في العملين، بل إن بعض المشاهدين أكدوا أن مشاهدها تحديدًا كانت الأكثر تأثيرًا وقربًا من القلب، لأنها تشبه الحياة الحقيقية بلا تزييف. وسط سباق يعتمد أحيانًا على الإبهار البصري والضجيج الدعائي، جاءت سلوى عثمان لتذكّر الجميع بأن التمثيل في جوهره إحساس، وأن الكاميرا تحب الصادقين فقط. لذلك استطاعت أن تحجز مكانها بسهولة في ذاكرة المشاهد، ليس كمجرد ممثلة شاركت في عملين، بل كفنانة صنعت فارقًا حقيقيًا في كل مشهد ظهرت فيه. هكذا خرجت سلوى عثمان من رمضان هذا العام برسالة واضحة: النجومية لا تُقاس بعدد الملصقات ولا بحجم الاسم على التتر، بل بقدرتك على أن تجعل المشاهد يبتسم معك، ويبكي معك، ويصدقك... وفي هذه المعادلة تحديدًا، كانت هي الرابح الأكبر.