هل ما زالت جدلية الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية حاضرة بقوة في عالم ما بعد الحرب الباردة، أم أنها عادت بثوب جديد عبر النزاعات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية؟ سؤال يفرض نفسه بقوة عند التوقف عند تطورات العلاقة المتوترة بين الولاياتالمتحدةوفنزويلا، والتي بلغت ذروتها أخيرًا مع اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطوة فجّرت موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني، وأعادت إلى الواجهة صراع النفوذ والأيديولوجيا في أمريكا اللاتينية. واشنطن والحديث عن السلطوية اعتقال مادورو، الذي قاد فنزويلا منذ عام 2013 بعد وفاة هوغو تشافيز، لم يكن حدثًا معزولًا عن سياقه. فمنذ سنوات، تتهم واشنطن الرئيس الاشتراكي بإدارة نظام سلطوي، وتزوير الانتخابات، والتورط في قضايا تهريب مخدرات وغسل أموال، وهي اتهامات تنفيها كاراكاس وتصفها بأنها "ذرائع سياسية" لإسقاط نظام يعادي الهيمنة الأمريكية. ومع إعلان توقيف مادورو، سواء عبر مذكرة دولية أو تحرك قضائي مدعوم أمريكيًا، انقسمت الآراء بين من رأى في الخطوة انتصارًا للعدالة، ومن اعتبرها انقلابًا سياسيًا مقنّعًا على دولة ذات سيادة. ولا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. هذا النفط كان ولا يزال عنصرًا مركزيًا في الصراع، إذ تعتمد فنزويلا عليه كمصدر رئيسي للدخل، فيما ترى واشنطن أن السيطرة غير المباشرة على تدفقه أو إعادة إدماجه في السوق العالمية بشروطها يشكل مكسبًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا بالغ الأهمية، خاصة في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة في أسواق الطاقة. شرعية الانتخابات.. كلمة سر تدخل الولاياتالمتحدة وبحسب ما نشره موقع "فرانس 24"، ظلت مجموعة من الملفات تشكل نقاط الخلاف بين الولاياتالمتحدةوفنزويلا منذ تولي نيكولاس مادورو الرئاسة للمرة الأولى عام 2013، من بينها شرعية انتخابه رئيسا لولاية ثالثة، والحظر على النفط، وتهريب المخدرات وقضية المهاجرين. وتوضح الشبكة أن واشنطن امتنعت، شأنها شأن قسم من المجتمع الدولي، عن الاعتراف بشرعية تولّي الاشتراكي نيكولاس مادورو رئاسة فنزويلا، لا سيما بعد إعادة انتخابه عامي 2018 و2024، والتي وصفتها الولاياتالمتحدة بأنها "غير شرعية". كما فرضت واشنطن، عقب قمع التظاهرات التي أعقبت انتخابات 2013، عقوبات على مسؤولين كبار في كاراكاس بتهم تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان. وبين عامي 2019 و2023، اعترفت الولاياتالمتحدة ونحو ستين دولة أخرى بالمعارض خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا، ما أدى إلى قطيعة دبلوماسية حادة بين البلدين. هل هو نموذج للصراع؟ يبدو أن اعتقال مادورو يتجاوز كونه إجراءً قانونيًا، ليعكس صراعًا أعمق بين نموذجين سياسيين واقتصاديين متناقضين. فهل كانت ميوله الاشتراكية وسياساته المناهضة لواشنطن هي السبب الحقيقي وراء هذا المصير، أم أن الأمر يتعلق بحسابات النفط والنفوذ في منطقة لطالما اعتُبرت الفناء الخلفي للولايات المتحدة؟ سؤال يبقى مفتوحًا، بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة.