طارق عبد العزيز: 90 % من المستشفيات الجامعية غير حاصلة على موافقات الدفاع المدني    محافظ أسيوط يطلق المرحلة الثانية من مبادرة "وحشتنا أخلاقنا"    رقابة أبوية وتصنيف عمري، تشريع حكومي جديد لحماية الأطفال من محتوى السوشيال ميديا    محافظ المنوفية يفتتح مشروع صرف صحى ميت البيضا باستثمارات 45 مليون جنيه    بركات: بيانات التعداد السكاني توفر أساس للتخطيط السليم    ترامب يؤكد وجود اتصالات على أعلى المستويات مع كوبا لإبرام اتفاق    الهلال الأحمر: ملحمة إنسانية مستمرة لدعم الأشقاء في غزة عبر معبر رفح    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    العراق يباشر تحقيقات مع 1,387 عنصراً من «داعش» نقلوا من سوريا    برشلونة يعلن غياب نجم بارز عن مواجهتي ألباسيتي وريال مايوركا    محمود عاشور يشارك في معسكر حكام الفيديو المرشحين لكأس العالم    افتتاح معسكر التضامن الأوليمبي للووشو كونغ فو بالقرية الأوليمبية    محافظ أسوان يعتمد نتيجة الفصل الدراسى الأول للشهادة الإعدادية بنسبة نجاح 78.40%    القومي للطفولة: تشويه الأعضاء التناسلية للإناث يخلف آثارًا نفسية جسيمة وطويلة المدى    عاجل- الحكومة تعزز حماية الأطفال على الإنترنت.. مدبولي يترأس اجتماعًا عاجلًا لضبط المحتوى الرقمي الضار    تعرف على برنامج حفل ختام معرض القاهرة للكتاب 2026 غدا    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    المنتجة ماريان خوري تستقيل من مهرجان الجونة.. لهذا السبب    الإفتاء توضح الأدلة على فضل ليلة النصف من شعبان.. تفاصيل    الصحة: تقديم أكثر من مليون خدمة طبية بمنشآت أسوان خلال 2025    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    صحة غزة: حصيلة شهداء الحرب ترتفع إلى 71 ألفا و800    أهالي جهينة بالشرقية يودعون بالدموع جثمان أم رحلت بعد وفاة نجلها الأصغر ب24 ساعة    علاء عز: تفعيل التعاون بين الغرف التجارية المصرية والتركية لإنشاء مناطق صناعية تركية    رئيس جامعة المنوفية يشهد الحفل الختامي للنسخة الثانية من مبادرة "تمكين" بمعبد الأقصر    ب 15 مليون جنيه.. محافظ المنوفية يتفقد إنشاءات مدرسة مصطفى الربيعي الإعدادية بشبرا زنجي لتقليل الكثافة الطلابية    ليكيب: قائد الكونغو الديمقراطية يرفض عرض اتحاد جدة    متفقهون في الدين.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يتنافسون في فرع الحافظ المتفقه ولجان التحكيم تشيد بالمستوى    التخطيط تُطلق تقريرها السنوي لعام 2025 بعنوان "النمو والتشغيل والقدرة على الصمود.. تهيئة الاقتصاد المصري للمستقبل"    محافظ شمال سيناء: رفح الجديدة للمصريين فقط وتشغيل المعبر يرد على الشائعات    قبل مواجهة الزمالك.. كهرباء الإسماعيلية يضم الإيفواري سيرجي أكا    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    وزير المالية ومركز المعلومات يكرمان صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    رئيس الشيوخ: ليلة النصف من شعبان مناسبة عطرة نستلهم منها دروساً إيمانية عظيمة    إصابة 23 عاملاً في انقلاب «ربع نقل» على طريق الإسماعيلية الصحراوي    «إكسترا نيوز» ترصد حجم الإقبال اليوم على معرض القاهرة الدولي للكتاب بمركز مصر للمعارض الدولية    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    ريهام حجاج تحتفل بعيد ميلاد جالا عادل فى لوكيشن مسلسل توابع    المشدد 10 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه لتاجرى مخدرات فى رأس سدر    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    اليوم.. النطق بالحكم على قاتلة صغار دلجا بالمنيا في جلسة الاستئناف على إعدامها    تامر عبد الحميد: معتمد جمال نجم الزمالك الأول.. وعدم ذهاب إمام عاشور إلي المطار مع الأهلي "مصيبة"    قوائم طويلة من الفلسطينيين تنتظر العبور عبر معبر رفح إلى مصر لتلقي العلاج    صوم يونان.. دعوة للقلب    فضل شهر شعبان.. دار الافتاء توضح فضل الصيام فى شهر شعبان    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 2فبراير 2026 فى المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    أسعار الدواجن البيضاء والبلدى بالأسواق والمحلات فى الأقصر اليوم الإثنين    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    عمر كمال: رفضت 30 مليون جنيه من بيراميدز وهذا سبب رحيلي عن الأهلي    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    جرامي ال68.. مايهيم يفوز بجائزة أفضل ألبوم بوب غنائي    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    وزير الصحة: تفعيل الخطة القومية للخدمات الصحية الطارئة ورفع درجة الاستعداد بالتزامن مع فتح معبر رفح    لتجنب اضطرابات الهضم، طرق تهيئة المعدة لصيام رمضان    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال مسؤول في دائرة الهندسة ب«حزب الله» جنوب لبنان    متابعة حية.. الاتحاد يواجه النجمة في الجولة 20 من الدوري السعودي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصطفى عبيدو يكتب: ربيع القلوب
نشر في الفجر يوم 09 - 05 - 2019

كثيرا ما ندعو الله بأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، دون أن نفهم بعمق ما المعنى و المغزى و المراد و المقصود من تلك الجمله "ربيع القلوب"، وفي ظل الزخم وتوالى الأحداث وتسارعها ينشغل الناس عن قراءة القران ، فخربت قلوبهم أو أصبحت قاسيه، لهجرهم هذا الكتاب المنزل من السماء.. لكن العلاج سهل و بسيط في كتاب الله الذي يجعل القلب ملئ بالايمان و النور، وإذا كنا نهتم بالحفاظ علي الجسد وأعضاء الجسم من الحر أو البرد ، فالأولى الاهتمام بالحفاظ علي أهم عضو بالجسد "القلب " ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ".
وها نحن فى شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فقال: اللهم إني عَبْدُكَ بن عبدك بن أَمَتِكَ ناصيتي بِيَدِكَ مَاضٍ في حُكْمُكَ عَدْلٌ في قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لك سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أو عَلَّمْتَهُ أَحَداً من خَلْقِكَ أو أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قلبي وَنُورَ صدري وَجَلاَءَ حزني وَذَهَابَ همي إِلاَّ أَذْهَبَ الله هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجاً ؛ قال: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا فقال بَلَى ينبغي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا".
و تعالو في نظرة إلى هذا الحديث الشريف: اللهم اني امتك ابنة عبدك ابنة امتك: إثبات وحدانية الله وان العبد ضعيف لاحول له ولا قوة فهو ضعيف ومن نسل ضعفاء محتاجين لله وحده جل وعلا، ناصيتي بيدك :فانا ملك لله يتصرف بي كما شاء، ماضي في حكمك: فلا مفر من الله إلا إليه حكمه ماضي رضينا ام ابينا قد كتبه في اللوح المحفوظ قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، عدل في قضائك: فحكمك ماضي وأنا أقر أنه خير لي فكل قضاء يقضيه الله له حكمه فهو الحكيم سبحانه لا يظلم أحدا بل كل حكمه وقضائه خير للعبد والشر ليس إليه سبحانه، أسالك اللهم بكل اسم هو لك: فإن لله أسماء حسنى تليق بجلاله "ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها" نؤمن بها دون تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه كما وردت في الكتاب والسنة، سميت به نفسك او انزلته في كتابك او علمته احد من خلقك او استاثرت به في علم الغيب عندك : فإن لله اسماء كثيره لايحصيها الا هو سبحانه بعضها اطلعنا عليها وبعضها بقيت في علم الغيب عنده ،ومن افضل الدعاء دعاء الله باسمائه الحسنى.، ان تجعل القران ربيع قلوبنا.. آمين.
و القلب كالوعاء أو "الطبق" تملأه بما تريد، وهذا الوعاء يتلقي الاشياء من الحواس المختلفة ، ولك هنا أن تملأ قلبك بأي مما تريد ، ولا أفضل ولا أزكي ولا أجمل من كلام رب العالمين القرآن الكريم الذي يغذى القلب و يجعله آمنا مطمئنا ، يشفى الفؤاد و يهذب النفس ، و يعين في حال التعرض للفتن والابتلاءات التي لا يصبر عليها الا اهل القران الذي أحكمت آياته من لدن حكيم عليم.
والربيع هو أحسن فصول السنة، ويأنس فيه الناس ما لا يأنسون في غيره من الفصول حيث النبات و الازهار والخيرات. والقرآن أحسن الكلام، وعلومه ومعارفه أعلى المعارف والعلوم، ومواعظه أرق المواعظ وأجزلها، فكان ربيع القلوب، قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: جعل القرآن ربيع قلبه؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان، ويميل إليه، وربيع القلب وصف للحالة التي يكون فيها هذا العضو المهم بجسد الانسان القلب حتى ولو كان الطقس حارًا او باردًا، وهذا هو الأهم، حيث يكون القلب فيه ربيع فريد، حيث يقوى القلب بالقرآن ويصبر، ويضاء القلب بالقرآن ولا يخرج منه إلا الصدق، ويتزن القلب بالقرآن ويثقل بالحكمة والفطنة والذكاء.
وصلاح أي عمل مرتبط بصلاح القلب كما أن فساد أي عمل مرتبط بفساد القلب ، و هنا يكون القرآن ربيع القلب ، حيث يجعل جوارح الانسان كلها تسلم لله رب العالمين فلا تتحرك الا لله عز وجل ، وكما قال النبي صلوات ربي وتسليماته عليه مشيرا الي قلبه ثلاث مرات، "التقوى ها هنا" والتقوى باطنة وظاهرة ، كما ان الصلاح باطنا وظاهرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ".
وفي المقابل والعياذ بالله، فإن فساد القلب لبعده عن القران .. يتبعه خراب لكل الجسد و هذا يأتي من الشهوات والملذات والبعد عن الله ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما مفسدات القلب الخمسة فهي كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب، وتكون النتيجة والعياذ بالله فساد القلب.
يقول الله تعالى : "إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ، وقوله تعالى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"، أن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد ، و القلب بيد الله وحده لا شريك له يفتحه متى شاء ويغلقه متى شاء بحكمته وعلمه سبحانه "وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ" والقلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء، لكن العلاج موجود، وهو القرآن والتضرع إلى الله تعالى، واللجوء إليه، وكثرة الدعاء؛ يقول الله تعالى - مخبرًا عن دعاء عباده الراسخين في العلم: "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ".
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ"، وكان صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه رضي الله عنهم أن يدعوا بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ.. قَلْبًا سَلِيمًا، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا".
وهنا القرآن الكريم كالماء الذي يحى الارض و يجعل النباتات و الزهور والأشجار تنمو وتترعرع في فصل الربيع، القرآن هنا نور الصدور وحياة القلب وزوال الجهل بسبب نور القران الكريم، و القران يجب ان يمر الي داخل القلب حتى يكون ربيعا له، و لا يكون ذلك بالتلاوة فقط، بل بالتدبر والتأمل ، مثل السحب التي تمر على أرض صحراء جدباء قاحلة، لكنها لم تسقط مطرا ، أما اذا هطلت الامطار من تلك السحب وقتها ستنبت هذه الأرض، وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: يا أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض.
وتدبر القرآن وتدارسه أمر مهم جدا؛ فليس الحكمة من قراءة القران ان تتلى فقط حروفه بل تتدبر وتطبيق اياته واحكامه "أفلا يتدبرون القرآن"؛ كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون العشر آيات حتى يفهمونها ويطبقونها ثم يحفظونها ومن بعد ذلك ينتقلون لغيرها؛ فمن يقرأ القران بقلب لاهي ساهي لايفيده قراته ؛بل ربما يأثم بذلك , قال صلى الله عليه وسلم في اخر ايات سورة ال عمران "ويل لمن قرأها ولم يتدبرها"، وقال تعالى "إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربّهم يتوكلون" (الأنفال، 2).
وقال تعالي "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد، 28) فعلا هذه حقيقة، فالقرآن كالماء الذي يروى القلب فيحيه.. كما يحي الماء الأرض الميتة، قال تعالى: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"، ولقد تعبدنا الله بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ"، فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً ، ولقد أعجز الله الخلق عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، قال تعالى: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ممن مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين".
ومن عظمة كتاب الله "لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون"، ومن قوة القرآن "وننزل من القران ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا".. "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم".. "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، وهو محفوظ بحفظ الله الى قيام الساعة.
ويجب علينا ، اذا كنا نريد أن يكون القران ربيع قلوبنا بحق ؛ ان نتخلق بأخلاق القران، وعندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم عن خلق قالت كان خلقه القران يحل حلاله ويحرم حرامه، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لله تعالى أهلين من الناس .. قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القران أهل الله وخاصته).
فالصاحب يتاثر بصاحبه (كل قرين بالمقارن يقترن) فمن كان صاحبه القران تأثر بأدابه وأحكامه (تخلقا وتعاملا وادابا ) ، وصاحب القران يبتعد عن كل مايشوب من (نفاق وكذب وظلم وغيره)، قال عمر رضي الله عنه : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ) (صحيح مسلم) (يرفع بهذا الكتاب ) : أي بقراءته والعمل به ( ويضع به ): أي بالإعراض عنه وترك العمل بمقتضاه.
كما يجب علينا اذا كنا ايضا نريد الله أن يجعل القران ربيع قلوبنا، إن نقوم بتلاوته أناء الليل وأطراف النهار: (واتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).. وقال تعالي (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ"، وقال تعالي "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"، وعنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ".
وأيضا يجب علينا اذا كنا نريد القران ربيعا لقلوبنا أن نحبه، إن القلب إذا أحب شيئا تعلق به، واشتاق إليه، وشغف به، وانقطع عما سواه، والقلب إذا أحب القرآن تلذذ بقراءته، واجتمع على فهمه ووعيه فيحصل بذلك التدبر المكين، والفهم العميق، وبالعكس إذا لم يوجد الحب فإن إقبال القلب على القرآن يكون صعبا، وانقياده إليه يكون شاقا لا يحصل إلا بمجاهدة ومغالبة، وعليه فتحصيل حب القرآن من أنفع الأسباب لحصول أقوى وأعلى مستويات تدبر وحفظ القران، وعلامات حب القلب للقرآن هى: الفرح بلقائه والجلوس معه أوقاتا طويلة دون ملل.
والشوق إلى لقائه متى بعد العهد عنه وحال دون ذلك بعض لموانع، وتمني ذلك والتطلع إليه ومحاولة إزالة العقبات التي تحول دونه ، و الثقة بتوجيهاته والرجوع إليه فيما يشكل من أمور الحياة صغيرها وكبيرها، وطاعته، أمرا ونهيا والتلذذ باتباع اوامره واجتانب نواهيه، و السهر بتلاوته والتلذذ بالقيام به، والشعور بالحزن في القلب عند الابتعاد عنه ، والشعور براحه حين سماع الآيات تتلى.
ويجب علينا إذا كنا نريد أن يكون القران ربيع قلوبنا بحق أن نسعى لحفظة؛ قال تعالى "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر"، و صاحب القرآن يرتقى في درجات الجنة بقدر ما معه من الآيات ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقال لصاحب القران اقرأ و ارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" صحيح الجامع، وصاحب القرآن يلبس حلة الكرامة وتاج الكرامة، حديث أبى هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حله ، فيلبس تاج الكرامة ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرض عنه، فيقال اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة"، صحيح الجامع، حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده ، وهو عليه شديد فله أجران" (البخاري ومسلم).
كما يجب علينا اذا كنا ايضا نريد الله أن يجعل القران ربيع قلوبنا ان نستشفى به قال تعالي (وننزل من القران ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين) فالقران شفاء لجميع الامراض الحسية والمعنوية مع اليقين والاستعانة بالله، والفاتحة شفاء وكثير من السور والايات نفع الله بها ولكن بشروط هي : اليقين ان الشفاء من عند الله، والاخلاص لله تعالى والاستعانة بالله وحده وتدبر الآيات اثناء العلاج.
وأيضا يجب علينا اذا كنا نريد القران ربيعا لقلوبنا ألا نهجره أبدا "يارب ان قومي اتخذوا هذا القران مهجورا" هذه شكوى النبي صلى الله عليه وسلم لربه وانواع هجر القران كثيره منها :هجر تلاوته وختمه ، وهجر تدبره وعدم اتباع أحكامه، وهجر الاستماع اليه، وهجر الاستشفاء به.
ونحن الآن فى شهر ربيع القلوب؛ فلتأخذ قلوبنا حظها من هذا الربيع، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، اللهم اجعل القران لقلوبنا ضياء ولأبصارنا جلاء وللجنة مقربا وعن النار مزحزحا.. اللهم آمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.