قال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن الدولة في مصر، قديمة قدم الأزل، والموظفين في مصر القديمة كانوا هم الأساس الذي قامت عليه الدولة في مصر قديمًا. وأضاف عبد "البصير" أن الموظفين كانوا الكهنة ورجال الدين والفنانين والأطباء والوزراء والموظفين المدنيين والعسكريين بدرجاتهم الوظيفية والموظفين الإداريين كالمشرفين على القصر الملكي أو الحدود المصرية أو بلاد النوبة، وتنوعت درجات وأطياف الموظفين؛ فكان من بينهم موظفون من كبار رجال الدولة وموظفون من درجات وطبقات وظيفية أدنى منهم، غير أن جميعهم انتمى إلى صفوة المجتمع المصري القديم. وأشار "عبد البصير" إلى أن الموظفون وجدوا في الدولة منذ منذ عصر الأسرة الأولى، ونجد مقابرهم في مناطق سقارة وحلوان وغيرها، وركز الموظفون في مقابرهم وأعمالهم الفنية وسيرهم الذاتية على أهم معالم مسيرة أولئك المسئولين الوظيفية والمحطات البارزة فى حياتهم. وكتب عدد كبير منهم سيرهم الذاتية كي يسجل أعماله ومفاخره من خلالها، وجذور السير عميقة في التاريخ المصري القديم، ودون شك تعود إلى لوحات الأسرة الأولى التي حمل أصحابها العديد من الألقاب مرورًا بلوحات الطبيب "حسي رع" الخشبية من الأسرة الثالثة ووصولاً إلى سيرة "متن" فى بداية الأسرة الرابعة وما بعدها. وأضاف عبد البصير أن في هذه الأعمال النصية، يصف الموظفون خبراتهم التي مروا بها في حياتهم خصوصًا الوظيفية. وبدأت السير تقدم حياة أصحابها الوظيفية بتفاصيل عديدة مثل عهود الملوك الذين خدموهم ويطلق عليها "سير الوظيفة". ولدينا موظفون معروفون منذ التاريخ المصري القديم أمثال الوزير "حم كا" بمعنى "خادم القرين" الذي عاش في عهد الملك "دن" من ملوك عصر الأسرة الأولى. ويعد من أقدم وأشهر الموظفين في مصر من عصر الأسرات المبكر. وقد كشفنا في سقارة عن مقبرة لهذا الموظف، وبها أقراص من الحجر والنحاس والخشب والعاج ومحلاة بمناظر بديعة وبعضها مطعم بقطع من المرمر. وتابع عبد البصير أن هناك أيضًا الكاهن "حتب دي إف" بمعنى "القربان الذي يقدمه" من عصر الأسرات المبكرة، وله تمثال صغير وجميل يمثله في وضع تعبدي جاثيًا على ركبتيه، وهو موجود حاليًا في المتحف المصري في التحرير. وينسب هذا التمثال إلى عصر الأسرة الثالثة بالرغم من وجود أسماء الملوك الثلاثة الأوائل من الأسرة الثانية مكتوبة على ظهره. والتمثال يمثل درجة من درجات الفن المتقدم بالنسبة للأسرتين الأولى والثانية، ولكن في نفس الوقت يمثل مرحلة مبكرة بالنسبة لفن النحت في عصر الأسرتين الثالثة والرابعة. وهناك أيضًا كبير أطباء الأسنان الطبيب الأشهر "حسي رع" بمعنى "الممدوح من رع" من عصر الأسرة الثالثة من عهد الملك زوسر، والذي كان وزيرًا في عهده. وعثرنا على مقبرته الكبيرة المزينة، وبها لوحات بديعة مصنوعة من خشب الأرز المستورد من لبنان. كما تدل قطع الأثاث الفاخرة الموجودة في مقبرته على أنه كان شخصية كبيرة وفي رتبة عالية ويحظى بثراء كبير. وتم تصوير "حسي رع" على هذه اللوحات وبجانبه اسمه ووظيفته بالكتابة الهيروغليفية. وهو مصور في الوضع واقفًا ويرتدي الملابس الرسمية وحاملاً صولجانًا، أو جالسًا وأمامه منضدة عليها قرابين. واللوحات تبين تصوره من الجانب، وتظهر تفاصيله كاملة. وأكد عبد البصير أن حسي رع يعتبر أول طبيب يذكر اسمه في التاريخ؛ إذ يذكر النص على اللوحة الخشبية "كبير أطباء الأسنان ". وحمل "حسي رع" يحمل لقب "مندوب الملك" ولقب "كبير العاصمة بوتو". وأشار عبد البصير أن الموظف المعروف "دبحن" من عهد الملك منكاورع من عصر الأسرة الرابعة. وفي مقبرة "دبحن" في هضبة الجيزة بالقرب من هرم الملك منكاورع نص سيرة ذاتية يذكر فيه "دبحن" وصف زيارة الملك منكاورع إلى موقع البناء لهرمه المسمى "إلهيٌّ هو منكاورع"، ورافق الملك قائد القوات البحرية وكاهنان كبيران للإله بتاح، وكذلك الفضل الملكي الذي تكرمه به الملك عليه. ويوضح هذا النص الصورة البشرية الخاصة بالملك منكاورع في نهاية عصر الأسرة الرابعة القديمة. وتعد سيرة "دبحن" الذاتية من أوائل السيرة الذاتية التي تقدم لنا نوعًا من الفن القصصي حيث يخبرنا "دبحن" صاحب السيرة عن كثير من الأمور والأحداث عن نفسه. وختم عبد البصير كلماته بقوله لقد ألقت آثار وأعمال وسير الموظفين في مصر القديمة –بشكل عفوي- بأضواء كاشفة على التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمصر القديمة منذ أقدم العصور إلى نهايات التاريخ المصري القديم.