رئيس جامعة كفر الشيخ يفتتح وحدة الذكاء الاصطناعي بكلية الزراعة    أسعار المشتقات النفطية والغاز اليوم فى السوق الأمريكى.. إنفوجراف    "الصحفيين" تصدر 13 كودا لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي    العدالة الضريبية تبدأ من الأسرة    محافظة الجيزة: تركيب حواجز خرسانية بشارع الشيخ أحمد نصر لمنع السير عكس الاتجاه    مصر وروسيا تبحثان إنشاء ممر لوجيستي وترسانة لتصنيع السفن    البيت الأبيض: إطلاق النار خلال عشاء الصحفيين هو ثالث محاولة لاغتيال ترامب    نتنياهو: صواريخ حزب الله ومسيّراته تتطلب مواصلة العمل العسكري    رئيس جامعة المنصورة الأهلية يُكرم أبطال "Powerverse 2" لرفع الأثقال    تشكيل مانشستر يونايتد - سيسكو وديالو يقودان الهجوم ضد برينتفورد    منتخب مصر للناشئين يكرر فوزه على الجزائر تحضيرا لكأس إفريقيا    إصابة 9 أشخاص في انقلاب ميكروباص على طريق طنطا – كفر الشيخ    إعادة تشغيل محطة مياه "أبو عارف" بالسويس بعد التعامل مع بقعة السولار    جولة ميدانية لرئيس قطاع المعاهد الأزهرية بالقليوبية لمتابعة امتحانات النقل    المركز القومي للبحوث يحذر من «مخدر A4» الجديد    خيري بشارة يسلم تكريم منى ربيع وحسن جاد في افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    جامعة المنصورة الأهلية تنظم مؤتمر تكنولوجيا الأشعة    مصر وروسيا ترسمان خارطة طريق لتوطين الصناعات البحرية وإطلاق ممر لوجستي جديد يربط البحرين الأحمر والمتوسط    من التحرير.. للتعمير (1)    صلاح الدين.. السادات!    مراسل القاهرة الإخبارية: بوتين يتسلم رسالة من المرشد الإيراني خلال لقاء عراقجي    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    عضو بالشيوخ الأمريكي: الشرطة تعاملت باحترافية في واقعة إطلاق النار بحفل مراسلي البيت الأبيض    المنشاوي يهنئ فريق مستشفى القلب بجامعة أسيوط بنجاح إجراء أول جراحة دقيقة لاستبدال الصمام الميترالي    وفاة الفنان السعودي عادل العتيبي نجم مسلسل "طاش ما طاش"    بسلاح أبيض وصاعق كهربائي، الأمن يكشف تفاصيل الاعتداء على شاب بدمياط    أحمد درويش رئيسا للإدارة المركزية للشئون المالية والإدارية بقصور الثقافة    في واقعة الفيديوهات.. الاقتصادية تقضي بعدم الاختصاص في محاكمة طليق رحمة محسن    تأجيل محاكمة 73 متهما بقضية خلية اللجان النوعية بالتجمع لجلسة 24 يونيو    نادية مصطفى تنفي شائعة وفاة هاني شاكر وتؤكد: المصدر الوحيد لأخباره أسرته أو النقابة    تعزيز التعاون الأمني بين مصر ومالي خلال لقاء وزيري الداخلية    رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية: مبادرة «ازرع» لم تعد مجرد نشاط موسمي بل نموذج تنموي رائد    سعر الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل7000 جنيه    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    تشكيل سموحة لمواجهة المصري بالدوري الممتاز    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    طهران تؤكد متانة التحالف مع موسكو.. شراكة استراتيجية تتعزز رغم التصعيد    سفير الصومال لدى مصر يبحث مع نظيره الجيبوتي سبل تعزيز الشراكة    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    اعتماد رسمي لقيادات "الناصري"، محمد أبو العلا رئيسًا للحزب لدورة جديدة    الزمالك يستقبل سفير الجزائر بالقاهرة.. صور    طريقة عمل آيس كريم الزبادى بالتوت بمذاق لا يقاوم    النائب إسماعيل الشرقاوي يرفض مشروع قانون التأمينات بصيغته الحالية    دوري أبطال أوروبا 2025/2026 – من سيفوز، باريس سان جيرمان أم بايرن ميونخ؟    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    وزير الصحة يشارك في افتتاح قمة الصحة العالمية بنيروبي    الصحفيين تعلن أسماء المرشحين لانتخابات شعبة محرري «الصحة»    حفل جديد لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية يحتفل ب "اليوم العالمي للرقص"    تقرير: غموض مستقبل ماستانتونو مع ريال مدريد.. والكشف عن موقف ريفربليت    8 أنواع من المياه المنكهة الصحية التي لا غنى عنها في الصيف لتحسين الهضم    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    محطة الضبعة والمنطقة الاقتصادية.. السيسي يثمن الزخم المتنامي في العلاقات والمشروعات مع روسيا    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    مصرع شاب صدمه قطار خلال محاولته عبور السكة الحديد في العياط    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لعلك ترضى
نشر في الفجر يوم 01 - 10 - 2018

من الآيات الإرشادية، الآمرة بالصبر على مشاق الدعوة إلى الله، والداعية إلى تسبيح الله في كل آنٍ وعلى كل حال؛ لينال العبد رضى الله في الدنيا والآخرة قوله تعالى: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} (طه:130).
ذكر المفسرون في التسبيح المأمور به في الآية هنا وجهين:
الأول- أنه التنزيه. والمعنى: ونزه ربك عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامداً له على ما ميزك بالهدى، معترفاً بأنه المولى للنعم كلها. قال الرازي: "وهذا القول أقرب إلى الظاهر؛ لأنه تعالى صبره أولاً على ما يقولون من تكذيبه، ومن إظهار الشرك والكفر، والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن قولهم، حتى يكون دائماً مُظْهِراً لذلك، وداعياً إليه؛ فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات".
الثاني- أنه الصلاة، وهو الأقرب لآية {واستعينوا بالصبر والصلاة} (البقرة:45)، قال ابن عاشور: "أمره بأن يُقبل على مزاولة تزكية نفسه وتزكية أهله بالصلاة، والإعراض عما متَّع الله الكفار برفاهية العيش، ووعده بأن العاقبة للمتقين. فالتسبيح هنا مستعمل في الصلاة؛ لاشتمالها على تسبيح الله وتنزيهه". والمعنى على هذا: صلِّ وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه، قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الفجر. وقبل غروبها، يعني صلاة الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار، بين زوال الشمس وغروبها، ومن آناء الليل فسبح أي من ساعاته -وهو جمع إِني، بكسر الهمزة، وسكون النون- يعني المغرب والعشاء. وتخصيص هذه الأوقات للإشارة إلى الدوام على التسبيح، مع أن لبعض الأوقات مزية يفضل بها غيرها.
والمهم في هذه الآية الكريمة ما أشارت إليه من العلاقة بين التسبيح والرضا {وسبح بحمد ربك...لعلك ترضى} وهذا كقوله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} (الحجر:98). فقد أرشدت هذه الآية إلى الدواء الذي يُسْتشفى به من ضيق الصدر، فكم في الدنيا من صدور أضنتها الأحزان! وكم في الدنيا من وجوه ذوت بما تخفي من أوجاع نفسية! فجعلت الآية التسبيح ترياقاً تستطب به النفوس، وتُداوى به الغموم، وتثلج به الصدور.
والملفت للانتباه في هذا السياق، أن القرآن الكريم أخبرنا أننا نعيش في عالم يعج بالتسبيح من حولنا؛ فالرعد يُسبح: {ويسبح الرعد بحمده} (الرعد:13) والجبال والطير تُسبح: {وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير} (الأنبياء:79) والكائنات بأجمعها تُسبح لله، بما فيها السماوات نفسها، والأرض نفسها، وما فيهما من مخلوقات، كلها تُسبح لله، وكلها تُسبح بلغة لا نفهمها: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} (الإسراء:44). بل إن القرآن يخبرنا بأن لكل كائن من هذه الكائنات مسلك خاص في تسبيح الله، يقول تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (النور:41) والصحيح من أقوال أهل العلم أن تسبيح هذه الكائنات تسبيح حقيقي، حتى إنه في بعض الأحوال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون هذا التسبيح، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل).
وإذا كان تسبيح الطعام الذي سمعه الصحابة رضي الله عنهم هو حالة خاصة وفي زمن خاص، فإن الله سبحانه قد أخبرنا عن تسبيح جميع الكائنات في نظامها العام، وأنه تسبيح بلغة خاصة، كما قال سبحانه: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} (الإسراء:44).
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه الحالة الخاصة الاستثنائية في فهم لغة المخلوقات، فقال: "بل هو سبحانه وتعالى ينطق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين، كما قال تعالى عن داود عليه السلام: {يا جبال أوبي معه والطير} (سبأ:10) وقال تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} (ص:18) والحصى قد سبح في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن مسعود: (كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) وكان أبو الدرداء، وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القِدْر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم حجراً بمكة، كان يسلم علي قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن) رواه مسلم، وهذا باب واسع".
فإذا استشعر المؤمن الذي يتعامل مع أخبار القرآن كأنما يشاهدها رأي العين، إذا استشعر هذا المشهد، وأخذ يُجيل عينه في الكون من حوله، فيقلب وجهه في السماء، وينظر في فجاج الأرض، ويمسك الأشجار بيديه، ويتأمل الطير فوقه، وهن صافات ويقبضن، ويستحضر تلك الكائنات المدهشة التي تعيش قيعان المحيطات، ثم يستعيد كلام الله عن أن هذه الكائنات كلها تُسبح لله، كل قد علم صلاته وتسبيحه، ولكن لا نفقه تسبيحهم، فإنه لا يكاد يطيق المهابة والإحساس بالعظمة الإلهية التي تتوارد على قلبه، وتكاد تعتقل لسانه.
فإذا جمع المؤمن في قلبه هذا المشهد السابق في تسبيح الكائنات لله، ثم أضاف إليه أن الله استفتح بالتسبيح سبع سور من القرآن. وإذا أضاف المؤمن إلى ذلك أن الصلاة التي هي أعظم شعائر الإسلام، جعل الله في ركوعها وسجودها التسبيح. وإذا أضاف المؤمن إلى ذلك تسابيح الأنبياء، كقول موسى عليه السلام في بيان وظيفة نبوته: {واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا} (طه:29-34) فطلب موسى مساعداً له في رسالته، وجعل وظيفة هذه الرسالة أن يسبحا لله كثيراً، ويذكراه كثيراً.
ويونس عليه السلام فزع إلى التسبيح في أحلك الظروف: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء:87) وبيَّن سبحانه أن تسبيح يونس عليه السلام هو الذي كان سبباً في نجاته من بطن الحوت: {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات:143-144).
وذكر لنا القرآن أن الملائكة لا تفتر عن التسبيح، قال عز شأنه: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} (الأنبياء:20) وقول الله عز وجل: {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} (الزمر:75) وقوله تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} (غافر:7).
بل أخبرنا الله على لهج ألسنة أهل الجنة السعداء بالتسبيح، قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم} (يونس:9-10). فإذا ضم المتأمل هذه الشواهد، ورأى كيف أن الرعد والجبال والسموات والأرض والكائنات كلها تسبح لله، وأن الله استفتح سبع سور بالتسبيح، وأن الله جعل الركوع والسجود، وهما من أهم أركان الصلاة تسبيحاً، ومنزلة التسبيح في أخبار الأنبياء، واتصال الملائكة بالتسبيح، وتسبيح أهل الجنة، إذا ضم هذه الشواهد كلها بعضها إلى بعض، تغيرت نظرته جذريًّا إلى مفهوم التسبيح، وأدرك أن للتسبيح منزلة عند الله تفوق المنزلة التي نتصورها عادة، وأن ثمة علاقة قوية، ورابطة متينة بين التسبيح والرضى النفسي، فكل مسبح لله دائم التسبيح له سبحانه يهنأ بعيشة راضية في الدنيا، ثم هو يوم القيامة يكون من المرضين عنده سبحانه.
والمؤمن الحق حين يتأمل مثل هذه المنزلة للتسبيح يدركه الألم على فوات كثير من لحظات العمر عبثاً دون استثمارها بالتسبيح، وأي شيء أجمل من قضاء دقائق الانتظار لتحصيل بعض مهام الدنيا، واستغلال أوقات ازدحام السير في الطرقات، واستثمار لحظات الصمت، في تسبيح الله سبحانه.
وكم نحن مغبونون في أيام وليال وسنين ذهبت سدىً من غير أن نعمرها بالتسبيح؛ تلك الأوقات من أعمارنا أُعطيت لنا ليختبرنا الله، ماذا نحن عاملون فيها، وقد مضت الآن، ولن تعود أبداً! إنها ذهبت مسرعة لاهثة لتعلن في كل دقيقة كمية من أعمارنا سُحبت منا، فهل سجلنا في تلك الأوقات التي انسلخت من أعمارنا تسبيحاً لله، أو كانت مستغرقة في عمل صالح، أم أمضيناها في الثرثرة وفضول الكلام، وفضول السماع، وفضول مشاهدة الفضائيات و(اليوتيوبات)، وفضول تصفح وسائل (التقاطع) الاجتماعي. وهل سنضيع ما بقي من أعمارنا من غير أن نُعمر تلك الأعمار بالتسبيح وبالأعمال التي تقربنا إلى الله سبحانه، وتدخل على صدورنا الرضا والسرور. فالله المستعان وعليه التكلان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.