استحوذت زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، إلى أمريكا، واجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ثم وزير دفاعه جيمس ماتيس؛ خلال الأيام القليلة الماضية، على اهتمام عالمي كبير، كما تركت الجوانب التي تمّ التطرق إليها المجال مفتوحاً للتقدُّم على مسارات عديدة مشتركة بين البلدين، حيث جاءت في وقتٍ قياسي وربما غير متوقعٍ أو مسبوقٍ مما يُحسب للجانب السعودي في هذا الجانب؛ نظراً لما حقّقه ولي ولي العهد من حراكٍ على ملفات في غاية الأهمية، في ظل غموض الموقف الأمريكي منها قبل ذلك. تحديات مشتركة في الاجتماع الذي وُصف ب "الطويل" الذي عُقد بين الأمير الشاب الذي يقود ملف رؤية بلاده نحو المستقبل 2030 م، مع وزير الدفاع الأمريكي، تمّ تناوله بشكل كبير؛ حيث عُقد في مقر وزارة الدفاع الأمريكي (البنتاجون)، وفيه كان التأكيد السعودي ذكياً من خلال التركيز على الأولويات الحالية في علاقات البلدين، خصوصاً في ظل تحديات مشتركة، وبصراحة أبرزت أن المملكة تدرك أنها "تعد الخط الأمامي مجابهة التحديات التي تشهدها المنطقة والعالم والمتمثلة في تصرفات النظام الإيراني المربكة للعالم والداعمة للمنظمات الإرهابية، إضافة إلى التحديات التي تقوم بها المنظمات الإرهابية"، كما وصفها بدقة ولي ولي العهد، لمضيفيه الكِبار في الدولة الكبرى.
تعزيز المجالات الأمنية لقد أكّد الأمير أن المملكة واعية جداً لدورها كما مستقبلها، وأيضاً أنها بحاجة إلى تحرُّك أمريكي فعلاً على تخطيط تعزيز العلاقات، وخاصة في المجالات الأمنية التي تهم البلدين وبالدرجة نفسها لتعزيز وتقوية الاتفاقيات الاقتصادية، خاصة أن الإدارة الأمريكية الجديدة لم تكن واضحة بشكل كافٍ في التجاوب مع المبادرات السعودية، ولعل هذا ما جعل الأمير الشاب يعطي أولويةً لتوضيح ذلك، وهو ما لفت انتباه الرئيس ترامب؛ ومعاونيه، فتحولت اللقاءات ليتضاعف الوقت المحدّد لها ولتكسر البرتوكول، كما في البعض الآخر. ولي ولي العهد ووزير الدفاع أكّدا بشفافية عالية – وهو وقت يحتم ذلك – أن إيران وكل الجهات الإرهابية تدرك أنها تستهدف السعودية أولاً ومن خلالها سيتضرّر جميع الحلفاء، وبالتالي فدور هؤلاء الحلفاء يجب أن يكون قوياً وواضحاً ومنهم الولاياتالمتحدة.
تصحيح الأمور هذه اللقاءات تمّت قراءتها بدرجات كلها تحمل أهمية كبرى من خلال أبرز وكالات الأنباء العالمية، وهو أمرٌ قال عنه حول – الأهمية تحديداً - مستشار ولي ولي العهد: إنه مثّل "نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين البلدين"، مشيرا إلى أنه أعاد "الأمور إلى مسارها الصحيح"، خصوصاً أن ولي ولي العهد يعد أول مسؤول رفيع خليجي وربما عربي يستقبله الرئيس الأمريكي وفي ذلك دلالات لا تخفى.
بل إن اللقاء، كما نقلت "بلومبيرغ"، عن الأمير محمد بن فرحان مستشار ولي ولي العهد السعودي، كان "ناجحاً للغاية"، واعتبره "يشكل نقلة كبيرة للعلاقات بين البلدين في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية كافة، كما تناول أموراً مهمة جداً مثل قرارات الهجرة، ومن خلال الحديث أكّد ترامب؛ احترامه الكبير للدين الإسلامي، وأن هناك فقط ما تمّ اختطافه من التطرُّف.
شفافية عالية الأمير محمد كان شفافاً للغاية وهو - أمر واقع وليس للضغط مثلاً - يؤكّد للرئيس الأمريكي ووزير دفاعه لاحقاً، رسالة واضحة أن المعلومات الوثيقة للسعودية أن الاستهداف سيكون أيضاً للولايات المتحدة؛ ما يستدعي العمل بشكل جدي ووثيق ومتعاون.
الملفات التي تمّ نقاشها ربما لم يكن متوقعاً أن يتم التطرق إليها في زيارة عاجلة وربما مفاجئة، ولكن العكس هو أن الأمير تمكّن فعلا من استغلال الوقت، وطرح ملفات قوية نتج عنها كأقل ما يمكن إيضاح الموقف الأمريكي الصريح منها، وكذلك الاتفاق على الدور الإرهابي لإيران، وضرورة القيام بخطوات فاعلة مشتركة لردعه.
كما تم التناول بإعجاب أيضاً "كسر البروتوكول"، خاصة عندما استدعى الرئيس ترامب؛ الصحفيين لتصوير ولي ولي العهد، وتوثيق الاجتماع بالصورة، فضلاً عن استدعاء عدد من المسؤولين الأمريكيين للاستماع لما يقوله الأمير السعودي الشاب حول تطلعات المملكة للعلاقة مع أمريكا.
دلالات واضحة هذا فيما نقلت تقارير عن "جيرالد فريستان"؛ مدير مركز "شؤون الخليج في معهد الشرق الأوسط" لوكالة "أسوشييتدبرس"، إن الأجواء بين الرياض وواشنطن تبعث على التفاؤل.
واعتبر أن تعيين رئيس "إكسون موبيل" السابق "ريكس تيلرسون"»؛ الذي يتمتع بعلاقة جيدة مع السعودية وزيراً للخارجية، يعد أمراً مهماً بين البلدين، خصوصاً أنه يعرف مدى أهمية التعاون بين البلدين وعلاقاتهما التاريخية.
وأضاف: "ستشمل دائرة الحوار بين الطرفين مناطق أخرى؛ قد تتطرّق إلى النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي في غياب اتفاق للسلام".
تطلُّع للأفضل ولي ولي العهد السعودي، وبحسب عديد من التقارير، أرسل رسالةً واضحةً للإدارة الأمريكية؛ بل سلّمها بنفسه؛ مفادها أيضاً أن على الإدارة الأمريكية الوضوح، خصوصاً بعد اهتزاز العلاقات في عهد الرئيس السابق أوباما؛ وإشكاليات الاتفاق النووي الأمريكية؛ مؤكداً أن المملكة تثق بأن "الإدارة الأمريكية الجديدة جديرة بالثقة فيما يتعلق بصرامتها مع طهران؛ ما سيسهل إعادة بناء الثقة مع السعودية".
التناول الإعلامي الأمريكي للزيارة أكّد حرص ولي ولي العهد، على دعم رؤية بلاده وهناك الكثير مما يمكن أن تقدمه بلد كأمريكا في هذا المجال، وفي المقابل الولاياتالمتحدة بحاجة إلى تعاون المملكة المعهود في دعم السلام والجوانب الأمريكية كافة.
هذا الحراك أيضا لفت انتباه المغرِّدين على موقع "تويتر"، فوسم مثل "#محمد_بن_سلمان_يذود_عن_الإسلام حظي بنقاشات قوية وإشادات أكبر، خاصّةً على خلفية اللقاء الطويل الذي تجاوز ثلاث ساعات بين وزيرَيْ الدفاع السعودي والأمريكي.
مكتسبات حقيقية المكتسبات في النهاية هي التي تؤكّد قوة الحدث. وما أُعلن من بيان سواء بعد لقاء ولي ولي العهد، مع الرئيس الأمريكي، أو بعد لقائه مع وزير الدفاع الأمريكي أبرز بقوة نقلة كبيرة في انتزاع الوضوح من الموقف الأمريكي، وكذلك مثل الإعلان بعد استثمارات تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار، وتوفير مئات الوظائف سيستفيد منها السعوديون بشكل غير مباشر، وكذلك دعم المحادثات المستمرة لتطوير التعاون الاقتصادي، وكذلك الوصول إلى نقاط التقاء في أبرز ملفات المنطقة السياسية ومستجدات الأوضاع من شأنها الانتقال لمرحلة أفضل من التعاون.
اللقاء مع وزير الدفاع الأمريكي، يرى فيه المتابعون أنه ولّد ارتياحاً كبيراً بين الجانبين حول القضايا والملفات التي تمّت مناقشتها وسبل معالجتها، واتفقا على القيام بمبادرات عدة يجري العمل عليها خلال الأيام القليلة المقبلة.
الرؤية السعودية حاضرة أيضا البيان الذي أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية كان واضحاً فيه تقدُّم البلدين على أهم المسارات، مثل مواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة لاستقرار الشرق الأوسط، كما تناول التعاون العسكري بين البلدين في دحر تنظيم "داعش" والمنظمات الإرهابية الأخرى.
كما ذلك التقارب الذي تحقّق على توسيع دائرة الاقتصاد السعودي وإيجاد استثمارات واعدة، وجذب شراكات تولّد ثقة حتى لجهات في بقية دول العالم للانخراط ضمن قائمة المستفيدين من فرص الرؤية السعودية.